يبدو زعيم حزب "ندا تونس" الباجي قائدالسبسي وهو يقود حملته للانتخابات الرئاسية التي بدأها السبت الماضي من أمام ضريح زعيم تونس التاريخي وباني دولة الاستقلال الحبيب بورقيبة "يخطو بثبات نحو قصر قرطاج بلا منافس جدي"، وسط تضاريس خارطة سياسية جديدة أعاد رسمها بعد أن فاز في الانتخابات البرلمانية على حركة النهضة الإسلامية.
ورغم مرور أربعة أيام على انطلاق حملة الانتخابات الرئاسية التي يشارك فيها 27 مترشحا، لم يشد اهتمام غالبية التونسيين أي مترشح عدا زعيم "نداء تونس" حتى أنه بدا وكأنه "وحيدا" يرسم الطريق إلى قصر قرطاج مثلما رسم مشهذا سياسيا جديدا في الانتخابات البرلمانية فاجأ به حركة النهضة التي قادتها عنجهيتها إلى بناء كل حساباتها السياسية على أساس فوزها في تلك الانتخابات، حتى أنها امتنعت عن ترشيح أحد قياداتها بسبب ما تقول إنه دعم "رئيس توافقي" يكون ضامنا لعدم "تغولها" في الحكم كما لو أنها حسمت مسبقا فوزها في الانتخابات البرلمانية.
ومع حملات انتخابية باردة وباهتة لمترشحين مثل الرئيس منصف المرزوقي ومحافظ البنك المركزي السابق مصطفى كمال النابلي وآخر وزير للصحة في نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي، منذر الزنايدي، وفي انتظار حسم النهضة موقفها بشأن دعم مترشح أو أكثر، تدعمت أكثر حظوظ قائدالسبسي لدى غالبية التونسيين الذين أعاد لأذهانهم صورة رجل الدولة القوي بعد أن افتقدوها خلال السنوات الأربع الماضية.
فقد علق القيادي بنداء تونس محسن مرزوق على الخطاب الذي ألقاه قائدالسبسي في افتتاح حملته الانتخابية بحضور الآلاف من أنصاره بـ"أنه خطاب رجل دولة قوي يتجاوز خطاب رئيس حزب سياسي"، ملاحظا أن "التونسيين يتفاعلون مع أداء قائد كرجل دولة بقدر ما يتفاعلون معه بوصفه رئيس حزب يقود المشروع الحداثي" التونسي.
ويقول المحللون السياسيون إن "انتهاج قائدالسبسي لخطاب وطني عقلاني موجه لكل التونسيين ومترفعا عن التحريض وعن مختلف أشكال تقسيم المجتمع، ساهم إلى حد كبير في استعادة الناس لصورة الزعيم الملهم الذي يعكس ثقافة سياسية تونسية تراكمت منذ إعلان دولة الاستقلال عام 1956 .
وتتطابق آراء المحللين مع نتائج عمليات سبر الآراء التي تؤكد أن التونسيين يستبطنون ثقافة سياسية تجعلهم أكثر وثوقا في قدرة "قائد قوي" على حل مشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية، من وثوقهم في "العملية الديمقراطية ذاتها".
وبحسب استطلاع رأي أجراه مركز بيو للأبحاث ونشره في اكتوبر/تشرين الاول، فإن 62 بالمائة من التونسيين يفضلون "قائدا قويا" لحل مشاكل البلاد مقابل 38 في المائة قالوا إنهم يفضلون حكومة ديمقراطية.
الغنوشي شبح رجل دولة
وفي الواقع تعكس مفاضلة التونسيين لقائد قوي على حكومة ديمقراطية موقفا من تجربة حكومة حركة النهضة الفاشلة خلال عامي 2012 و2013 من جهة، كما تعكس أن راشد الغنوشي الذي كان يوصف خلال تلك التجربة بـ"حاكم تونس الفعلي" لم ينجح في نحت صورته كـ"رجل دولة" أو كـ"قائد قوي" قادر على إقناع التونسيين. وبدت صورته لدى التونسيين مهزوزة ومرتبكة وملتبسة، فلا هو بالسياسي ولا هو بالفقيه على حد تعبير زعيم الجبهة الشعبية حمة الهمامي.
أما صورة الرئيس منصف المرزوقي فهي أشد اهتزازا، فالمناضل اليساري الحقوقي بدا لأغلبية التونسيين "رمزا للانتهازية" بعد أن تنكر لتاريخه وتحالف مع حركة النهضة التي زجت به في أقبية قصر قرطاج مجردا من كل صلاحياته.
ويرى أستاذ علم التاريخ بالجامعة التونسية سامي عبيد أن "قائدالسبسي أحيا في الوعي السياسي التونسي صورة الكاريزم التي يتمتع بها رجال الدولة الأقوياء بعد أن غابت عن المشهد السياسي طيلة أربع سنوات".
ويضيف أن "صورة الزعيم الحبيب بورقيبة وإلى حد ما صورة الرئيس السابق زين العابدين بن علي لم تغادر الوعي السياسي العام، باعتبارهما يمثلان رمزا للقائدين القويين اللذين انتصرا لهيبة الدولة ومؤسساتها".
ويتابع عبيد "أن انجذاب غالبية التونسيين بما فيهم الشباب إلى قائدالسبسي يعود إلى أنهم وجدوا فيه ما افتقدوه أي خصال رجل الدولة والقائد القوي الذي يعبر عن ملامح الشخصية التونسية التي ارتبطت عبر عقود بالزعيم الملهم وهو ما يعزز حظوظ رئيس حزب نداء تونس في الرئاسية".
وتظهر قراءة اللحظة التاريخية التي تأسس فيها "نداء تونس" منذ عامين، أن المشهد السياسي الذي احتكرته حركة النهضة كان بالفعل يفتقد إلى شخصية كاريزماتية توحد التونسيين لا حول "قائد" فقط بل "قائد يقود مشروعا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا يستمد تأييده الشعبي من فرادة الثقافة السياسية الوطنية المتمسكة بالحداثة.
وهذا ما يفسر أن قائدالسبسي نجح في ظرف عامين فقط في بناء قوة سياسية نافذة أغلب مكوناتها من الفئات التي تتمسك بالمشروع الوطني التونسي وترفض مشروع الإسلام السياسي لحركة النهضة، وهي قوة نجحت في كسر شوكة الإسلاميين في الانتخابات البرلمانية.
قائدالسبسي بلا منافس جدي
غير أن غياب المنافسة الجدية لرجل بورقيبة لا يمكن برأي المحللين السياسيين اختزالها في "صورة رجل الدولة القوي" بل تعود أيضا إلى "المشروع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي" الذي يقوده قائدالسبسي وهو مشروع متأصل في وعي الشخصية التونسية ويستمد مشروعيته من إرث تاريخي عريق يعود إلى منتصف القرن التاسع عشر.
وعلى خلاف عدد من شعوب البلدان المشرقية التي يعلو فيها الولاء للقبيلة أو العشيرة أو الجهة على الولاء للدولة، يبدو التونسيون مشدودين إلى وعي وطني عميق يجعل من الولاء للدولة والانتماء إليها "رمزا للمواطنة".
هذا ما يفسر فشل النهضة التي أدارت شؤون البلاد خلال عامين متسلحة بعقلية الإخوان ومنطق الجماعة. وبدا الإسلاميون كما لو أنهم في حالة غزو لمؤسسات الدولة والمجتمع في محاولة يائسة لتدمير الكيان الوطني لتونس، وهو أمر أثار عليهم غضبا شعبيا وسياسيا وعجل بنكستهم في الانتخابات البرلمانية.
لذلك يرجع المحللون السياسيون عدم وجود منافس جدي من بين المترشحين للرئاسية لقائدالسبسي إلى ما يقولون "إحياءه لمشروع دولة الاستقلال" وهو مشروع يجعل من هيبة الدولة المدنية وقيمة المواطنة والحداثة ومكاسب التونسيين وفي مقدمتهم حرية المرأة عناوين أساسية لا يمكن تجاهلها بأي حال من الأحوال.
في هذا السياق يقول أستاذ العلوم السياسية بالجامعة التونسية محمد الرديسي "إن قائدالسبسي بدا للتونسيين وهو يقود 'نداء تونس' حاملا لمشروع وطني بدأته تونس منذ الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، وهو مشروع تتمسك به غالبية فئات المجتمع لأنه يمثل بالنسبة إليهم عنوان الكيان الوطني الذي يصل حلقات تاريخهم بقطع النظر عن المؤاخذات المشروعة عليه.
ويضيف الدريسي إن "الناخب التونسي سيمارس حقه في التصويت تحت وقع وعيه بأنه ينتصر لمفهوم الدولة المدنية التي تكفل حق المواطنة لجميع التونسيين، كما ينتصر لمكاسب تحققت من بالخصوص حرية المرأة التي باتت مهددة من قبل الجماعات الإسلامية على اختلاف مشاربها".
ويتابع الدريسي "بهذا المعنى ولهذه الأسباب تبدو حظوظ قائدالسبسي لا وافرة فقط بل تكاد تكون مضمونة لا لشيء إلا لأن غالبية التونسيين اليوم يرون فيه رمز المشروع الوطني في حالة مماثلة تماما للزعيم بورقيبة الذي خاض معارك مع القوى التقليدية من أجل بناء دولة مدنية مهيبة ونشر التعليم الحديث وتحرير المرأة".
من جانبه يرى عبيد أن "الناخب التونسي سيصوت بالتأكيد للمترشح الذي يرى فيه مواصفات رجل الدولة القوي، ولكنه سيصوت أيضا لمشروع يثق فيه ويعبر عن تطلعاته وطموحاته وأيضا يتماثل مع ثقافته السياسية التي هي ثقافة مدنية منفتحة تعكس ملامح الشخصية التونسية".
ويرجع عبيد غياب المنافسة الجدية لقائدالسبسي إلى قدرته في إقناع غالبية التونسيين على أنه "جمع بين رجل الدولة القوي وحامل المشروع الوطني"، ملاحظا أن ذلك لا يعني أن عددا من المترشحين لا تتوفر فيهم مثل هذه الخصال لكن أداءهم يبدو عاجزا على منافسة سياسي مخضرم يعد أحد أبرز مهندسي تونس البورقيبية، إضافة إلى أنه يخوض الانتخابات متسلحا بفوزه في الانتخابات البرلمانية، وهي انتخابات مثلت حدثا مفصليا في تاريخ تونس لأنها أعادت بناء المشهد السياسي وفق انتظارات التونسيين المشدودين لقيم الحداثة والرافضين لمشروع الإسلام السياسي".
وبعكس ما تحاول النهضة الترويج له فإن دعمها لمرشح أو عدد من المترشحين لن يقلل من حظوظ قائدالسبسي، فأي شخصية تدعمها الحركة ستتلوث بلوثة فشلها في الحكم بل ستتعرض إلى عملية "تصويت عقابي" الأمر الذي سيقود بالضرورة إلى اتساع القاعدة الانتخابية لقائدالسبسي حيث يتوقع أن يستفيد من أصوات "الغاضبين" على النهضة بعد ما خيبت آمالهم في الانتخابات البرلمانية، إضافة إلى استفادته من أصوات "العائلة الديمقراطية" التي طمأنها بتشريكها في حكومة ائتلافية.
وتبدو القاعدة الانتخابية لزعيم نداء تونس تتجه نحو التوسع أكثر فأكثر لتجذب أبناء الطبقة الوسطى من كوادر الإدارة التونسية وموظفيها وهي قاعدة تروضت داخل مؤسسات الدولة وتؤمن بهيبتها وتتبنى ثقافة مدنية. وقد تعرضت هذه القاعدة الانتخابية إلى محاولات تهميشها من قبل النهضويين خلال فترة حكم الحركة الإسلامية غير أنها استبسلت في الدفاع عن مراكزها ما أدى براشد الغنوشي إلى الإقرار بان "النهضة لا تحكم إلا من فوق أما المؤسسات الإدارية فهي بيد العلمانيين".
هذا إضافة إلى أصوات الآلاف من الشباب التي يتوقع أن تصب في صندوق قائدالسبسي الذي فتح له فوزه في الانتخابات البرلمانية آفاقا رحبة أمامه، بعد أربع سنوات من الإحباط والتهميش، وأعاد له الثقة في عملية الانتقال الديمقراطي.
وفي ظل تضاريس خارطة سياسية بدأت تتشكل لتعيد تونس إلى أهلها بعيدا عن أجندة الإسلاميين، لا يتردد التونسيون في التأكيد على أن الرئيس القادم هو الباجي قائدالسبسي، مشددين على أنه الأقرب إليهم والأجدر بأصواتهم حتى أنهم باتوا يتوقعون فوزه منذ الدورة الأولى من الانتخابات التي تجري يوم 23 نوفمبر/تشرين الثاني.

تعليقات الزوار
لا تعليقات