أخبار عاجلة

عندما يبدأ النظام الجزائري الصراع على مواقع السلطة

 

 

يبدو أن الاختصاصات التي يمنحها النظام الدستوري الجزائري للرئيس تم تجميدها مع بداية تحكم الجيش في دواليب الحكم في عهد الشاذلي بن جديد. هذا الرئيس الذي اعتاد حياة الترف مع عائلته استطاعت المؤسسة العسكرية أن تسيطر عليه وتحتويه وتفرض رؤيتها ومنهجيتها على سلوكه وقراراته.

فمنذ تولي الشاذلي بن جديد السلطة حتى انسحابه بعد انقلاب الجيش على نتائج انتخابات 1991 وصولا إلى هذه اللحظة التي يغير فيها النظام جلده. دأب جنرالات الجيش على استغلال نفوذهم لإبقاء سيطرتهم على كل مفاصل القرار والتحكم في صناعة الخرائط السياسة ابتداء من هرم السلطة إلى أقل رتبة في الإدارة العمومية.

ضعف مركز الرئيس الجزائري أمام سطوة جنرالات الجيش الشعبي ظهر مع سلوك الشاذلي بن جديد في انتفاضة أكتوبر 1988، عندما كان مترددا في القيام بدور حاسم ومتدرج ومدروس في تدبير الأزمة والانتقال بسلاسة وواقعية من الحزب الواحد إلى تعددية حزبية تعبر عن تنوع الفاعلين السياسيين.

إن الفراغ الذي يشهده منصب الرئيس بالجزائر حاليا مع اعتلال بوتفليقة. أعطى لكافة أجنحة السلطة الحاكمة الضوء الأخضر في الرفع من مستوى الصراع على مواقع السلطة والقرار والمرور إلى السرعات النهائية من السباق.

فخروج مظاهرات رجال الشرطة يصب في منحى الصراع على المربعات الأولى في السلطة. تأكد هذا مع تطويقهم مقر الرئاسة واختراقهم قانون الطوارئ الذي حكمت به السلطة العسكرية البلاد منذ العام 1992 رغم تصويت البرلمان عام 2011 على رفعه ولم يتم تفعيله.

مظاهرات الشرطة أتت في وقت حرج تمر به مؤسسة الرئاسة، ونقصد هنا تحسس كل المتفذين بجانب الرئيس المريض على مناصبهم ومصالحهم.من جنرالات وفئة سياسية فاسدة ورجال أعمال يسيطرون على موارد مهمة من الدولة الجزائرية.

ليس اعتباطيا أن يرفع أصحاب البذلة الزرقاء شعارا سياسيا متمثلا في "ارحل" شعار يعبر عن عمق أزمة الرئاسة، والصراع الحاد بين الأجهزة في عملية جراحية لتغيير المظهر العام للنظام الجزائري دون تغيير في جوهر عمله، وصل إلى مستويات متطرفة من التناحر بين الاجنحة.

تحكم الجيش الجزائرى في مفاصل الدولة منذ الاستقلال واستيلاء الجنرالات على القرار السياسي والامني والاقتصادي بشكل قاطع ونهائي في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد. جعلهم يناورون بشكل حدي للاستيلاء على القرار في منطقة شمال إفريقيا.

لقد نسف الجنرالات حلفاءهم معاهدة مراكش المؤسسة لاتحاد مغاربي كان بن جديد متحمسا لها. فتم التخلص منه عقب ضرب مصداقية الصناديق وفوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ بسبب حساسيتهم لكل مخرجات اللعبة الديمقراطية.وإدخالهم الجزائر في عشرية سوداء هم من استفاد منها.

لا يمكن فصل واقع المؤسسة العسكرية عما تعانيه البيروقراطية الحزبية والإدارية من فساد عميق، كل هذا يصب في مصلحة الجيش وشبكته المتحكمة في كل دواليب الدولة من اقتصاد وسياسة وغيرها.الشيء الذي يجعل مؤسسة الجيش لا تبادر إلى التغيير ولا تتحمس إلى كل الأصوات المنادية به.

السبب هو أن أي عملية تغيير تتم بالضغط الداخلي أو الخارجي ستخلخل كل البنية المتحالفة التي هندس معالمها كل الجنرالات داخل النظام بلا استثناءات تذكر.

حاليا تمر الجزائر من ممر ضيق لكنه تحت السيطرة.وهذا يظهر من خلال العمليات التي يقوم بها الجنرالات إن داخل المؤسسة العسكرية والأمنية ويبقى عنصر التنفيس جاريا من خلال ما يحدث في غرداية، وتحركات جهاز الشرطة.

إن النظام الجزائري يحاول إعادة هيكلة القرار السياسي لخلق توازنات تصنع مشهدا يحافظ على المصالح السارية.

فالجنرالات الأكبر سنا سيخرجون بسلاسة من الصورة ويسلمون المشعل لآخرين سيكونون بالضرورة مكرسين لنفس العقيدة ومحافظين على نفس الشبكة المصالحية المحلية والدولية رغم تغيير الوجوه.

فبعد انسحاب بن جديد تفتقت ذهنية الجيش الجزائري على فكرة إحداث المجلس الأعلى للدولة الذي سيترأسه لأول مرة محمد بوضياف الذي تم اغتياله على يد أحد حراسه، الملازم الأول في قوات التدخل السريع بالجيش الجزائري لمبارك بومعرافي في العام 1992.

وليس صدفة أن يتم النبش هذه الأيام في قضية اغتيال الرئيس المغتال محمد بوضياف من طرف وسائل إعلام جزائرية تابعة للسلطة.نرى من خلال هذا النبش الإعلامي بإيعاز ممن يتحكمون في المشهد.أنه يتم توضيب صورة إعلامية وسياسية لشخصية الرئيس القادم برسمهم خطوط حمراء لا يمكنه تجاوزها. للتذكير فالرئيس المغتال كان يدير مصنعا للآجر بمدينة القنيطرة في المغرب منذ سنة 1979.

قَتْلُ رئيس الجزائر تم بتخطيط مسبق وأمام أنظار الشعب الجزائري ودون متابعة جزائية للمسؤولين الحقيقيين. هو رسالة من نظام الجنرالات إلى من يهمهم الأمر بالداخل والخارج. أن المؤسسة العسكرية هي المتحكمة في اللعبة وإخراج سيناريوهاتها وستبقى كذلك دون منازع.

نقرأ أيضا أن البحث في ملف الرئيس بوضياف في هذه الظرفية التي تمر منها البلاد والمنطقة، يعزز نظرية أن ولادة نظام جديد بالجزائر هو في طور التشكل لن يتم بمعزل عن الجيش والمخابرات وبحسابات مصالحية داخلية وخارجية.وتحت المراقبة الدقيقة سواء المباشرة أو غير المباشرة للأجهزة الاستخبارية والعسكرية الدولية خصوصا أميركا وفرنسا.

تحريك ملف بوضياف جاء للتأكيد على أن مسلسل الاغتيالات وارد في أجندة الجيش. وتمرير أن الاغتيال كان وسيكون لمصلحة البلاد واستقرارها. وتمرير أن القضاء الجزائري كذلك متحكم فيه.

التحرك الأخير الذي عرفه جهاز الشرطة ليس فلتة أمنية أو مسألة ارتجالية بل ما سمي تمردا على مدير الأمن الوطني تجري من تحته مياه أخرى تروم إعادة هيكلة الجهاز بعمليات جراحية تتميماً لأخرى تمت وأخرى قادمة لكن بمبضع غير قاتل للمصالح وتشابكاتها.

جاء تمرد الشرطة بالعاصمة الجزائر متوازيا مع تحركات مشبوهة للجيش الجزائري على الشريط الحدودي بين الجزائر والمغرب بتاريخ 18 أكتوبر 2014. تحرك استفزازي أدى إلى إصابة مواطن مغربي برصاص جنود الحدود. وأعقبه تصريح يوم الاثنين 20 اكتوبر، للوزير الأول عبد المالك سلال في منطقة حدودية أخرى قال فيه أن "إن كل من يجرؤ على الدخول إلى ترابنا سنقضي عليه، لدينا جيشا قويا سيتصدى لهم".

تصريح الوزير سلال يحمل قراءتين، الأولى تؤكد على أن الرصاص الذي أصاب المواطن المغربي كان نتيجة سياسة ممنهجة تعتمد قتل كل مبادرة لفتح الحدود البرية واستمرار سياسة العداء تجاه المغرب. الثانية تؤكد على أن النظام لن يتخلى عن منهجيته السياسية المعتمدة على تحالف الجيش ومراكز القوى الأخرى من إدارة وأحزاب ورجال أعمال وإعلام.

إن النظام الجزائري يغير جلده باحتكاك قاسٍ وطويل لكن في النهاية سيبقي على صيرورة مناحي عمله وتدخلاته ومناوراته وشبكة لوبياته داخليا وخارجيا.

 

 

 

الجزائر تايمز محمد بن امحمد العلوي

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات