أخبار عاجلة

اغتيال حشاني ..اغتيال الحلم

مقال من الأرشيف بقلم الصحفية دايخة دريدي (مع اقتباس صغير من مقال آخر للصحفي خضير بوقايلة) يصف وقائع محاكمة فؤاد بولامية بتهمة اغتيال عبد القادر حشاني بتاريخ 22 نوفمبر 1999.


المحاكمة نالت شهرة كبيرة
بسبب التصريح الذي أفاد به بولامية من أن الجنرال مدين مارس عليه ضغوطا كبيرة تحت التعذيب ليعترف بمسؤوليته عن عملية الإغتيال، والتي قال فيها الجنرال مدين قائد جهاز المخابرات في الجزائر من 1990 إلى اليوم بأنّه “رب الدزاير” الحكم بالإعدام على فؤاد بولامية

دايخة دريدي – ألجيريا ووتش 16 أفريل 2001، مقال غير منشور بنفس الطريقة في الجزائر لتفادي الرقابة.
انطلقت محاكمة فؤاد بولامية على الساعة التاسعة و الربع صباحا و انتهت على الخامسة و الربع تماما. وقائع محاكمة عاجلة متسارعة الوقائع.


من جميع مراحل هذه المحاكمة التي يمكن وصفها”بالجراحية”، وحدها فقط تلاوة لائحة الإتهام أخذت وقتا أطول من غيرها من المراحل الأخرى.


المتهم هو فؤاد بولامية بسحنته البيضاء الناصعة و شعره الشديد السواد كأنه غراب، يلاحظ محامي معروف جدا من بين المتواجدين بدافع الفضول في الجلسة سرعة تحرّك عيني المتهم… واستظهاراً لمعرفته الدقيقة بالمورفولوجيا الإجرامية راح المحامي يؤكّد:”إنّها عيون قاتل”.


يلف اللغز وجه بولامية بالمقارنة مع القتلة المعتادين، لكن يداه المرتجفتين تكاد تنطق بحركة أصابعه النحلية التي لم تتوقف عن التقاطع و التشابك.


ولد فؤاد بولامية يوم 18 جويلية 1973 بالجزائر العاصمة وتوقف عن الدراسة في مرحلة النهائي و هو أكبر الأبناء السبعة لعائلة بولامية، عمل والده سائقا لدى مؤسسة عمومية أمّا هو فقد اشتغل حسب إفادته مع صديق في بيع الأثاث بحي شراعبة، أحد أحياء الضواحي الأكثر التهاباً مطلع التسيعنات، “إلى غاية 1995 العام الذي قررت فيه الإلتحاق بالجماعات المسلحة إثر قيام جهاز المخابرات DRS باختطاف إثنين من أصدقائي الذين لم يظهر لهما أي أثر منذ ذلك الوقت”. بشاربه القصير وحلاقته حديثة، ارتدى بولامية قميصا منتفخا مزينا بمربعات مع سروال من القماش الداكن و أحذية مرتفعة بلا خيوط… كان هندامه نظيفا و معتادا لدى الشبّان العاصميين.
وحده والد المتهم و اثنين من أخواله من حضر إلى المحاكمة من أقاربه التي غاب عنها أفراد عائلة الضحية كما لم يكن هنالك أي أثر لأي قيادي إسلامي.


عند استنطاقه لأول مرة بتاريخ 22 ديسمبر 1999، اعترف فؤاد بولامية، حسب ما قرأه كاتب الضبط بـ” انضمامة إلى الجماعت الإرهابية ربيع العام 1995″ تحت راية الجماعة الإسلامية المسلحة GIA، وتنقل عقب ذلك من كتيبة إلى أخرى من بوفاريك إلى اولاد سلامة و من الكاليتوس إلى براقي وصولا إلى جبال الشريعة عند عنتر زوابري وكتيبته المشهورة باسم “الكتيبة الخضراء”. أرسله عنتر زوابري إلى الجزائر العاصمة “لإعادة بعث النشاطات فيها” ضمن مجموعة كان يقودها المدعو “القعقاع” و التي اتخذت من غابة المركب الأولمبي خمسة جويلية موقعا لها.


واستأنف كاتب الضبط: “بعدها وجد المتهم نفسه منعزلا عندما قضت قوات الأمن على جميع المحيطين به.”
في هذه اللحظة خرج المتهم من لامبالاته و ارتسمت على وجهه ابتسامة مرتجفة. ” قضى ليلة 21 نوفمبر 1999 في صراع مع وجع شديد ألمّ بسبب أحد أضراسه وقرر أن يقتلعه في صباح الغد” ودائما حسب كاتب الضبط “فقد غادر المتهم مسجد المحمدية الذي لجأ إليه ليلا ليلتحق بحي باب الواد”
كانت أول عيادة طب أسنان طرق بابها تقع بالقرب من مسجد التقوى التي أخبروه فيها أن طبيب الأسنان لن يكون متواجدا إلا بعد الظهر. انتقل بعدها – نزولا عند إشارة شبّان التقاهم في طريقه – إلى عيادة السيدة باجية صورية التي تضمن دوام الساعات الصباحية، وأثناء جلوسه في قاعة الإنتظار تعرّف إلى عبد القادر حشّاني الذي كان يتجاذب أطراف الحديث مع أحد المرضى.


وحسب محظر الإتهام فإنّه و”بمجرد أن رأى الضحية راودته فكرة اغتياله لأنّه كان مسلّحاً ولأنّ حشاني كان من رموز جناح الجزأرة المعادية للجماعات المسلّحة”.


وفي الوقت الذي دخل فيه حشاني إلى غرفة الطبيب راح بولامية يفحص قاعة الإنتظار خرج حشاني بعد دقائق مرفوقا بالممرضة وحيّا المريض الذي كان قبل قليل يتحدث إليه كما صافح أيضا قاتله واتّجه إلى باب الخروج…”وفي هذه اللحظة أخرج بولامية مسدسه وألصق فوهته مباشرة على رأس حشاني و أطلق رصاصة واحدة…انهار حشاني، التقط بولامية محفظة الضحية آمرا الممرضة بفتح الباب على وقع التهديد” أوقف سيارة أجرة وقام خفية بإزالة بقع الدماء أثناء سيره باتجاه ساحة أول ماي وعندئذ احتفظ ببطاقة التعريف الخاصة بحشاني ووضع جميع الأغراض الأخرى في كيس بلاستيكس دفع به إلى أحد الأطفال و قضى ليلته تلك بحي بالمحمدية.


في الغد من ذلك حظر عند صديق له يعمل بالبريد و المواصلات، هذا الأخير سمح له باستعمال جهاز الفاكس حيث حرر بولامية بيده بيان تبني مسؤولية عملية اغتيال حشاني بإسم الجماعة الإسلامية المسلحة GIA، وأرسل نسخة منه إلى كل من جريدتي الوطن و الخبر. أوقفته مصالح الأمن على إثرها يوم 13 ديسمبر في محطة الحافلات بساحة أول ماي، وهكذا وصل المشهد الأول من هذه المحاكمة إلى نهايته.


كان القاضي بنبراته الحادة يتوسط كاتبي ضبط قد غالبهما النعاس، وعندما نادى على بولامية اعترف هذا الأخيرة بانتمائه إلى الجماعات الإسلامية المسلحة، معللا فعله قائلا: “كل مهامي اقتصرت على الإعلام و الإتصال”.” في يوم 13 ديسمبر 1999 وقعت في يد مخابرات DRS الذين هربت منهم عام 1995، لم يكن بحوزتي أي سلاح و لم أقتل حشّاني. كل ما قيل هنا هو مجرد سيناريو من نسج خيال المخابرات”. هنا تدخل القاضي: “لكن هذا ليس ما قلته أمام قاضي التحقيق!”

 

“لقد عذبوني إلى أقصى الحدود، أتفهم؟ ثم جاء الجنرال التوفيق وقال لي: أنا ربها، سوف ترى ماذا سأفعل بك. إعترف بأنك قتلت حشاني و ستُسجن خمسة عشر عاما فقط، سيكون بإمكان والديك رؤيتك في السجن. أما إذا رفضت فسآخذك إلى أمك وأبقر بطنها أمامك. أنا هو الجنرال توفيق، أنا رب الدزاير “يماك ما ازيدش تشوفها””
“ألا تعرف من هو الجنرال التوفيق؟ كل الجزائر تعرفه، لا قيمة لأي قاضي تحقيق أمامه! لقد عذّبتني مجموعة من الضباط و كانت تأتيني بالتعليمات. والله لا أتحمل موت حشاني أبدا”.


كانت قاعة المحكمة إلى لحظات قليلة قبل هذه التصريحات تغط بالنعاس الذي زاد من حدته التثاؤب المستمر الذي كان يطلقه كتّاب المحكمة…وفجأة قفز الجميع من هول الذهول، حتى أن القاضي لم يجرأ على مقاطعة المتهم حتى تدخّل محامي هذا الأخير و أوقفه عن الحديث، السيد خميس، 33 سنة محامي فؤاد بولامية ذهب أبعد من ذلك بتهديده بمغادرة الجلسة إذا لم يتم إحضار الجنرال التوفيق إلى المحمكة.


نزل القاضي أيضا عند طلب المحامي تزويده بنسخة مكتوبة من تصريحات موكله و أشار لبولامية أن يواصل حديثه فما كان من المحامي إلاّ أن أصرّ قائلا:” نعم سيتحدث، لكن ما الفائدة من حديثه بدون حضور الجنرال توفيق، أشترط حضور الجنرال وإلا سأنسحب من الجلسة” مما زاد من غليان قاعة المحكمة التي تحوّلت بفضل هذا المحامي البارع من مشهد من ظلمات روايات كافكا إلى مسرحية هزلية سيئة الذوق، وهكذا رُفعت الجلسة مؤقتا و انسحب القاضي مع مساعديه.


أثناء توقف الجلسة دُعي المحامي خميس خلسة إلى الإلتحاق بالقضاة المنسحبين و فور عودته انهمك في حديث غير مفهوم مع موكله، بعد ذلك رجع أعضاء المحكمة و استؤنفت الجلسة كما لو أنّ شيئا لم يكن…لم يبادر المحامي لتفسير بقاءه في الجلسة على الرغم من عدم استجابة المحكمة لطلبه بإحضار الجنرال توفيق، أما بولامية فلم يُنادى عليه مجددا، و لم تُطرح عليه أسئلة إضافية لا من الدفاع و لا من النائب العام.


كانت عقارب الساعة تشير إلى 11 و 40 دقيقة عندما بدأ الشهود 17 يتعاقبون الواحد تلو الآخر. الشهود الثلاثة الأوائل: ليلى بلخير ممرضة عيادة طب الأسنان، الشاهد الثاني كان في قاعة الإنتظار في نفس الوقت الذي كان فيه حشاني أيضا، و أحد شباب الحي إسمه عبد الله كركاش الذي قال بأنّه صادف القاتل داخلا أثناء توجهه صوب باب الخروج لمغادرة العيادة بعد تلقيه العلاج…مؤكداً: “إنّه هو نفس الشخص الذي رأيته”…وفي المرة الوحيدة التي استفاد فيها المتهم من حق طرح الأسئلة على الشهود طلب من الممرضة أن تشرح بتفصيل دقيق ظروف مواجهتها به أثناء تواجده رهن الإعتقال:


تلعثمت الممرضة وهو يعيد إلى ذاكرتها كيف وضعوه أمامها محاطاً بخمسة عشر ضابطاً من الضباط السامين من الشرطة و الجيش الذين كانوا يصرخون “هذا هوحقا، هل تعرّفت عليه؟ لاتخافي إنّه هو أليس كذلك؟ ما تخافيش….لكنها أصرّت رغم ذلك على أنّ ظروف المواجهة بدت لها “عادية” فقاطعها المتهم صائحا في وجهها «اتقي الله، ما تشهديش شهادة الزور»، لم يُسمح للمتهم بمواصلة الحديث ونودي على الشاهد الموالي، وهو طبيب أسنان بالكاد يُرى ظلّه، هزيل و باهت، أكّد أنه لم ير القاتل. ثم جاء دور حارسي موقف السيارات المقابل لعيادة طب الأسنان التي كانت مسرحا لعملية الإغتيال…بدورهما أكّدا عدم رؤية القاتل لكن لفتا الأنظار وجود سيارة رونو سوبر 5 مدنية رمادية اللون مركونة أمام البناية وعلى متنها أشخاص معهم أجهزة اتّصال لاسلكية توكي- ووكي تنبعث منها باستمرار أصوات المراسلات عبر الموجات…لم تتحرك السيارة من مكانها حتى بعد وصول الشرطة إلى مكان الجريمة.


وأضاف شاب يعمل حارسا لموقف سيارات على قارعة الطريق، أنه شاهد نفس السيارة وعلى متنها شخصان معهما جهاز للاتصال اللاسلكي، ولما سألهما ان كانا يحتاجان مساعدة أجابه السائق «نحن في مهمة». تفسير وجود هذه السيارة في نفس المكان يوم الجريمة وقبل أسبوعين من ذلك، لم يطرح في القاعة، لكن هناك من يقول انها سيارة لرجال الأمن الذين كانوا يراقبون تحركات حشاني عن بعد، ومنهم من يقول انها كانت تقل مدبري الجريمة وكانا هناك يحاولان حماية القاتل.


بعدها تعاقب على منصة الشهود رجال ونساء لم يكونوا في مكان الحادثة و لم يروا أو يسمعوا شيئا ولا يفهمون الدافع من وراء استدعائهم للشهادة. أسئلة الدفاع كانت شبيهة بعملية تشفير نفساني، و هكذا دواليك إلى أن أنهى الشهود إفادتهم بطريقة مجملة قبل أن ترفع الجلسة على الساعة الواحدة ظهرا.


ومع الساعة الثانية و الربع بعد الظهر حان دور الطرف المدني ممثلا بالسيد خليلي الذي أكد في مرافعته أنّ هذه المحاكمة لم ينبثق منها ما يمكن أن يقنعه لا ببراءة ولا بإثم فؤاد بولامية بالجرم المتهم به، أما مرافعة النائب العام فقد جرت بسرعة قياسية كبيرة…كان القضاة بالكاد يحافظون على أجفانهم غير مغمضة، أما مرافعة المحامي السيد خميس فقد تميزت بطرح جملة من التساؤلات كان يجيب عليها متنهداً في كل مرّة بعبارة “سبحان الله”!
وقائع قوية من جلسة المحاكمة: المحامي يخبر المساعدين بأن الشاهد الذي تعرّف اليوم رسميا على بولامية، كان أيضا قد تعرّف في شهادة سابقة على المدعو “عبد اللاوي” بصفة رسمية أيضا. كما نبه المحامي أيضا إلى الوصف الذي قدّمته الممرضة و الشاهد الأول الذي كان في العيادة بخصوص هيئة القاتل قبل توقيف بولامية بأنّه كان: “ضخم الجسد، قوي البنية وأسمر البشر”…الأمر الذي استدعى ابتسام بولامية لأنّه متوسط القامة، ممشوق البنية أبيض البشرة.


وفي الحظة التي أظهر المحامي صورة كمبيوترية مفترضة جرى اعتقال بولامية بناءا عليها، بدا وكأن بولامية يستفيق من غفوة يغطّ فيها منذ زمن بعيد.
على الرابعة وعشرة دقائق انسحب القضاة من أجل المداولة، ليعودوا بعد ساعة من ذلك بالضبط. جلس بولامية من دون دفاعه غير آبه بانتعاش الحضور لاستئناف الجلسة، استمع لمدة خمسة دقائق للأسئلة و الأجوبة المتعلقة بقضيته. صدر الحكم بإعدامه، وقف مودّعا و الده المسن باقتضاب وتوارى عن الأنظار.
======
جدير بالذكر أن فؤاد بولامية قد أفرج عنه من السجن عام 2006 بعد قضائه ما يقارب خمس سنوات في السجن
فؤاد بولامية المنفذ المفترض لعملية اغتيال حشاني غادر السجن في 2006
=====
يبقى السؤال المطروح: من قتل عبد القادر حشاّني؟ الجواب الذي تدلّ كل القرائن أن من قتله هم الذين سجنوه فما استكان، ورغّبوه فما لان وهددوه فما خضع ولا أذعن، وأصرّ على أن الحل هو معرفة الحقيقة وليس دفنها باسم الوئام كما كان الحال يومها.

 

 

(ترجمة قناة الجزائر من المقال الأصلي على Algeriawatch )

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات