هز الإعلان عن وفاة الطالب اليساري المغربي مصطفى المزياني مساء يوم الأربعاء في مدينة فاس بعد إضراب ماراثوني عن الطعام استمر 72 يوما الرأي العام المغربي، وخلف موت الطالب السجين موجة غضب حقوقية عارمة وسيلا من التعليقات على صفحات المواقع الاجتماعية بسبب الإهمال واللامبالاة التي تعاملت بها أطراف داخل الدولة مع ملف الطالب المغربي رغم المناشدات الحقوقية للالتفات لحالته قبل فوات الأوان.
وتدهورت حالة المزياني بشكل كبير في اليومين الماضيين بعد ان فقد في وقت سابق حاستي السمع والبصر والقدرة على النطق. وكان المزياني قد اعتقل على خلفية مقتل طالب إسلامي بعد مواجهات عنيفة شهدتها جامعة فاس قبل أشهر بين طلبة محسوبين على حزب العدالة والتنمية وآخرين محسوبين على اليسار الراديكالي، وخاض إضرابا عن الطعام بدأه قبل اعتقاله وأكمله في السجن إلى أن فارق الحياة في المستشفى.
وسارعت مديرية إدارة السجون في المغرب إلى إصدار بيان تتبرأ فيه من مسؤوليتها عن وفاة الطالب، وقالت المديرية الجهوية للسجون في فاس أنها كانت تتبع بشكل مستمر الحالة الصحية للطالب المضرب عن الطعام ونقلته في أكثر من مرة إلى المستشفى عندما تدهورت حالته بتاريخي 16 و19 تموز/ يوليو قبل نقله إلى المستشفى الجامعي الحسن الثاني بفاس بتنسيق مع طبيب المؤسسة السجنية بتاريخ 4 اب/ اغسطس، تابع البيان أن مصطفى المزياني قد خضع لمجموعة من الفحوصات والوصفات الطبية التي تكلفت المؤسسة السجنية بمصاريفها وأن هذه الأخيرة استعملت كل الوسائل من أجل ثنيه عن مواصلة قرار الإضراب رغم إشعاره بقرار اتخاذ قرار إعادته التسجيل في الجامعة.
في الجهة المقابلة، استغربت مصادر حقوقية تكتم الجهات الرسمية على قرار إعادة التسجيل في الجامعة وعدم الإعلان عنه إلى غاية وفاة الطالب، خصوصا أن الأسبوع الماضي عرف سيلا من بيانات المنظمات والهيئات الحقوقية التي طالبت بتسريع الاستجابة لمطالب الطالب المغربي. وتابعت ذات المصادر أن السلطات لم تبدأ بالتواصل مع المزياني إلا حينما فقد القدرة على الكلام والوعي.
وحملت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان الدولة مسؤولية وفاة الطالب بعد تجاهلها لمطالبه العادلة والمشروعة منذ البداية بسبب رفضها فتح حوار معه والاستماع إليه، مشيرة إلى أنها قامت بالتنبيه في أكثر من مرة إلى خطورة وضعه وضرورة تحرك المسؤولين وقامت كذلك بمراسلة وزارة العدل والحريات والمندوبية العامة لإدارة السجون ورئيس الحكومة إلا أن مطالبها لم تلق آذانا صاغية في تجاهل واضح للحق في الحياة، وأكدت الجمعية على أن ثقافة الحوار هي الوحيدة الكفيلة بمعالجة القضايا المطروحة المرتبطة بالأوضاع في السجون، والاعتقال السياسي، ومناهضة التعذيب وكل أشكال المعاملات القاسية والمهينة أو الحاطة من الكرامة.كما حمل الحبيب حاجي رئيس جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان كلا من رئيس الحكومة ووزير التعليم والمجلس الوطني لحقوق الإنسان ووزير الصحة مسؤولية وفاة الطالب لوقوفهم موقف المتفرج وعدم بذلهم أي مجهود لإنقاذ حياته.
واعتبر فصيل البرنامج المرحلي الماركسي، والذي كان ينتمي إليه الطالب المتوفى أن المزياني شهيد ينضاف إلى قائمة شهداء التحرر والانعتاق واصفة وفاته بأنها اغتيال سياسي منظم شارك فيه الإسلاميون الذين يقودون الحكومة، وأنه يشكل إدانة موشومة بالدم وصرخة مدوية في وجه من آمنوا ب «العهد الجديد» و «الانتقال الديمقراطي»، وتابع بيان للفصيل الطلابي اليساري الراديكالي الذي تتهمه السلطات بالتورط في تدبير مقتل الطالب الإسلامي الحسناوي قبل أشهر أن المزياني تحدى القمع والإرهاب الذي تعرض له بحرمانه من واحد من أقدس حقوق الإنسان وهو الحق في التمدرس.
وقالت مصادر طلابية لـ «القدس العربي» أنه جرى نقل جثة الراحل من فاس إلى الدار البيضاء لإجراء تشريح طبي لها وذلك بأمر من وكيل الملك في فاس، وكان اختفاء الجثة بشكل مفاجىء من المستشفى قد خلف حالة من التوتر بين رجال الأمن وعائلة وأصدقاء الراحل. ولن تتمكن عائلة الراحل من استكمال الإجراءات الإدارية لنقل جثمان ابنها ودفنه في مسقط رأسه إلا بعد أن يتم التوصل بنتائج التقرير الطبي من مدينة الدار البيضاء. في غضون ذلك، تم تعزيز الإجراءات الأمنية في محيط قرية تنديت بأوطاط الحاج تحسبا لأي احتجاجات شعبية منددة بوفاة ابن المنطقة.
وجاءت وفاة الطالب المزياني بطريقة اعتبرها الكثيرون مهينة في ظل موجة غضب حقوقية في المغرب، بسبب عدد من الإجراءات والأحكام التي اعتبرت في الوسط الحقوقي بمثابة نكوص وعودة إلى الوراء. وكان آخرها الحكم على الناشطة الحقوقية وفاء شرف بسنة سجنا نافذا بسبب اتهامات بتبليغ كاذب عن واقعة تعذيب وقبلها الحكم على الناشط أسامة حسني بثلاثة سنوات لنفس التهمة، بالإضافة إلى منع وزارة الداخلية للجمعية المغربية لحقوق الإنسان من تنظيم أنشطتها الصيفية دون تقديم أي مبررات مقنعة والتضييق على نشطائها في عدد من المناطق، ورفض الترخيص لجمعية «الحرية الآن» الحقوقية، والتضييق على المغني المعارض معاد الحاقد في السجن. في الوقت الذي يستعد فيه المغرب لاحتضان الدورة الثانية للمنتدى العالمي لحقوق الإنسان في شهر تشرين الثاني / نوفمبرالقادم.
عماد استيتو

تعليقات الزوار
لا تعليقات