ترحم الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة السبت على أرواح "الشهداء" في الذكرى الستين لاندلاع حرب استقلال الجزائر عن المستعمر الفرنسي، التي شهدت احتفالات في الليلة الماضية، بحسب صور بثها التلفزيون الحكومي.
ولا تخفي هذه الاحتفالات بنجاح الثورة في نيل الاستقلال بعد سبع سنوات من الحرب ضد الاستعمار الفرنسي الأزمة الحادة الشاملة التي تعيش على ايقاعها الجزائر بسبب استبدادي سياسي جرّ على البلاد كل أنواع الشرور الاجتماعية والاقتصادية رغم امكاناتها المادية الهائلة.
ووضع بوتفليقة (77 سنة) واحد المشاركين في هذه الحرب اكليلا من الزهور في "مربع الشهداء" حيث دفن كل الرؤساء السابقين وقادة "ثورة اول نوفمبر" كما تسمى في الجزائر.
ورغم مرور عشرات السنين على 'تحرره' مايزال هذا البلد المغاربي ذي المساحة الشاسعة والثروات الباطنية الهائلة يرزح تحت نير الفقر والتخلف والاستبداد السياسي والفساد في ابشع صوره، بشهادة الكثير من المراقبين للشأن الجزائري.
وظهر بوتفليقة على كرسي متحرك وهو يستعرض تشكيلة من الحرس الجمهوري أدت له التحية الشرفية، ويرفع يديه الاثنتين ليدعو لضحايا الحرب ثم قبل الراية الوطنية وحيا المسؤولين الكبار في الدولة.
وكان بوتفليقة اكد في رسالة للجزائريين بهذه المناسبة ان "ثلة من الرجال استعصموا بالحق فجاءهم اليقين بضرورة تغيير التاريخ بعد أن استنفذت الحركات السياسية على اختلاف توجهاتها كل ما أتيح لها من وسائل النضال".
ووصف بوتفليقة الاستعمار الفرنسي بأنه "ظلام دامس خيم على سماء الوطن، واحتلال مقيت استأثر بكل اسباب الحياة الكريمة لهذا الشعب، حتى أنه لم يبق شبرا من أرضه إلا احتله بالحديد والنار (...) وظن انه استخلص الجزائر لنفسه واستأثر بخيراتها الى الابد الآبدين".
وعلق مراقبون على كلام الرئيس الجزائري بالتأكيد على أن هذه الحماسة الخطابية كان يمكن تفهمها والاحتفاء بها لو أن القيادات السياسية التي استغلت دماء مليون ونصف المليون شهيد لحكم الجزائر بالحديد والنار وبالحجر على أصوات المعارضين، استثمرت الاستقلال واعتبرت مما فعله الاستعمار بالشعب من تنكيل وتشريد وقتل لتعوضه بعضا من آلامه التي ما تزال تبعاتها تلاحق الجزائريين جيلا بعد جيل.
ويضيف هؤلاء إن الاستعمار الفرنسي خرج من الجزائر لكنه خلف وراءه "مستعمر داخلي" أكمل مهمة استعباد الجزائريين باسم الشرعية الثورية المزعومة التي فصلت نظام الحكم ورموزه بشكل يجعله يستفرد جيلا بعد جيل بخيرات البلاد ويحصرها في دوائر ضيقة من المقربين والمنتفعين ما اشاع حالة غير مسبوقة من الفساد كان المواطن البسيط وما يزال أول ضحاياها.
وشرعية الحكم في الجزائر مرسخة في الدستور الذي ينص على انه لا يحق الترشح لمنصب رئيس الجمهورية الا لمن شارك في "ثورة اول نوفمبر" اذا كان مولودا قبل سنة 1942 اي ان سنه لم يكن يتعدى 20 سنة عند الاستقلال في 1962.
اما اذا كان المترشح مولودا بعد هذا التاريخ فعليه ان "يثبت عدم تورط ابويه في اعمال ضد ثورة أول نوفمبر 1954"، وهذا الشرط جاء ليقطع الطريق امام "الحركيون" (الجزائريون الذين تعاونوا مع الاستعمار) وابنائهم.
ويقول الاستاذ الجامعي كريم املال إن جبهة التحرير الوطني ما زالت اليوم المالك الحقيقي الوحيد للشرعية الثورية، في غياب مصدر ديمقراطي للشرعية بالنسبة للسلطة الجزائرية".
وأضاف "في تاريخ الجزائر المستقلة فان المرجعية الاساسية هي حرب التحرير، اي ان الانتماء يحب ان يمتد الى هذه المرحلة ومن هذا الماضي تستمد السلطة شرعية حكمها في الحاضر" حتى وان اضطرت الى تجميل التاريخ الرسمي.
ويقول عدد من الملاحظين إن الثورة الجزائرية التي يضرب بها المثل في تاريخ نضالات الشعوب، قد غدر بها الجيل الأول والثاني لقيادات حرب التحرير المسلحة، وتحديدا في هذا التبني المتخلف والمجحف لمعنى الشرعية الموصلة للحكم والممكنة منه، وهو المعنى الذي يجعل بلادا مثل الجزائر اليوم عاجزة عن "توفبر" رئيس سليم ومعافى للبلاد.
والى غاية سنة 1989 ظل حزب جبهة التحرير الوطني يحكم البلاد بمفرده، ويعمل وفق النظام السوفياتي. وحتى بعد التعددية الحزبية ظل الحزب يتمتع بالأغلبية في البرلمان.
وبتمعن دقيق في الأوضاع وفي المطالب الاحتجاجية التي تبرز في مناطق مختلفة من البلاد بين الفينة والأخرى، يقف المراقب المحايد على ارقام كارثية في أعداد الفقراء والعاطلين عن العمل وتدهور الخدمات في مختلف القطاعات الحكومية بالبلاد، وكأنه ليس بصدد دولة اسمها الجزائر تملك ثروات باطنية ضخمة وأموال طائلة مع نهاية كل سنة، لا يعرف الجزائريون الى أين تذهب في الأخير.
وتشير تقارير من مصادر محلية مستقلة وتقارير دولية إلى استشراء ظاهرة الفساد والرشوة في الجزائر وكان ما يعرف بفضيحة سوناطراك التي بدات إثارتها في ايطاليا قد كشفت عن حجم الأموال النفطية المنهوبة والرشى والتي ذهبت الى عدد كبير من المسؤولين الجزائريين قدمت اليهم من عدد من الشركات الدولية العاملة في التنقيب عن النفط بالبلاد نظير حصولها على امتيازات الحفر والاستغلال لثروات الشعب الجزائري.
ويقول محللون إن النظام "الثوري" في الجزائر هو من أشاع حالة الفساد العامة في البلاد بسبب رفضه للانفتاح السياسي الحقيقي ومواصلة الاعتماد على سياسة شراء الذمم للبقاء في السلطة.
ويضيف هؤلاء أن النظام الجزائري يتعلل بالإرهاب ليواصل قمعه للحريات السياسية رغم بعض محاولات التجميل للعملية السياسية التي جاءت بتعددية شكلية غير قادرة على تغيير الوضع للأفضل بالإتيان بنخبة متشبعة بقيم العصر وقادرة على الاعتراف بأن العالم قد تغير وأن البلاد يلزمها نخبة حديثة غير متقوقعة على نفسها، تقبل على تغيير السياسة العامة للبلاد داخليا واقليميا وفي العلاقة بدول الجوار.
ويثير إصرار النخب السياسية والعسكرية التقليدية والمترهلة والعاجزة حتى عن الحركة، على الاحتفاظ بالسلطة متوسلين كل أنواع الحيل لفرض الأمر الواقع طيلة كل العقود التي مرت على استقلال البلاد، غضبا شعبيا عارما رغم انه لم يجد طريقه للانفجار في الشوارع بفعل كثير من الإكراهات، منها ما هو متعلق بقوة القبضة الامنية التي تكتم الأنفاس بكل قسوة، ومنها ماهو متعلق بالخوف من احتمال ان تنجر البلاد الى وضع أمني مشابه لما عاشته الجزائر في العشرية الأخيرة من القرن العشرين التي سميت بالعشرية السوداء.
وفي تسعينات القرن العشرين اسفر احتراب أهلي بين الدولة ومتشددين إسلاميين عن سقوط ما لايقل عن 200 الف قتيل وفقا للرواية الرسمية.
ويقول مراقبون إن استبداد النظام بهذا الشكل المتخلف وأثره السيء على الأوضاع العامة في البلاد هو الذي يصنع من المجتمع بيئة حاضنة للإرهاب وبالتالي فهو أحد ابرز الاسباب التي يمكن تحميلها مسؤولية استشرائه هذا اذا لم تصح المعلومات التي تقول إن النظام الجزائري واحد من ابرز صانعي الإرهاب في المنطقة لتبرير بقائه وإعفاء نفسه من الإجابة عن سؤال جوهري يسأله الكثيرون في الجزائر وخارجها: لماذا يرفض هذا النظام التغير والاعتراف بانه سائر بذلك إلى طريق مسدودة؟
بن موسى للجزائر تايمز

تعليقات الزوار
لا تعليقات