أخبار عاجلة

علي بن فليس أرنب أم رئيس ؟

إعلان علي بن فليس عن ترشحه الرسمي للانتخابات الرئاسية القادمة ، يبدو غريبا وصادما للكثيرين ، غريبا وصادما لأن الرجل أكثر الناس معرفة بخبايا السلطة وكيف تدار الأمور داخل السرايا ، وبالتالي هو آخر من يفكر في الترشح ، خاصة وأنه تلقى درسا قاسيا سنة 2004 على يد بوتفليقة ، والذي تسبب في اعتزاله السياسة لقرابة العشر سنوات ، كما أن هذا الاعتزال بدا وأنه معرفة بحجم قوة الخصم واستسلاما للأمر الواقع ، بن فليس لم يكتف بالهزيمة فحسب والإذعان لها ، بل انسحب نهائيا من المشهد السياسي على خلفية الهزيمة المدوية أمام بوتفليقة .. !


ولعل ما زاد من غموض موقف بن فليس المستجد، هي الظروف المحيطة بالانتخابات الرئاسية القادمة والتي تشي بالغلق التام، خاصة بعد تغييرات سبتمبر الماضي، والتي أعطت انطباعا أن الانتخابات مخيطة للرئيس أو مرشحه، مما حدا بالشخصيات ذات الوزن الثقيل إلى التريث والترقب قبل إعلان موقفها النهائي من الترشح، ومنها من أعلنت انسحابها المسبق، ونأت بنفسها عن المشاركة في مسرحية معروف  أبطالها و تفاصيلها مسبقا ، في مثل هذه الذي الظروف يقتحم بن فليس المشهد السياسي مجددا ، ويعود من حالة "البيات السياسي" التي كان عليها ، ويعلن عن نفسه مرشحا..؟!


 في الوقت الذي ينسحب فيه الجميع ، يقود بن فليس حركة معاكسة ، و يسبح عكس التيار ، هذا الأمر ولد ارتيابا  وشكا لدى الكثير من المتابعين،  إصرار  بن فليس على الترشح في هذا التوقيت ، وفي مثل هذه الظروف،  أثار موجة من التساؤلات وخلف  العديد من القراءات والتحليلات المتضاربة ، وسط تسريب العديد من الروايات والحكايات :

 

على بن فليس.. هل هو الأرنب الكبير ..؟؟

خرجة بن فليس المفاجئة ، جعلت من أغلب الروايات والقراءات تشير إلى  صفقة قد تكون تمت بين بوتفليقة وعلى بن فليس، أو بين بن فليس وأجنحة في النظام  :


- ذهب البعض بخياله بعيدا، وروى أن الصفقة تمت سنة 2004 وبالتحديد  بُعيد رئاسيات أفريل من تلك السنة، أين التقى بوتفليقة بعلي بن فليس في جلسة صلح ، وتعهد الأول للأخير بأن يسلم له السلطة عندما يفكر في الرحيل عن السلطة،  بشرط أن يلتزم علي بن فليس بالصمت طيلة هذه السنوات..!؟


- يقول آخر أن صراع بن فليس مع بوتفليقة في رئاسيات 2004  كان مصطنعا ومفبركا، وأن كل شيء كان متفقا عليه من أجل تسخين العملية الانتخابية، وإثارة الحماس لدى الأوساط الشعبية والإعلامية، بدليل أن الانتخابات حينها كانت أحد الاستحقاقات القليلة التي عرفت تشويقا وتنافسا غير مسبوق، ووصلت إلى درجة تشكيك البعض في إمكانية فوز بوتفليقة أمام منافسه علي بن فليس، مما جعل هذا السيناريو مغريا بالمحاكاة والتكرار، خاصة وأننا على أعتاب رئاسيات يخيم عليها بح مقاطعة الأوزان الثقيلة ،  وبالتالي  احتمال  المقاطعة الشعبية وعدم اهتمام الناخبين، فتم استدعاء بن فليس هذه الأيام للقيام بنفس المهمة، كما يذهب البعض إلى أن بن فليس مجرد طعم  يُستخدم لاصطياد الأوزان الثقيلة (كبن بيتور وحمروش ) حتى تتخلى عن ترددها  وتحفظها، وتشارك في عرس السلطة وبالتالي تساهم في تسويق رئاسيات 2014 ..!


- يقال أيضا ، أن على بن فليس اتصلت به قيادات نافذة في جهاز المخابرات، لتعبر له عن مساندتها له انتقاما من الرئيس بوتفليقة، الذي دخل عرين "دي أر أس" وعبث بمحتوياته، وذهبوا بخيالهم بعيدا، وزعموا أن الجنرال توفيق اتصل شخصيا بعلي بن فليس وقال له: "كما ساهمت في إنجاح  بوتفليقة وهزيمتك سنة 2004 سأقلب المعادلة هذه المرة..."؟!


في المجمل، ومن خلال القراءة الأولية لأغلب الروايات المنتشرة هذه الأيام، يُلحظ  نوع من التركيز على فرضية الصفقة في تفسير الترشح الغير متوقع لبن فليس، وهذا راجع لأن ترشحه لا يمكن تصنيفه  إلا في ظل اتفاق جهات نافذة، باعتبار أن الرجل أحد رموز النظام، ولا يتحرك عادة إلا بمهماز، الصفقة قد تكون تمت في الاتجاهين، بمعنى: بن فليس لن يدخل الرئاسيات القادمة إلا وهو متأكد بأنه سيكون رئيسا بضمانات معينة، أو أنه  يدخلها وهو يعلم أن سيهزم لا محالة، بمعنى: سيستخدم كأرنب من الحجم الكبير في انتخابات رئاسية يلوح فيها الكثير بالمقاطعة بسبب الغلق المسبق ..!


 سواء كان دخوله بعد إعطائه ضمانات بأنه سيكون رئيسا في جميع الأحوال، أو تم الاتفاق ليكون أرنبا من الحجم  الكبير ، فكل ذلك لا يمكن إلا أن يدخل تحت مسمى الصفقة ..هذا لأن بن فليس ابن النظام ويدرك أكثر من أي شخص آخر بأن السلطة إذا نظمت أي انتخابات فلا يمكن أن يفوز إلا مرشحها، بن فليس سيد العارفين أن النظام الشمولي الأحادي لا يمكن أن ينظم انتخابات مفتوحة على الإطلاق.


إذا كان احتمال  دخول بن فليس كأرنب في الانتخابات الرئاسية القادمة، قد لا يحتاج إلى تفاصيل كثيرة عن طريق وضوح أطراف الصفقة، وطريقة إتمام الصفقة في حد ذاتها... فان احتمال دخول بن فليس كمشروع رئيس قادم بضمانات من أعلى سلطة، هذا الأمر يثير العديد من التساؤلات، ولعل أبرزها: من الذي سيعطي الضمانات لبن فليس ليكون رئيسا ..؟؟  الواقع أن هذا السؤال لا يحتمل إلا إجابة واحدة، الذي يعطي هذه الضمانات هو الرئيس بوتفليقة، باعتبار أن بن فليس لا يقبل إلا أن تكون الضمانات حقيقية وتستند إلى جهة فاعلة في السلطة الحالية، وهذه الضمانة لا يقدمها له إلا بوتفليقة شخصيا، لأن على بن فليس  لن يكرر نفس الخطأ، فيعتمد على ضمانات يقدمها جناح  في النظام يعده بالنصر المحسوم، ثم يحدث له ما حدث سنة 2004 أين عوّل على دعم بعض الجنرالات فكان مصيره الذي يعرفه الجميع ...

 

أوهام بن فليس

 أقرب القراءات إلى المنطق والتي تتفق مع واقع الحال، هي أن بن فليس ما كان له ليترشح لولا أنه يملك معلومات مؤكدة حول الوضع الصحي للرئيس بوتفليقة، وبالتالي هو متيقن من عدم ترشح الرئيس بوتفليقة كاحتمال قوي، وإن ترشح في أضعف الاحتمالات  يتصور بن فليس أن الوضع الصحي المتردي لبوتفليقة  سيعيقه ويقلص من حظوظه، فبن فليس يتصور أن بوتفليقة انتهى ولم يعد يشكل خطرا منذ وعكته الصحية الأخيرة، ولعل هذا هو سر إصرار بن فليس على الترشح  ، بغض النظر عن موقف بوتفليقة، بن فليس  يعتبر بوتفليقة أكبر عقبة تفق في طريقه نحو قصر المرادية، ولولاه  لكان رئيسا سنة 2004، في ظل عدم ترشح بوتفليقة بسبب ظروفه الصحية أو ترشحه بوضعه الصحي الحالي  و في ظل  غياب شخصية من الوزن الثقيل على مستوى الساحة السياسية، يعتقد على بن فليس أن حظوظه وافره وانتزاعه لمنصب القاضي الأول في البلاد أمر شبه محسوم ..


كما يعول علي بن فليس على حالة الانقسام التي يعيشها الآفلان، والتي قد يعتبرها في صالحه، خاصة إذا قدم نفسه على أساس رجل توافق داخل الحزب العتيد، وقد يقبل بذلك المناضلون والقيادات حسما للخلافات وإنهاءا للصراعات، فربما يستغل علي بن فليس حالة التشظي التي يعرفها الحزب العتيد، وتكون ورقة هامة في يده..


يضاف إلى ذلك التغييرات التي أجراها بوتفليقة على مستوى جهاز المخابرات، والتي  ربما فسرها علي بن فليس على أنها انفراط  لعقد الثقة بين الرئاسة وجهاز المخابرات ، فبن فليس يتصور أن تحالف بوتفليقة مع جهاز المخابرات سنة 2004 هو الذي كان سببا في هزيمته المدوية، ولعله يتبنى التحليلات التي تشير إلى تصدع هذا الحلف على خلفية التغييرات التي أجراها الرئيس بوتفليقة على جهاز دي أر أس، ويتوهم أن هذا الأمر كفيل بأن يحقق أحلامه، فيكون نزيل المرادية بعد أفريل 2014 ..

 

الجثة السياسية في مواجهة الرجل المقعد

مع كامل احترامنا للسيد علي بن فليس وتقديرنا لشخصه، فإنه لا يمكن توصيفه سياسيا إلا بـ "الجثة السياسية"، لأن الرجل مهما كان وزنه إذا غاب عن المشهد السياسي لعشر سنوات يعتبر في عداد الموتى، ويدخل ضمن مسمى "الجثث السياسية"، الرجل إذا ظهر بصفة مفاجئة على الساحة السياسية بعد انقطاع طويل، بل وصوم عن الكلام وعن الحراك السياسي، لا يمكن إلا يكون إلا كالمومياء المحنطة، تستعرض في المتاحف السياسية للفرجة والتسلية عند العامة، ولاستلهام العبر والدروس عند الباحثين ..!


كما أنه من الناحية الأخلاقية، لا يليق برجل عزف عن الخوض في الشأن السياسي لعشر سنوات كاملة - بدون الحديث عن التفاعل السياسي - يترشح لانتخابات الرئاسة دفعة واحدة، الحياة السياسية لا تعترف ب"البيات السياسي"، والترشح للرئاسيات يعد تتويجا  لسنوات من النضال والتفاعل مع الجماهير  بدون انقطاع، أما النزول من السماء على طريقة المظليين  وطلب المنصب.. هذا الأمر لا يمكن إلا تصنيفه في إطار "الانتهازية السياسية "، الغياب والتغييب القصري عن المشهد السياسي يكون مفهوما إذا كان في سياق دفع ضريبة هذا النضال والتفاعل السياسي، كالسجن أو الإقامة الجبرية على سبيل المثال، معارضة النظام لا تعترف بالأوقات المستقطعة، وبالاعتزال المؤقت، لأن ذلك يعتبر في عرف الساسة: عجز واستسلام، خذلان وجبن، وهروب من المواجهة..

 

أفضل تعبير عن مأساوية المشهد السياسي وعبثيته، أن تُقدم الجثة السياسية كأكبر منافس للرجل المقعد، الغريب أن الفاعلين المتواجدين على الساحة السياسية ممن يعزفون سيمفونية التملق والتسلق، والذين يكسرون حالة الصمت والركود السياسي ويثيرون الصخب، ويسخنون الأجواء ..انقسموا بين الجثة السياسية والرجل المريض، فلا صوت يعلو على أصواتهم ،انقسموا إلى فريقين، فريق  يستجدي الرجل المريض- شفاه الله - لكي يترشح، والفريق  الآخر ذهب إلى المومياء المحنطة ليستخرجها من المتحف السياسي..؟!

 

  أكبر دليل على أن الحياة السياسية في الجزائر تسير نحو موت اكلينيكي، هو هذا الرهط من المطبلين والشياتين المتحلقين حول الرجلين دون سواهما، والغريب أن كلاهما (بوتفليقة وبن فليس) توقف قلبهما عن النبض السياسي منذ زمن، ويبدو أن هذه الصفات تستهوي الأشباح السياسية، كل هذه المشاهد الكاريكاتورية ترسم أحسن سيناريو لأتعس رئاسيات : رجل مريض يواجه جثة سياسية.. والشعب شبع موتا .. !!

 

 

 


مفتاح سحنون

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات