في رواية الأديب العالمي جورج أورويل الموسومة 1984 ، برزت شخصية سميت اصطلاحا الأخ الأكبر . والأخ الأكبر هو الحاكم الغامض لدولة أوشينا القمعية ورئيس الحزب الحاكم الذي يشكل أعضاؤه الاساسيون (الحزب الداخلي) 2% من الكثافة السكانية للدولة، لكنهم نجحوا في إحكام قبضتهم المطلقة على الشعب عن طريق إخضاع كل الأفراد للمراقبة المستمرة عبر شاشات تنصت -مزروعة في كل زاوية وتسمى تيليسكرين -، وترافقها العبارة الشهيرة الأخ الأكبر يراقبك وهي أساس دعاية النظام في هذه الرواية.
ومنذ صدور رواية 1984 ، دخلت كلمة الأخ الأكبر القاموس السياسي وأصبحت تستعمل كمرادف للتعسف في استعمال السلطات ورهن البلاد والعباد لأهواء الطغمة الحاكمة.
وبين دولة الأخ الأكبر الخيالية ودولة الأخ الأصغر الجزائرية، هناك العديد من أوجه الشبه؛ ففي كليهما تنعدم الأخلاق وتكثر الأسرار. ولم يكن إطلاق تسمية الأخ الأكبر على الحاكم المستبد اعتباطيا لما لهذا الاسم من رمزية، إذ يجمع بين النقيضين؛ فهو من ناحية مؤشر للطمأنينة والحماية والثقة ومن ناحية أخرى رمز للشدة والعنف و ولاية التأديب . ففي الرواية، يعد الأخ الأكبر ضمانة لبقاء الحزب الحاكم على رأس السلطة، لكنه -في الوقت نفسه- يشكل خطرا على المارقين، إذ يستغله أعضاء الحزب لتهديد خصومهم السياسيين ولتخويف عموم الشعب احترس، الأخ الأكبر يراقب كل تحركاتك!
وبالمثل، يعتبر بوتفليقة صمام الأمان لشلة المنتفعين والفاسدين والمرتشين وكبارات الأفالان من الذين زاوجوا ثرواتهم بالسياسة، لكنه بالنسبة للشعب تحول إلى كابوس يجثم على أحلام وآمال الجزائريين، ويهدد عجزه الصحي بإدخال كل البلاد إلى غرفة الإنعاش. غير أن هناك قطاعات لا يستهان بها -تملّكها اليأس و فقدت كل رجاء في إمكانية التغيير- ترى فيه قدرا محتوما و شرا لابد منه للمحافظة على الأمن والاستقرار الهشين اللذان ننعم بهما..
تبرز الرواية -على الجانب الآخر- شخصية إيمانويل غولدشتاين كمعارض رسمي وعدو تقليدي للحزب الحاكم والأخ الأكبر. ويشهد التاريخ الجزائري أن حزب جبهة التحرير لطالما كان ومازال حزب النظام ولسان حاله، إذا ما استثنينا محاولة الراحل عبد الحميد مهري التخندق في صف المعارضة والنأي بحزب الثورة عن مغامرات العسكر وارتجالية دفعة لاكوست؛ لكن المحاولة باءت بالفشل وانتهت بإزاحته من منصب الأمين العام للأفالان سنة 1996.
تبرز الرواية -على الجانب الآخر- شخصية إيمانويل غولدشتاين كمعارض رسمي وعدو تقليدي للحزب الحاكم والأخ الأكبر. ويشهد التاريخ الجزائري أن حزب جبهة التحرير لطالما كان ومازال حزب النظام ولسان حاله، إذا ما استثنينا محاولة الراحل عبد الحميد مهري التخندق في صف المعارضة والنأي بحزب الثورة عن مغامرات العسكر وارتجالية دفعة لاكوست؛ لكن المحاولة باءت بالفشل وانتهت بإزاحته من منصب الأمين العام للأفالان سنة 1996.
وقد نجم عن إبعاد أبناء الثورة ورجال السياسة تحول الساحة إلى مرتع للطفيليات و الذراري الصغار من أصحاب المال الفاسد (أو الحلاّبة على حد وصف سلال)، و وصل التعفن مداه بتقلد عمار سعيداني الأمانة العامة للحزب العتيد.
افتتح سعيداني عهده بالتطبيل -بإيعاز من الأخ الأصغر- لتعديل الدستور والدعوة للتمديد والتسويق للأولغارشية الأفالانية، لكن ممانعة الطرف الأخر في معادلة الحكم أجهضت مخططاتهم. فكان أن انتقلوا إلى الهجوم وصدّروا سعيداني عمار الزّدام للتهجم على مؤسسة الأمن والاستعلامات واتهامها بالتقصير في حماية الأمن القومي الجزائري ودعوة رئيسها علانية إلى الاستقالة! وبذلك تخرج المخابرات -ظاهريا- من الشراكة في الحكم -بعد أن كانت تصنع الرؤساء- وتدخل دائرة الخصم والعدو.
ولعل الأكثر إثارة في ثنائية الأخ الأكبر-غولدشتاين أن الكاتب لم يبذل أي جهد على مدار الرواية لإثبات صحة وصدق وجودهما، ويرجح اغلب النقاد والقراء أنهما غير حقيقيان وأن الحزب استعان بـ كومبارس ذو ملامح قاسية مثيرة للرعب لتجسيد دور الأخ الأكبر والتقاط صور له وفيديوهات وتوزيعها على أنها خاصة بالقائد حاكم أوشينا. وغولدشتاين -بدوره- ليس أقل غموضا و لاوجودا من الأخ الأكبر وهو ليس أقل نفعا من الأخير بالنسبة لبقاء الحزب الحاكم؛ فهو كبش الفداء وفي كل مرة تسير الأمور بشكل سيء أو خاطئ، يلقى باللوم تلقائيا على غولدشتاين.
أما في الجزائر، فثنائية الحكم ليست بالشخصيات الوهمية على الإطلاق؛ وبوتفليقة شخصية حقيقية عاشت بيننا طويلا إلا أنها توارت في السنة الأخيرة وتحولت إلى مايشبه الخيال أو الوهم -تماما كالأخ الأكبر-، يتحدثون ويحكمون باسمه لكن لا احد يراه أو يسمعه شخصيا. وكان من تبعات غيابه عن المشهد السياسي، أن خلت الساحة للأخ الأصغر -الذي لا يملك اي صفة قانونية أو رسمية تؤهله لأن يحكمنا ويتحكم في مصائرنا باسم شقيقه- فلا الجزائر ملكية تورّث ولا منصب الرئيس ينتقل من شخص الأخ الأكبر إلى الأصغر بالوكالة أو الإنابة.
وعلى النقيض، فان إثباتات وجود التوفيق -مدير الأمن والاستعلامات- تكاد تكون شبه منعدمة في ظل تواريه التام عن الأضواء لعقود من الزمن و وجود صورة يتيمة منسوبة له تتناقلها المواقع الالكترونية ومؤخرا سمح بظهورها في الجرائد.
وعلى النقيض، فان إثباتات وجود التوفيق -مدير الأمن والاستعلامات- تكاد تكون شبه منعدمة في ظل تواريه التام عن الأضواء لعقود من الزمن و وجود صورة يتيمة منسوبة له تتناقلها المواقع الالكترونية ومؤخرا سمح بظهورها في الجرائد.
والأكثر خطرا في غياب الرئيس أنه فتح المجال لممارسة المراهقة السياسية علنا ودون تقدير العواقب. فقد وضعت تصريحات سعيداني اللامسؤولة التوفيق في خانة غولدشتاين؛ بأن مسحوا فيه الموس وحملوه كل أوزار النظام في مقابل محاولة تبرئة شكيب خليل واستصدار صك عذرية لعصـ(ا)بة وجدة وآل بوتفليقة.
لكن الرد لم يتأخر كثيرا فكان الضرب تحت الحزام -على منهاج الكا جي بي- بفضح الشذوذ الجنسي للمحيط الرئاسي (وتحديدا البوق ومن وسوس له). ثم جاءت رسالة التعزية التوافقية والتي قرئت باسم الرئيس النائم -الذي ربما لا يعلم أساسا بتحطم طائرة عسكرية جزائرية-، وأهم ما ورد فيها أنه لا يحق لأحد مهما تعالت المسؤوليات أن يعرض الجيش الوطني الشعبي و المؤسسات الدستورية الأخرى إلى البلبلة . ومازال الطبال يصر على انه ليس المقصود بالتحذير الوارد في الرسالة، ومازال والي الجزائر ينتظر الضوء الأخضر من عدمه للبت في طلبات بلعياط المتكررة لاستصدار ترخيص يخوله استدعاء اللجنة المركزية، ومازال الشعب يترقب ويحبس أنفاسه داعيا أن يمر هذا الشهر العصيب بسلام.
تستحق الجزائر نهاية طوباية كأن يرحل عنها كل من طاب جنانهم، فيستقيل التوفيق ويعتزل بوتفليقة الأكبر معترك الحياة السياسية ويسحب معه بوتفليقة الأصغر وشلته التي لا تستحي من المتاجرة ببقايا عبد العزيز بوتفليقة في سبيل الحفاظ على امتيازاتها وسلطاتها. لكن النهايات غالبا مالا تكون على هوانا خاصة إذا تعلق الأمر بقصة واقعية كحكاية الجزائر التعيسة.
وبالعودة إلى 1984 ، فبعد إلقاء القبض على بطل الرواية سميث وتعرضه لأبشع صنوف التعذيب، وصف السجان وممثل الحزب أوبريان الأخ الأكبر بأنه رمز غير معرض للموت وأنه تجسيد للحزب وأنه باق ما بقي الحزب الحاكم على وجه الأرض. وحين تساءل سميث هل الأخ الأكبر له وجود فعلي مثلي؟ رد عليه أوبريان بالقول أنت غير موجود !!
إذا فالصراع خرج عن نطاق حروب السرايا بين جناح الرئاسة وجناح المخابرات، بل أصبح صراع وجود بين الشعب الجزائري وآل بوتفليقة، فإما أن تسقط فرضية العهدة الرابعة وإما أن تخيّم علينا دولة الأخوين الأكبر والأصغر بظلالها السوداء وتحجب عنا ضوء المستقبل.

تعليقات الزوار
لا تعليقات