اجتمع اليوم قياديون في جبهة القوى الإشتراكية ( الأفافاس ) بنظرائهم في حزب " جيهة التحرير الوطني " في سابقة لا شك تحتفي بها سجلاّت التاريخ السياسي الجزائري الحديث لكن تتوجس منها خيفة أحزاب صارت تنظر إلى جبهة القوى الإشتراكية بعين الريبة و الشك منذ غيّر أشبال الدا الحسين خطابهم تجاه النظام و صاروا اليوم يقترحون أنفسهم وسطاء بين المعارضة و السلطة.
الكثير من العناصر المشتركة صارت تربط اليوم بين الأفلان و الأفافاس ، فجبهة القوى التي ظلت تنتقد خطاب الأفلان زمن الأحادية و التعددية على حد سواء و تتهمه باستغلال الشرعية الثورية للاستحواذ على الحكم ، تطرق بابه اليوم ، بل و تقاسمه توجساته من ثورات الربيع العربي ، و يشير أحد قياديها " محند أمقران شريفي " أن الأب الروحي للأفافسيين حذّر منها بوضفها " ربيعات زائفة ، الخطاب نفسه ظل يردده عمار سعداني منذ اندلاع ثورة الياسمين العام 2011 عند الجارة تونس . خطاب التغيير إذن عند الجبهتين لا يجب أن يكون على شاكلة " الشعب يريد التغيير " بل التغيير هو نتاج فعل ينخرط فيه الشعب و السلطة و الشركاء السياسيين جميعهم.
و لعل اللافت في اجتماع اليوم أن الأفافاس باشر لقاءاته الثنائية مع الشركاء و الشخصيات السياسية مع جبهة التحرير الوطني ، و المسألة لا تخلو هنا من رمزية ، فلا يعقل أن تستهل جبهة القوى مشاوراتها السياسية مع أحزاب أخرى دون أن تستهلها بالحزب العتيد ، جبهة التحرير ، فهي الجبهة التي ظلت تتشبث بالشرعية الثورية، و باسمها شرّعت لنفسها حكم البلاد و العباد لأزيد من 5 عقود كاملة !! و ما تزال إلى اليوم تطالب بمشروعية قيادتها الجهاز التنفيذي ، لأنها الأهم في البلاد ( رئيس الجمهورية رئيسها الشرفي و الفعلي) ، و الأهم في البرلمان ( رغم لصوصية الصناديق ) فكيف تتجاوزها جبهة القوى و تلتفت إلى أحزاب دون وزنها و ثقلها كـ ( الأرندي ) مثلا !
و مثلها تماما ، ترى جبهة القوى الإشتراكية ، أنها الأحق اليوم في قيادة صف المعارضة ، فهي الحزب المعارض الأقدم في البلاد تاريخيا ( 1963 ) ، و أنها ظلت عصية على التدجين مثلما نقرأ في أدبيات الحزب ، وأنها لم تمد يدها يوما لصحون السلطة أو موائد النظام ، و ها هي اليوم تتفرد بخطاب لم يسبقها إليه أحد ، الجلوس إلى السلطة من أجل الحفاظ على إستقلال الجزائر مثلما نقرأ في النداء الذي وجهه الأفافاس الإثنين للجزائريين للإنخراط في مساعي بناء التوافق الوطني ، لا يختلف خطاب جبهة القوى الإشتراكية إذن عن خطاب جبهة التحرير ، فكلاهما يتحدث باسم شرعية لا يحوزها الآخرين ، الشرعية الثورية لـ ( الأفلان) و الشرعية التاريخية لـ ( الأفافاس ) .
و واضح أن الجبهتين العتيدتين ، في السلطة و المعارضة ، يحاولان اليوم الإستثمار في شرعيتهما التاريخية و الثورية ، ليمنحا لحزبيهما أحقية قيادة التغيير التوافقي ، و سيحكي التاريخ أن الأفافاس و هو يسعى لبناء توافق وطني لإحداث التغيير و الإنتقال الديمقراطي المنشود ، كان أوّل ما دقّ ، على باب جبهة التحرير ، و هو اعتراف صريح من أشبال الدا حسين ، أن وحده ( الأفلان ) قادر ( إمكانياته اللوجيستيكية و التنظيمية ) على تحقيق التغيير بالتوابل الذي تريدها ( الأفافاس ) أي حمل جميع أطياف المعارضة على الجلوس إلى السلطة و التعاطي معها ، و كان زعيمها ( أي عمار سعداني ) قد وجه نداء إلى المعارضة نفسها أن مدوّا يدكم باتجاه التوافق الذي تريده السلطة ، بعدما رفضت أقطاب المعارضة منقوصة من ( الأفافاس ) الجلوس إلى مشاورات تعديل الدستور التوافقي .
المهمة ليست صعبة على جبهتين تملكان من الرصيد النضالي ، كل في معسكره ، ما يؤهلهما لقيادة صف المعارضة ، بالشكل الذي ترغب فيه السلطة ، لكن هل تقبل المعارضة الرافضة لأي تعاطي مع السلطة ( تنسيقية الحريات و الإنتقال الديمقراطي و قطب قوى التغيير ، و التحالف الوطني من أجل التغيير ) الدور السياسي الجديد للجبهتين العتيدين ؟
الوضع مرشّح لمزيد من التململات السياسة ، و قد يجد " الشركاء " السياسيون أنفسهم ، عوض الإشتغال على خريطة طريقة واحدة تقود إلى التغيير الهادئ ، منهمكون بمسائل ذات صلة بصراع الزعامات ، تخسر معها الجزائر أشواطا أخرى في معارك الاسئلة الثانوية : من يقود من ؟

تعليقات الزوار
لا تعليقات