كما سبق أن تحسست صحف جزائرية عديدة من تنشيط المغرب لعلاقاته مع مالي وساحل العاج واستقباله لقياديين في حركة الطوارق، حللت مواقع صحافية موريتانية أبعاد وانعكاسات جولة الملك محمد السادس التي أنهاها بمالي وبدأها بساحل العاج، مستشعرة فيها قدرا كبيرا من تجاوز موريتانيا والقفز على دورها التاريخي في المنطقة.
وكان أبرز ذلك، التوجس الذي عبرت عنه أمس الإثنين صحيفة ‘الرأي المستنير’ الموريتانية المستقلة حيث أكدت’…طبيعي أن يتعاون المغرب مع مالي، وطبيعي أن يقدم العاهل المغربي عشرة آلاف مصحف لمساجد مالي، ويتعهد بتكوين 500 إمام من أئمة الوسطية لمواجهة التطرف في إفريقيا جنوب الصحراء، وطبعا نتائج الزيارة تثلج صدورنا كموريتانيين فنحن نسعد بتعزيز العلاقات والتكامل بين افريقيا والعالم العربي واعتبرنا ونعتبر ذلك أمرا في غاية الأهمية والحيوية لكن رغم ذلك يشعر بعض الموريتانيين بشيء من الامتعاض المبرر، فالملك عبر أجواءنا مرات عديدة في زيارات رسمية لجيراننا جنوبا وشرقا وأجلت زيارته لموريتانيا بتبريرات غير مقنعة، ثم إن تفعيل محور الرباط دكار باريس واسناده بمحور مراكش بماكو أبيدجان يجعلنا نتوجس من آثار ذلك الجانبية على مستوى التجاذبات الاقليمية الثنائية’.
وتابعت ‘الرأي المستنير’ تقول ‘لقد لدغت موريتانيا من جحر هذه المحوريات إبان أزمة علاقاتها مع السنغال في ثمانينيات القرن الماضي ولا نود أن يعيد التاريخ نفسه أو يعيد الآخرون تسطير وقائعه بما يؤثر على مصالحنا الحيوية في محيطنا الإقليمي الحيوي’.
ومن اللافت،تضيف ‘الرأي المستنير’، أن تتمخض الزيارة الحالية عن اتفاق عسكري أمني كبير ظاهره بناء ثكنات ومنح تدريبات لكن بنوده غير المعلنة تضمنت تدريب الحرس الرئاسي المالي وتدريب قوات تدخل خاصة ومنح أسلحة متطورة وتبادل معلومات استخبارية حيوية وكلها أمور من شأنها أن تخل بالتوازن الاستراتيجي مع دولة تشترك معها موريتانيا بحدود برية تتجاوز 2000 كلم.
وتعتقد الصحيفة ‘أنه بالنسبة لجنوح الأشقاء المغاربة لنشر الاسلام والوسطية على حدود موريتانيا مع مالي، فقد كان في الإمكان أن نتكامل ويشد بعضنا بعضا فالشناقطة لهم باع طويل في هذه المجالات وقاموا بهذا الدور منذ عشرات القرون ويقومون به الآن، كذلك لا يمكن إهمال الآثار الجانبية للزيارة على مسار قضية الصحراء فهي أيضا تهم موريتانيا التي تقف على الحياد وتدعم ما يتوصل إليه الفرقاء ولكنها معنية بفعل الجغرافيا السياسية وبفعل الروابط الاجتماعية التي لا يمكن القفز عليها.’
وختمت ‘الرأي المستنير’ تحليلها بالقول ‘في جميع الاحوال قد تكون الزيارة أذكت آمال الماليين ولكنها أيضا أذكت هواجس الموريتانيين وكلها أمور لها ما قبلها وسيكون لها ما بعدها.’
وكانت وسائل الإعلام الموريتانية المستقلة الموريتانية قد أولت مؤخرا، اهتماما كبيرا لتحليل أخير لمجلة جون أفريك ذات الخبرة الواسعة في الشأن السياسي المغاربي، والذي اختارت له المجلة عنوانا على شكل استفهام تعجبي’ هل يسيرُ المغرب نحو إضاعة موريتانيا؟..’
وجزمت جون أفريك على’ أن لا مؤشر على الانفراج فلا يكاد يمر أسبوع إلا وتتحدث الصحافة سواءً في موريتانيا أو المغرب، عن تدهور العلاقات الثنائيَّة بين البلدين’.
ولتفسير الحساسية المفرطة للعلاقات المغربية الموريتانية نسبت جون أفريك للخبير ألان أنتيل مدير برنامج إفريقيا جنوب الصحراء في المعهد الفرنسي للعلاقات الدوليَّة والمختص في الشأن الموريتاني قوله ‘لا توجهَ خارجيًا جديدا لدى الرئيس الموريتانِي، وإنْ كانت الرغبة تحدوه في تحسين العلاقات مع الجزائر، لكن دون أن يكون ذلك على حساب العلاقات مع المغرب، حيث أنَّ العلاقات بين المغرب وموريتانيا تبقى استثنائيَّة، وبالتالِي فإنَّ من يخشون انعطافا موريتانيا نحو الجزائر، لا يعرفون موريتانيا، جيدا’.
وقد خضعت العلاقات المغرب مع موريتانيا على الدوام لحوادث واصطداماتٍ بين الفينة والأخرى، فخلال 2009، وبينما كان الرئيس الموريتاني، ولد عبد العزيز، المنتخب لتوه، بصدد التحضير لأولى زياراته إلى الخارج، قام بإخطار السلطات المغربيَّة، التِي ما إنْ تأخرتْ في الإجابة، حتَّى بادرَ إلى زيارة الجزائر أولا، ‘لقدْ كانت إشارة قويَّة من الرئيس ولد عبد العزيز الذي تربى في أحضان نظام الرئيس الأسبق ولد الطايع المعروف بتشبثه الشديد باحترام بلده، وطريقةً للقول بأنَّ التعامل مع مورتيانيا يجبُ أنْ يأخذ بجدية.
أمَّا فِي كانون الاول / ديسمبر 2011، فقدْ اتهم مراسل وكالة المغرب العربي للأنباء في نواكشوط بالتجسس، وطرد من موريتانيا، وذلكَ على إثر خلافٍ بين البلدين حول مقعدٍ غير دائم في مجلس الأمن بالأمم المتحدة.
ومما يثير حساسية جديدة في علاقات الرباط ونواكشوط نقل الحركات الأزوادية التي ظلت طيلة عقود تعمل بتوجيه موريتاني، مراكز قيادتها من نواكشوط إلى الرباط التي قامت باحتضان قيادة الحركة الوطنية لتحرير أزواد بعد انتقالها من نواكشوط.
ويشعر الجانب الموريتاني بأن هذا الاحتضان إقصاء لموريتانيا من ملف ظلت تمسك بجانب كبير من خيوطه؛ وازداد الشعور بالإقصاء مرارة بعد أن استقبل ملك المغرب مستهل الشهر الجاري بالقصر الملكي في مراكش، بلال أغ الشريف، الأمين العام للحركة الوطنية لتحرير أزواد، مرفوقا بالمتحدث باسم الحركة موسى أغ الطاهر.
وأكد بيان للقصر الملكي المغربي ‘أن هذا الاستقبال الملكي يندرج في إطار الجهود الدؤوبة والموصولة التي ما فتئ الملك يبذلها من أجل إقرار الامن والاستقرار، بشكل دائم ، بهذا البلد الشقيق ، والمساهمة في التوصل إلى حل للأزمة المالية ، وذلك منذ اندلاعها في كانون الثاني / يناير 2012 ‘.
وإضافة للجانب السياسي والديبلوماسي يستخدم المغرب في توسيع مناطات تأثيره، الجانب الديني وذلك بتعهده بإرساء الوسطية والاعتدال في منطقة الساحل عبر تدريب مئات الأئمة حيث بدأت في هذا الصدد إجراءات تدريب 500 إمام من جمهورية مالي.
وتستخدم المملكة المغربية ضمن آليات تنشيط دورها الإقليمي، تأثيرها الكبير على الطرق الصوفية وبخاصة الطريقتين التيجانية التي تؤوي ضريح مؤسسها الشيخ أحمد التيجاني، والقادرية وهما طريقتان منتشرتان بشكل كبير في موريتانيا ومالي والسنغال.
الموريتانيون يتفحصون أبعاد وانعكاسات زيارة ملك المغرب لباماكو وأبيدجان

تعليقات الزوار
لا تعليقات