مركز استنطاق الإسلاميين ببن عكنون حيث اكتشفت حقيقة السلطة الفعلية في الجزائر وتعرفت على طبيعة عناصرها وحاورتهم وجها لوجه بدون وساطات ولا أقنعة واتخذت منهم موقفا مبدئيا. إنهم ليسوا تنظي ما إرهابيا بالمعنى السياسي فقط وإنما هم عصابة من نوع المافيا بالمعنى التام للكلمة، وهذا ما قلته لهم بالحرف الواحد عندما كنت بين مخالبهم.
إن أخطر ما يتميز به العاملون في هذا المركز هو اقتناعهم الراسخ بأن ما يقومون به عمل غير شريف ومخالف للقانون ومضاد للمصلحة العليا للجزائر فضلا عن مخالفته للقيم الإنسانية. فهم لا يعذبون ضحاياهم من أجل استنطاقهم لجمع المعلومات وتحرير المحاضر فقط بل إنهم يجدون لذة في تعذيب ضحاياهم جسديا ومعنويا ونفسيا فيمكنك أن تتصور أي مشهد خسيس فيه إهانة للنفس البشرية وإهدار لكرامة الإنسان لتجد أبشع وأخس منه في هذا المركز. كما أن الضباط المشرفين على التسيير يفصحون عن حقيقتهم التي لا يجرأون على إظهارها خارج حصنهم.
فالجزائر عندهم ليست سوى مصدر استرزاق. أما الولاء فهو لمن يدفع أكثر ولا يهمهم أن يكون
من ولا ماذا يريد. فقد قال لي أحدهم بكل جدية على مسمع من الحاضرين أن مصير الجزائر لا يعنيهم والمهم عندهم أن يحافظوا على الامتيازات التي اكتسبوها وأنهم مستعدون من أجل ذلك أن ينفذوا أوامر فرنسا أو إسرائيل.
كما أنهم لا يخفون حقدهم على أمجاد الجزائر وتاريخها فهم يسبون كل ما يمت لثورة التحرير بصلة سبا شنيعا لا يستثنون قيما ولا شهداء ولا مجاهدين بل يشتمون الشهداء الأبطال بالاسم إمعانا منهم في الحقد وإيمانا منهم بأنني أمثل الخلف الشرعي لأولئك الشهداء الأمجاد المتشبثون بالقيم. لقد كان ضحاياهم يستغيثون بالله وينطقون بالشهادة تحت التعذيب المميت فتبلغ بهم النشوة مداها وهم يصرخون "أعل هبل".
لقد كانت بيني وبينهم جولات حاولوا فيها استنطاقي فاستنطقتهم باستخفافي بالموت وسبرت غورهم بالتحدي وأنا أشهد جازما أن أولئك الزبانية في حالهم التي كانوا عليها كفار بالله وبالوطن وبالشعب وبالإنسانية وأن النظام الذي يقوم على مثل هؤلاء لا يمكن أن يكون سوى نظاما إرهابيا لا أمن فيه ولا أمان وأن أي محاولة لإصلاح الدولة في ظل وجود هؤلاء الشواذ خارج طائلة المساءلة والقانون تضييع للوقت وإهدار للجهد بدون طائل، وقد قلت لهم ذلك وأنا تحت رحمتهم وبصوت مرتفع جعل أحدهم (الرائد عبد القادر) يضربني بحقد شديد على عاتقي بهراوة ضخمة ضربة مازلت أشعر بألمها بعد ستة عشر عاما.
إن هذا التشخيص مبني على ما سمعته بأذني ورأيته بعيني وعشته بنفسي في تلك الفترة الكالحة من الزمن وأنا أعرف المعنيين بأشخاصهم ولا أحمل لهم حقدا بل إنني أتمنى أن يكون لهم فيما
آلت إليه الجزائر من الخراب عبرة وأن يتداركوا أنفسهم بالإصلاح والتوبة قبل أن تجري عليهم سنة الله التي لا تعطلها مراسيم البشر.......
النقبيب أحمد شوشان

تعليقات الزوار
لا تعليقات