بكل مرارة يستقبل أحرارُ الجزائر عيدَ فاتح نوفمبر 1954 من كل سنة ...
بكل استغراب ودهشة يفكر أحرار الجزائر في الفرق الكبير بين شعب الجزائر في عام 1954 وشعب الجزائر في 2014 ... هل هو نفسه بروحه وعقليته وفورة ثورته ضد الظلم والغبن والحقرة ؟ ..في الأمر سِرٌّ والسر رهيبٌ ... فالقهر هو القهر اليوم وهو نفسه أيام الاستعمار والظلم هو الظلم والحقرة هي الحقرة والفقر هو الفقر ، لكن هل الشعب هو الشعب ؟ فكأن شعب الجزائر في نوفمبر 1954 ليس هو شعب الجزائر في نوفمبر 2014 !!!!
تحضرني صورة للمقارنة كثيرا ما يرددها علماء الآثار عن القمة الحضارية التي بلغها فراعنةُ مصر وعلاقتها بالشعب المصري في القرون المتأخرة ...
قبل كل شئ : مع خالص الاعتذار للشعب المصري ...
منذ نهاية القرن التاسع عشر ظهرت نظرية يقول بها المتخصصون في علوم الآثار الفرعونية القديمة جدا تقول بأن ما تركه الفراعنة الأقدمون من الآثار الضخمة العظيمة والهائلة جدا ، وكذا المعالم الحضارية التي تدل على قمة التحضر والتقدم في جميع المجالات ، إن ما تركه أولئك الفراعنة القدماء لاعلاقة له بالمصريين الذين يسكنون اليوم أرض الكنانة ، يقولون بأن طفرة تاريخية هائلة جدا تقدر لا بآلاف السنين بل بعشرات أو مئات الآلاف من السنين بين القوم الذين عاشوا هناك من قدماء الفراعنة حضاريا والقوم الذين يعيشون هناك على نفس الأرض في القرون المتأخرة ، لا علاقة بين أولئك القوم وهؤلاء ... وقد ذهب بعضهم – من فرط الهوة بين القومين شكلا ومضمونا – أن اعتقد أن الذين تركوا تلك الآثار الحضارية الراقية والهائلة جدا لا يمكن أن يكونوا من سكان الأرض بل هم قوم جاءوا من كوكب آخر غير الأرض !!!
فهل شعب الجزائر في نوفمبر 1954 هو شعب الجزائر في 2014 ، لعل شعب نوفمبر 1954 جاءوا من كوكب آخر ولم يكونوا قط من سكان الأرض ...
لماذا ؟
أولا : هل كان شعب جزائر نوفمبر 1954 سيرضى بهذه الحال ؟
* أن يحكمه رئيس كسيح على كرسي .
* أن يرى ثرواته الهائلة تُسرق نهارا جهارا .
* أن يرضى بحكومة عجفاء شمطاء تخبط خبط عشواء .
* أن يقبل اقتصادا في الحضيض وحالة اجتماعية بئيسة جدا في بلاد من أغنى بلدان المنطقة .
* أن يصل به الحال أن يتغلغل فيه سرطان القحط السياسي وهم أحفاد الأمير عبد القادر وعبد الحميد بن باديس والبشير الإبراهيمي وغيرهم ...
* أن يقبل معارضة بئيسة تافهة تائهة لم تتخلص من سراب أحلام النظام نفسه .
* هل يرضى أن يسجن نفسه في لغة سياسية بدائية من قاموس ستينات وسبعينات القرن الماضي يستعمله في المنطقة وحده ...
* هل ستطحنه يوما مطحنة السنوات العشر السوداء التي لا نزال إلى اليوم نتساءل من قتل من ؟
* هل يقبل العيش تحت تهديد العسكر بأنهم على استعداد لإعادة العشرية السوداء فينا وقد يجعلونها عشرينية أو أكثر إذا تحركنا أو تظلمنا ؟
* هل يقبل أن تتوقف عقارب التاريخ عندنا وحدنا نمجد ثورة مسروقة و نصفق للصوص الذين نهبوها وسطو على ثروتنا ، وقد فعلوا ؟؟
فكيف حصل ما حصل ؟
لعل ما حصل هو أن شعب نوفمبر 1954 جاءوا من كوكب آخر ولم يكونوا قط من سكان الأرض ... أو إن القوم الذين يعيشون اليوم على أرض الجزائر هزلت بهم الأيام حتى أصبحوا كالقط الذي يحكي صورة الأسد ...
قيل لجبران خليل جبران لماذا تكره بني جلدتك ؟ قال :
ماذا تريدون أن أفعل يا بني أمي ؟
أتريدون أن أبني لكم من المواعيد الفارغة قصوراً مزخرفة بالكلام و هياكل مسقوفة بالأحلام أم تريدون أن أهدم ما بناه الكاذبون و الجبناء و أنقض ما رفعه المَرَّاءُون و الخبثاء ؟...
ثانيا : 52 سنة من بناء دولة الرفاهية !!!:
قال أحد صانعي الرأي في أمريكا :" اعطوني مالا كثيرا أصنع لكم شعبا يدافع عن آرائكم أيها الحكام حتى وأنتم تقهرونه قهرا " ... قالوا كيف ؟ قال بمطرقته ، أي سأضرب رؤوسه بمطارق إعلامية كاذبة وبروباغندا غزيرة كل ساعة بل وكل دقيقة ، أكاذيب تعتمد على قلب الحقائق وتزوير التاريخ وتحريف مقاصد القيم الأخلاقية ... وكذلك كان ، فقد خضع الشعب الجزائري طيلة 52 سنة لمطارق الأكاذيب والبروباغاندا الخادعة التي قلبت كل الحقائق ، فخضع الشعب الجزائري وبأمواله وخيراته للمطارق الإعلامية الكاذبة وكانت النتيجة كالتالي :
* أصبحت يابان إفريقيا صومال شمالها ...
* صار الفقر المذقع فيها رفاهية في زمن حكم أبناء الحركي من حفدة الاستعمار الفرنسي .
* وصار الخونة في بلاد الشهداء يستفيدون من خيرات الوطن وحدهم داخل و خارج الجزائر وبخيرات الوطن .
* صار الكِرام في بلدي أذلاء يتسولون حقوقهم .
* صار أبناء بلدي يهربون من وطنهم الغني ويفضلون ( الحرقة ) في البحر بحثا عن لقمة عيش ولو في بلاد الواق واق .
* أسكنونا في أقفاص عمودية وتركونا نتصارع عليها ويقتل بعضنا بعضا من أجلها.
* صار الشرفاء مطاردين في وطنهم لأنهم قالوا كلمة حق .
* صار الحق مع الشياتين المنافقين حتى ولو قالوا : " إن الفيل يطير "
* صار وصار وصار
وشعب جزائر 2014 يقول : اللهم زد وبارك ... !!!!
ثالثا : 52 سنة من الكذب وتفقير الشعب ولا تزال DRS الجزائرية تصرخ : َR.A.S
إن أوساخ الأجهزة الإعلامية الرسمية لحكام الجزائر قد أعمت عيون عموم الشعب الجزائري الذي اختصر همه في البحث عن الحد الأدنى من لقمة عيش تقيه خطر الموت ، من كثرة الأكاذيب وتحريف الحقائق أصبحت أغلبية الشعب الجزائري تشك في البديهيات التي تفرق بينه وبين الشعوب الأخرى ، يشكُّ أن شعوب دول الخليج مثلا تعيش أفضل منه بل هي تعيش في نفس المستوى المعيشي له ، يَشُكُّون في كون الثروة الغازية والنفطية قيمتها هي هي عند كل الشعوب التي تشبهها ، يشكُّون أن قيمة الدولار في يد الكويتي أو الإماراتي مثلا هي نفسها عند الجزائري ، فلماذا تظهر معالم الرفاهية عندهم ونزيد نحن غرقا في وحل الفقر والتخلف ؟ ...إن أغلب الشعب الجزائري يثق في أكاذيب أجهزته الإعلامية ويصدق ما تقوله تلك الأجهزة بأن شعوب دول الخليج تعيش نفس معيشة الشعب الجزائري لأن حكامه قالوا له ذلك وهم لا يكذِّبون حكامًهُم ، إنما الكاذبون هم أعداء الجزائر في الداخل والخارج الذين يُروِّجون الأكاذيب بأن الجزائريين مغفلين يسرق حكامهم ثروات البلاد ويهربون الأموال للخارج .. فإذا قال جزائري إن الأمر خطير والبلاد تسير نحو الهاوية تتصدى له DRS وتقول RAS ...
52 سنة من الكذب وتفقير الشعب ولا تزال DRS الجزائرية تصرخ : َR.A.S
عود على بدء :
إذا كان الفرق بين فراعنة الزمن الغابر والمصريين اليوم طفرة تاريخية كبيرة جدا حتى ظن الاختصاصيون في علوم الآثار أن الفراعنة جاءوا من كوكب آخر فقولهم ذاك له مبررات مقنعة وتقدر بفارق مئات الآلاف من القرون ، فكيف يكون الشعب الجزائري قد تغير بهذه الدرجة وليس بينه وبين أجداده الذين فَجَّروا ثورة الفاتح من نوفمبر سوى 60 سنة ؟
هل يُعقل أن ينسى الأحفاد مبادئ أجدادهم ويتنكروا لها بهذه السرعة ؟ فسِتُّون سنة في عمر الشعوب هي كالثواني أو أقل في عمر الإنسانية وتاريخها ... إن النظام الجزائري الفاشستي الديكتاتوري الذي صنعه الاستعمار الفرنسي وتركه خلفه قبل أن يرحل شكليا عن الجزائر ، إن هذا النظام هو المسؤول عن مَحْوِ ذاكرة الأحفاد من كل ما يَمُتُّ بِصلة لثقافة الأجداد ومبادئهم ، وهذا النظام هو الذي جعل أَهَمَّ أهدفه قَطْعُ الصلة نهائيا ومن جذورها بين ثقافة أجداد الشعب الجزائري وأحفادهم ، بين مبادئ الأجداد وقيمهم الانسانية والدينية ومبادئ وقيم الأحفاد وهو ما جعل الكثير من المُتَنَوِّرين الجزائريين يبحثون في هذا الأمر ويدقون – من زمان – ناقوس الخطر حتى لا تضيع هوية الشعب الجزائري نهائيا ، فحكام الجزائر من حفدة الاستعمار الفرنسي قد قَدَّموا أعظم خدمة للمستعمر بأن قاموا بما كان سيفعله المستعمر نفسه نيابة عنه ، لقد نفَّذ حكام الجزائر مخطط الجنرال دوغول على أحسن ما يرام وبإخلاص تام ، حتى وكأن الشعب الجزائري اليوم في 2014 لا علاقة له بالشعب الذي فجَّر ثورة الفاتح نوفمبر 1954 !!!
مع كامل التقدير والاحترام لكل جزائري لا يزال نور الأجداد الوهاج يَشِعُّ من عينيه ، ولا يزال قلبه يدق بهمس الحكمة النفاذة التي لا تعرف الأحقاد والضغائن للبشر إلا لمن أمعن ويمعن في هدر كرامته ورزقه لأن من كانت هذه صفاته لا بد أن ينتفض يوما طال الزمان أم قصر ...
قال لي صديق قرأ الموضوع قبل عرضه : " لعلها عقدة قتل الأب " .. قلتُ له : وهل حكام الجزائر من أصلاب جزائريين أقحاحٍ كِرَامِ المحتد والنَّسبِ ؟..حاشا لله أن يكونوا كذلك ...
سمير كرم خاص للجزائر تايمز

تعليقات الزوار
لا تعليقات