كم هو مؤلم أن تشاهد بكل الألم الذي يعتصر القلب، عائلة تخرج متاعها من بيتها في حي بغرداية، بحثا عن مأوى آمن، هروبا من الزجاجات الحارقة وهجمات الملثمين والمولوتوف، وكم هو مخز أن تهرب عائلات من بيوتها، مهانة في دولة تدعي العزة...، وذليلة في دولة تزعم الكرامة، للإقامة في المساجد، كما لو أن الأمر يتعلق بزلزال أو حرب.
كان هذا المشهد مقبولا في التسعينات حين كانت العائلات تهرب من القرى والبلدات خوفا من “مجاهدي الغيب”، و«جماعات الدم”، لكن أن يحدث الآن في غرداية، بسبب الفتنة الدامية بين أبناء المدينة، عربا وأمازيغ، مالكية وإباضية، التي سماها الوزير الأول عبد المالك سلال “لعب أطفال”، وعلى مرأى ومسمع الدولة والسلطة والحكومة والشرطة والمخابرات، فهو الجريمة والمصيبة كلها، وهو الخزي والعار والعيب والحڤرة والحرقة كلها.
من أين تدفق الحقد الذي ظهر في صور القتل والاعتداء على البيوت وتدمير الممتلكات، ومن أين جاء هذا الحقد الدامي المقيت، وهذا الغل المتنامي، ومن أين تسللت هذه البغضاء التي طالت الموتى والمقابر والقبور، ومن أين هبت هذه الكراهية، ومن أين انسابت سيل العدوانية تجاه الآخر في أحياء غرداية، هذا الآخر الذي هو رفيق دراسة أو زميل عمل.
لكن السلطة تعشق التعفن، فهي سادية في سلوكها السياسي، ولديها احتباس حركي في عقلها الأمني، هي بانتظار “عروش ميزاب” و”أرضية الڤرارة”، تماما مثلما حدث في أزمة منطقة القبائل عام 2001، وفي 2001 قال لنا وزير الداخلية حينها نور الدين زرهوني في بداية الأحداث أن الأمر يتعلق بـ”شغب صبيان منحرفين”، وفي 2014 قال لنا سلال إن هذا العنف الدامي “لعب ذراري”.
عندما كان الطبال صاحب محل حيدرة يلعب الشطرنج مع الشبح الساكن في بن عكنون منذ 24 سنة، كان “زورو” وأولاده من الملثمين يرعبون الأطفال في أحياء غرداية، ويزرعون الرعب والخوف في قلوب النساء، وحين كان السادة في الصالونات يناقشون صراع “الديكة” على رشفة شاي، كان الغرداويون يشربون المولوتوف وكنت ككل الجزائريين يتحسرون يا حسرتاه على همة الرجال حين تغيب، ويا حسرتاه على بلعيز حين يقرأ سورة قريش وينسى آية “وآمنهم من خوف”
الجزائر تايمز الكاتب والإعلامي عثمان لحياني

تعليقات الزوار
لا تعليقات