منذ انطلقت أحداث الربيع العربي والعديد من الكتاب يطرحون احتمالات انتقال العدوى إلى الجزائر، وهو موضوع كان من المنطق أن يتساءل حوله كل كاتب يخوض في المجال السياسي أو يتناول أحداث الوطن العربي، ومن هنا أطرح وجهة النظر فيما قيل ويقال.
وبداية، أسجل رفضي لكل التعليقات التي حاولت النيل من انتفاضة عدد من الشعوب العربية ضد أنظمة طغيان كاد بعضها يتجاوز في تجبره نظام الإمبراطور جان بيدل بوكاسا، شاويش إفريقيا الوسطى الذي خلقته فرنسا، ثم جعلت منه عبرة تؤكد القول المعروف: ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع.
لكن كثيرا من الأحاديث التي تناولت الأوضاع في الجزائر خانها التوفيق، برغم كفاءة العديد من كتابها والنوايا الحسنة التي كانت وراء سطورهم، ولمجرد أن الجزائر حالة خاصة لا يستطيع أن يتناول أحداثها من يعيش بعيدا عنها، حتى ولو كان يعيش داخل حدودها.
ولست هنا في صدد الدفاع عن نظام الحكم في الجزائر، فالذين يتابعون كتاباتي داخل الجزائر وخارجها يعرفون أنني لم أتوقف يوما عن انتقاد الظواهر السلبية التي تعرفها البلاد أيا كانت المستويات التي تحدث فيها، وهو ما دفع الرئيس عبد العزيز بو تفليقة إلى أن يقول يوما لرئيس عربي وهو يقدمني له: حذار، فلان صاحب قلم حاد.
ولقد حاول البعض في الجزائر رفض احتمال أن تعرف الجزائر نفس أحداث تونس وليبيا ومصر بالقول أن الجزائر عرفت ربيعها في 1988، وهو قول مبالغ فيه إلى درجة تقترب به من التزوير، حيث أن أحداث أكتوبر المشار إليها كانت عملية مفبركة، أكد اللواء خالد نزار، وهو وزير الدفاع الجزائري آنذاك، أن عذريتها لا تختلف عن عذرية مريم المجدلية في نهاية مشوارها.
وواقع الأمر، وهو ما اتفق فيه مع بعض كبار كتابنا، هو أن الشعب الجزائري يعيش عقدة العشرية الحمراء التي راح فيها ما يقرب من 200 ألف ضحية، وعانت البلاد خلالها من عملية تدمير تناولت كل المجالات، وخصوصا المجال الاجتماعي، وما زلنا نعيش آثارها إلى يومنا هذا.
ولا بد من الاعتراف بأن نظام الحكم في الجزائر عانى من تركيز السلطات في رئاسة الجمهورية، وهو ما كنت انتقدته كتابيا أكثر من مرة، وتوازى ذلك مع تضاءل العمل السياسي على مستوى الأحزاب والمجتمع المدني، وهو ما أشرت له في أكثر من حديث قلت فيه أن في الجزائر شخصيات سياسية ذات وزن معتبر، لكننا نفتقد وجود طبقة سياسية فاعلة وفعالة، ويستوي في ذلك أحزاب السلطة وأحزاب المعارضة.
غير أنه لا أحد يستطيع إنكار الحقيقة القائلة بأن الجزائر لا تعرف قمع الآراء الذي عرفته البلدان التي انفجرت فيها أحداث الربيع العربي، فليس هناك بلد في العالم تصدر فيه نحو 150 صحيفة يومية، وكثيرا منها موجود على الشبكة العنكبوتية، وحجم الهجومات اليومية التي يتعرض لها النظام ورئيس الجمهورية على وجه التحديد لا تعرفها حتى أعرق الديموقراطيات الغربية.
ويمكن للكاتب أحيانا أن يتفلسف قائلا بأن النظام في الجزائر يسير على خطى مقولة معاوية بن أبي سفيان: لو عقلت ألسنتهم لشهروا سيوفهم، وهو ما لا أجد سببا للجدال حوله، لأنني أراه عملا ذكيا هو جزء من منطق تعامل السلطة مع الجماهير.
وبرغم ما يراه كثيرون من سفه تتعامل به الحكومة مع مالية الدولة فليس هناك من ينكر حجم ما أنجز خلال السنوات الماضية، وأهمها تخفيض حجم الديون الخارجية من نحو 36 مليار دولار إلى ما يقترب من الصفر، وهو ما تم بفضل عائدات النفط التي أحسن التصرف فيها، بحيث لم يقع النظام في نفس الأخطاء التي وقع فيها نظام الرئيس الشاذلي بن جديد في عهدته الأولى، عندما توسع الاستيراد الاستهلاكي إلى أن وصلت البلاد إلى حافة الهاوية، وإن كان هناك من يتصور أننا قد نسير في نفس الطريق.
غير أن التحليل الخاطئ الذي يحاول البعض تصديره لنا من المشرق هو التخويف من التيار الإسلامي الذي حُمّل مسؤولية كل الأخطاء والمثالب، بل والإرهاب، وهو ما تناوله يوما مسؤول مصري كان يحاول تبرير وضعية الثورة المضادة التي تعرفها أرض الكنانة، واستنفار التأييد الرسمي الجزائري للانقلاب المصري.
والتضامن مع الشعب المصري كان دائما في صلب الاهتمامات الجزائرية على كل المستويات، لكن الأشقاء يخطئون كثيرا إذا تصوروا أننا لا نعرف الوقائع ونجهل مسار التاريخ، ونقع في فخ المقارنات البليدة التي يتاجر بها بعض حملة المباخر من الإعلاميين، لاستجداء الدعم الجزائري لأوضاع لا تشبه في شيئ أوضاع الجزائر.
ولقد كانت المأساة التي انزلق إليها الوضع في الجزائر ناتجة عن تصور غبي للأحداث، كنت تناولته أكثر من مرة، وألخصه في السطور التالية.
كان النظام في الجزائر قد أصيب في النصف الثاني من عشرية الثمانينيات بترهل سياسي معيب، كان من أهم أسبابه التصفيات التي عرفتها البلاد في منتصف الثمانينيات وكان من معالمها التخلص من بو تفليقة ومحمد الصالح يحياوي وعبد السلام بلعيد وكثيرون كان يشكلون رئة سياسية لحزب جبهة التحرير الوطني، وكان ممكنا أن يصبحوا مجموعة استشارية محتملة تحمي رئيس الجمهورية من أن يكون سجين اتجاه معين وتوجه محدد.
وضاعف من خطورة التطورات آنذاك الوضع الاقتصادي المعيب الذي نتج عن انهيار أسعار النفط، وما أدى إليه ذلك من توترات اجتماعية.
وبرزت على الساحة مجموعات ما أصبح يُطلق عليه الإسلام السياسي، التي وجدت فيها جماهير كثيرة متنفسا للتعبير عن الغضب من سوء الأحوال العامة.
ورأي الرئيس الشاذلي أن المنطق يقتضي بأن يُمكّن الجميع من العمل في الهواء الطلق، لتفادي تحول أفراد أو جماعات للعمل تحت الأرض، بكل ما يحمله ذلك من أخطار.
وهكذا أعطيت الفرصة للتيار الإسلامي لكي يُعبّر عن توجهاته علنا وفي إطار ديموقراطي، وشهدت المرحلة الأولى انتصارا كبيرا للجبهة الإسلامية للإنقاذ، أقوى التجمعات الإسلامية آنذاك، والتي اختارت لنفسها اسما فيه الكثير من التعالي على الجميع، وإلى درجة نفي كل ما أنجزته البلاد منذ استرجاعها للاستقلال بقيادة جبهة التحرير، وحصد إسلاميو “الإنقاذ” أغلبية المراكز في الانتخابات البلدية عام 1990،.
غير أن هذا الانتصار لوثته تصرفات كانت لها آثار سلبية، ومنها تجبر جبهة الإنقاذ في التعامل مع تجمعات إسلامية أخرى، حيث تصرفت بأسلوب : ما أريكم إلا ما أرى.
وكان أسوأ التصرفات هو ما قامت به البلديات التي انتصرت فيها الجبهة، حيث أنزلت اللافتات التي تحمل اسم البلدية ورفعت مكانها لافتة تحمل عبارة بلدية “كذا” الإسلامية، مما أثار ردود فعل غاضبة عبر التراب الوطني وفي أوساط غالبية المواطنين.
وكانت النتيجة التي فرضت نفسها فيما بعد خلال الانتخابات التشريعية في 1991 هي امتناع نحو 40 في المائة من الناخبين عن المشاركة في الانتخابات، إلى جانب خسارة جبهة الإنقاذ لنحو مليون صوت من بين المشاركين.
ولم يكن هذا هو أخطر ما حدث.
فقد أقتنع الرئيس بما صوره له مستشاروه من أن نتائج الانتخابات التشريعية ستكون كالتالي: 40 في المائة من الأصوات لجبهة التحرير الوطني (الحزب الحاكم الذي يقوده رئيس الجمهورية) ثم 30 في المائة لما يسمى الأحزاب الديموقراطية (المساندة لنظام الحكم) وأخيرا 30 في المائة لمجموع التيارات الإسلامية، وهو ما يعني بكل بساطة أن الأوضاع سوف تكون تحت السيطرة الكاملة.
ونتيجة لهذا التصور تم اعتماد قانون انتخابي على أساس نظام الأغلبية المستمد من النظام الفرنسي، وهو نظام يُمكن الفائز الأول، مهما كانت تفاهة فوزه، من أن يسحق من يليه في ترتيب عدد الأصوات، وصادق المجلس الشعبي برئاسة عبد العزيز بلخادم على هذا القانون، بضغط من الرجل القوي في النظام آنذاك، العربي بلخير.
وكان هذا بداية الطريق نحو الانزلاق الذي عرفته البلاد، وهو ما يختلف تماما عمّا عرفته مصر في 2012.
فقد حصلت جبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر على نحو ثلاثة ملايين صوت، بينما حصلت جبهة التحرير الوطني على نصف عدد الأصوات تقريبا، لكن نظام الانتخاب أعطى الإنقاذ 188 مقعدا في المجلس الوطني بينما لم تحصل جبهة التحرير إلا على نحو 18 مقعدا، أي عُشر عدد المقاعد.
وأخذن المنتصرين عزة متطاولة، وعرفت الجزائر حجما من الحماقات التي ارتكبتها قيادة الإنقاذ وتجاوزت كل حدود المنطق والمعقول، وهكذا أطلقت على الرجل الذي فتح أمامها باب المشاركة الواسعة في الحياة السياسية، أي الرئيس الشاذلي، لقب “مسمار جحا”، واتسمت تصريحات رئيس الجبهة الإسلامية بتجاوزات وصلت إلى حد الوقاحة، وراحت جماهيره تهتف: لا عمل ولا تدريس حتى يتنحّى الرئيس″.
وعرفت الجزائر مظاهرات كان مناضلو “الإنقاذ” يسيرون فيها بالخطوة السريعة التي تميز خطوات المحاربين من رجال الصاعقة الذي ارتدى كثير منهم الزي الأفغاني، وكان صرخاتهم تدوي بشكل أثار قلقا شعبيا، ركز خصوم التيار الإسلامي من الديموقراطيين المزيفين عليه إعلاميا لتحويله إلى حالة من الذعر المبالغ فيه.
ولم يكن هذا وحده هو عنصر الاختلاف مع ما عرفته مصر، فقد حدث أخطر منه عندما رفعت جبهة الإنقاذ الشعار القائل: “لا ميثاق ولا دستور – قال الله وقال الرسول”، وكان هذا تحذيرا واضحا بوضعية انقلابية ستعرفها البلاد إذا تسلمت الإنقاذ السلطة العليا في الدولة.
وهكذا تم الانقلاب المضاد الذي كانت واجهته جبهة مدنية صاخبة، وألغي الدور الثاني من الانتخابات، والباقي المأساوي كله معروف.
من هنا ندرك لماذا لم يكن من منطق الأمور أن تعرف الجزائر في هذه العشرية المضطربة وضعية تشبه ما حدث في سوريا، حيث اندفع النظام هناك كثور إسباني هائج، يفعل بشعبه ما لم يجرؤ على فعل أقل منه بكثير مع عدوّ يدعي أنه يواجهه ويقاومه.
وحقيقي أن النظام الجزائري راح يحاول تهدئة الأوضاع بكرم حاتمي اعتبره البعض نوعا من الرشوة المقنعة التي بعثرت فيها عائدات النفط، إلا أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال تشبيه هذا النظام بنظام العقيد القذافي أو نظام بن علي أو نظام مبارك.
ولا يمكن بأي حال من الأحوال تشبيه وضعية النظام الذي جاءت به ثورة يناير في مصر بوضعية أحداث التسعينيات في الجزائر، ولا تستطيع التيارات الإسلامية اليوم في الجزائر الادعاء بأنها تمثل إرادة شعبية ساحقة، ناهيك عن القول بأنها قادرة على انتزاع أغلبية مؤثرة في أي انتخابات قادمة، وهو أيضا ما يختلف عن الأوضاع في مصر، حيث يعترف واحد من أهم رموز الانقلاب بأن أي انتخابات تجرى اليوم ستحقق انتصار الإخوان المسلمين، برغم أن كل القيادات توجد في السجون.
لكن ما يبدو على سطح الأحداث قد لا يكون إلا سرابا بقيعة، يحسبه الظمآن ماءا.
دكتور محيي الدين عميمور

تعليقات الزوار
لا تعليقات