أخبار عاجلة

نهاية \"أسطورة الجنرال توفيق\" على يد آل بوتفليقة ؟؟

التغييرات الأخيرة التي أجراها الرئيس بوتفليقة على مستوى جهاز المخابرات و على التشكيلة الحكومية ، من المفترض أنها تنسف الخرافات المُؤسسة لأوهام الصحافة الجزائرية وبعض النخب المعارضة على حد سواء و على مدار سنوات طويلة ، ربما هي فرصة لتتخلص من هواية صناعة الأوهام ونسج الأساطير ، القرارات الأخيرة بقدر ما كشفت عن أحادية القرار في أعلى هرم السلطة أو على الأقل ارتباطه برئاسة الجمهورية والحاشية المقربة ، كشفت في ذات الوقت أن صاحب القرار يملك زمام المبادرة، فضلا عن تحرره من أي ضغط ، وعدم تحكيمه لأي نوع من الموائمات في إصدار القرارات ، وعدم اتخاذه لذات القرارات بذات القوة والعمق في وقت سابق ليس معناه افتقاده لزمام المبادرة ، ولا عدم قدرته على تحمل تبعاتها، بل لأنه لم ير ضرورة لها في ذلك الوقت ، أما وأن ظهرت مبرراتها وسياقاتها، فلم يمنعه أي شيء من اتخاذها ..

لكن المشكلة أن البعض يصرّ على صناعة "أسطورة رب الجزائر " الذي بدا في الوقت الراهن كإله أرسطو الذي يملك ولا يحكم..  !!وبالرغم من ذلك لا يخرج "صانع الأسطورة" من دوامة التخمينات والاستنتاجات المتوهمة ، وعوض التسليم بأن ما تم تسويقه على مدار سنوات محض تخاريف  ، وتحاليل خائبة لا تستند لمعطيات الميدان.. يجرى البحث عن مخارج لائقة لتصريف ركام التخاريف و أكوام الأراجيف...مع ضمان استمرار نفس السيناريو ..سيناريو صناعة الأوهام ، فيتم  تبعا لذلك الحديث بشكل مكثف عن صراع محتدم   بين الرئاسة والمخابرات  وبين بوتفليقة والجنرال توفيق   !!

 

لا أفهم كيف تتحدث الصحافة عن صراع بين  رئيس الجمهورية وقائد المخابرات .. فيقوم رئيس الجمهورية تبعا لذلك  بحلّ جهاز تابع لمؤسسة المخابرات (مديرية الشرطة القضائية) وينزع جهازين آخرين من وصايتها  (مديرية أمن الجيش) و (مركز الاتصال والنشر الذي عُزل المسؤول المباشر عنه العقيد فوزي) ويجعلهما تحت وصاية قائد الأركان ، ولا يقوم هذا  الرئيس بحل المؤسسة برمتها (مؤسسة المخابرات) ولا يقيل مدير هذا الجهاز (الجنرال توفيق) حسما للصراع، وهو القادر على فعل ذلك بمقتضى صلاحياته الدستورية ، وبمرسوم رئاسي على غرار المرسوم الرئاسي الذي حلّ و حوّل به المديريات السالفة الذكر..؟؟

 

الذي أعرفه  أن الصراع حول القرار السياسي في أعلى هرم السلطة  لا يكون إلا في حال تنازع الاختصاصات وفي حال "العوار الدستوري " أو " الفراغ القانوني " أين يلتبس مصدر القرار ونطاق الاختصاص  وحجيته،  أما في علاقة الرئيس مع المرؤوس على سبيل المثال فلا يوجد صراع بقدر ما يوجد مراكز قانونية تتعامل بمنطق  فرض الإرادات ، وفي حال  الأنظمة العسكرية يكون الصراع عندما تتوازن أدوات الردع ، وهو ما يعبر عنه بحالة توازن القوى ،وتكون أثاره مثاله للعيان وتتخذ أشكالا دموية    و في حال الواجهة المدنية للحكم ذات المرجعية العسكرية  يُحسم الصراع  فيها للعسكري عادة   ويفرض منطقه على الواجهة المدنية للحكم  بوسائل الإكراه  أو بنفوذ صاحب قوة الردع ، وهو الذي لم يحدث أيضا في هذه الحالة على فرض أن الجزائر تعيش في ظل نظام حكم عسكري بواجهة مدنية ،  فأي صراع هذا الذي لم يحسم فيه كل طرف لصالحه،  ولم تتضح ملامحه ولا حتى أثاره ، اللهم مجرد تخمينات حول أطرافه  ...؟؟

 

والسؤال الذي يطرح تبعا لذلك :  لما لم يعزل الرئيس بوتفليقة  الجنرال توفيق إن كان منبع القرارات الرئاسية صراعا خفيا بين الرئاسة والمخابرات ،  ولما سكت الجنرال توفيق  ولم يظهر رفضه بعد القرارات الأخيرة (إن كان رافضا)  وما هي الأدوات التي يملكها ليعبر عن رفضه لما صدر عن الرئيس ..؟؟ وبأي صفة قانونية يعترض قائد المخابرات على قرارات من صميم صلاحيات الرئيس الدستورية..؟؟

 

يصر الكثيرون على أن التغيرات الكبيرة على مستوى  جهاز "الدي أر أس" وعلى مستوى الجهاز الحكومي تعد مؤشرا   على وجود صراع بين الرئيس بوتفليقة  والجنرال توفيق،  في حين وجب وضعها في سياقها الطبيعي  واعتبارها  تحصيل حاصل لتقلص نفوذ الجنرال توفيق ،  النفوذ الذي كان يستمده  من خلال انتسابه لجنرالات النواة الصلبة  ، وغياب دوره بفعل تعاظم معاكس في القوة والاتجاه لدور شقيق الرئيس وحاشيته داخل مؤسسات الدولة ...وليست القضية هنا قضية إرادات متصارعة بقدر ما يمكن تسميتها بسياسة الأمر الواقع  ، لأنك هنا لو تحدثت عن وجود صراع فأنت تتحدث  عن صراع  متوهم وغير موجود،  صراع بين  من  لا يملك ولا يحكم مع من يملك كل شيء ويتحكم في كل شيء ..مواجهة  بين أطراف غير متكافئة في معركة لم يعد الحسم فيها بنفس الأدوات  التقليدية ..

 

"كيف يكون  الصراع بين الرئاسة والمخابرات  والحال أن الرئيس يمكنه عزل  قائد المخابرات بمجرد مرسوم رئاسي ..؟؟"  لقد سبق لي أن طرحت هذه البديهة في شكل سؤال بطريقة مشابهة و  التي تحديّت بها البعض   في "مقالة أسطورة الجنرال توفيق "  : "كما أنه من الناحية المنطقية لا يعقل أن يكون رجل بهذه القدرة الخارقة ويتحكم في محيط  مليء بالتناقضات ويدير أشخاص لهم أجندات وتوجهات مختلفة ، والأدهى أن تكون له سلطة مخفية مستترة  ، سلطة تصل إلى درجة  إدارة بلد بأكمله و التحكم في رئيس جمهورية له صلاحيات عزل هذا الموظف الخارق نفسه  بمجرد قرار رئاسي ، ويمكن أن يباغته بذلك في أي  لحظة ، على غرار ما فعله مرسي بقادة المجلس العسكري ..." (1)

 

و على ذكر تلك المقالة أوردت  فيها  بعض الحقائق ، ربما قد تبدّد بعض الدهشة والذهول و تزيل اللبس والغموض :

- جهاز المخابرات جهاز معلومات،  قوته تكمن في رصد المعلومات وإعداد التقارير و قد يستخدم في تحريك الملفات ،  هو  في الأصل يفتقد لقوة الردع الشاملة والتي تمتلكها قيادة الأركان  ، ويبقى سر تضخيم دور وتأثير جهاز المخابرات من طرف وسائل الإعلام ومن بعض النخب المعارضة غامضا إلى الآن ، صحيح أن هذا الجهاز قادر  على رصد   المعلومة وتدويرها وحتى استخدامها استخداما خطيرا ،  لكن يبقى الأمر في حدود معينة،  ولا يبرر كل هذا التهويل  ، وليس مستبعدا أن يكون  مصدر هذا التضخيم  جهاز المخابرات ذاته لخلق نوع من السطوة والنفوذ  وحتى الرهبة المعنوية،  إلى درجة أن البعض يصدق إلى الآن أن هذا الجهاز هو الذي يتحكم في كل شيء  ، ولا يمكن أن يصدق غير ذلك،  وذلك بفعل الضخ الإعلامي الرهيب ، و لك أن تسأل عن المستفيد من ترك هذه الانطباعات لتعرف من يقف ورائها ..

- قلت في نفس المقال أن الجنرال توفيق ليس بالقوة والجبروت التي يصوّرها البعض ، و كتعبير أدق : لم يعد صاحب نفوذ مطلق على اعتبار أنه شظية من شظايا  النواة الصلبة التي انشطرت فتفجرت على  عهد بوتفليقة ، فقد  استمد نفوذه من انتماءه للنواة الصلبة أولا ثم من تحالفه مع بوتفليقة  لاحقا ،  لم يعد صاحب نفوذ  ، هذه حقيقة ولعل اكتشافها ليس صعبا لمن يتتبع مسار الأحداث ويدرس  خفايا القرارات في السابق ، وظهور هذه القرارات بهذا الوضوح والقوة ليس إلا تكريسا لواقع موجود منذ زمن  وليس وليد اللحظة (منذ سنة 2004) وهذا نص ما ذكرته في نفس المقالة : " بالإضافة إلى أن  هناك بديهيات مسلمة تنسف كل ما يثار حول الرجل الخارق الذي لا يقهر ، من المفترض أن أي شريك ذكي  في تسيير منظومة حكم لا يسلم جميع الصلاحيات ولا يضع المفاتيح بيد شريكه ويغلق على نفسه جميع المنافذ التي يمكنه من خلالها فرض تصوراته وإبقاءه على التوازنات ، ترشح الرئيس بوتفليقة لعهدة ثانية فثالثة و تعديله للدستور قضى على أي إمكانية في فرض نوع من المحاصصة السلطوية بين القطبين ،  لسيما  تعديلات سنة 2008   التي ألغت منصب رئيس الحكومة واستبدلته بمنصب وزير أول (مما يعني مجرد سكرتير للرئيس) ومما يعني  أيضا تركز جميع الصلاحيات في يد الرئاسة  وتوسيعها ، أي شريك ذكي أو حتى محرك الأمور من بعيد كما يُوصف ربما يعلن عن رفضه لهذا الأمر لأنه يسلبه أوراقا احتياطية  للمناورة في حالة وجود خلل ما أو في حالة شبهة انفراد وأحادية القرار ، كما أن سلسلة التعيينات  الرئاسية داخل أجهزة تنفيذية وحتى عسكرية ومن مناطق معروفة وحتى انتماءات معينة و بولاءات   مثبتة تشي أن الأمور تتم بلا مقاومة ولا اعتراض تقريبا ، ولا يلحظ فيها أي نوع من أنواع الموائمات السياسية، وان القرارات  صدرت  بإرادة خالية من الانفعال و متحررة  من أي ضغط  ،   تلاعب الرئيس بالطفل المدلل لقائد المخابرات (أويحي  أكثر من مرة) وكثير من النخب المحسوبة عليه دليل على أن الرجل  (توفيق) خارج مجال صناعة  القرار وأن ليس بيده ما يقدمه لمن كانوا في وقت من الأوقات  رجاله المفضلين (هم في الأساس رجال النواة الصلبة التي تفككت سنة 2004 وكان توفيق واحد منهم"

وبالتالي القرارات التي أصدرها بوتفليقة مؤخرا هي تحصيل حاصل لرجل ركز جميع السلطات في يده حارما جميع خصومه من أي هامش للمناورة ...

- قلت في نفس المقال أن الجنرال توفيق من رجال الرئيس وهو يعمل تحت سلطته  ، وبقاء الجنرال توفيق في منصبه كقائد للمخابرات يرجع لثقة الرئيس فيه  ، و بوتفليقة ليس من عادته التفريط في الرجال الذين يخدمونه وخاصة أن قائد المخابرات كان من أشد الداعمين للرئيس بوتفليقة خلال خلافاته  مع قيادة الأركان ،  وعلى خلاف ذلك رأينا كيف دُفع المرحوم العماري للاستقالة بسبب تحدّيه للرئيس بوتفليقة ودعمه لبن فليس ، وقد قلت سابقا أن الجنرال توفيق نجا من المقصلة لأنه دعم بوتفليقة  ، فتوفيق هو الذي احتمى ببوتفليقة وليس العكس،  الجنرال توفيق لم يصدر منه ما يجعل الرئيس بوتفليقة يتخلى عنه  ، و لو حدث العكس بأن دعم العماري  بوتفليقة  ووقف ضده توفيق لعرف الأخير نفس مصير العماري و لاحتفظ  العماري بمنصبه كقائد  للأركان ، عندما يستشعر بوتفليقة أن الرجال الذين يعوّل عليهم يخرجون عن الإطار المسطر لهم يتخلى عنهم بسهولة بالغة ،  ليس بالضرورة أن يخالفوا التعليمات بل مجرد التفكير خارج المتاح والمسموح يعتبر تجاوزا غير مقبول ( محمد العماري بن بيتور اويحي بن فليس بلخادم...) أما من يثبت ولائه ووفائه فانه يبالغ في تقريبه ومكافئته (قايد صالح  عبد المالك سلال أبرز مثال)

- ظهور لاعب جديد على الساحة ، اسمه السعيد بوتفليقة هو الرجل الثاني في الدولة، والحاكم الفعلي في الجزائر بدليل انه لما استشعر بعض الطعنات في الظهر أشهر سيف الحجاج ...

- الجنرال توفيق في السنوات الأخيرة وبحكم الخبرة التراكمية في المجال المخابراتي  العسكري، وبفعل كبر السن والمرض، أضحى يكتفي بدور المستشار الأمني والعسكري  للرئيس بوتفليقه يستشيره في بعض القضايا و التعيينات العسكرية والأمنية  ، ولم تعد له مهام إدارية روتينية كقائد لجهاز المخابرات  في مبنى مديرية الأمن والاستعلام في بن عكنون،  فهو بحسب البعض يكتفي بالتأطير والتوجيه عن بعد ولم يعد دائم الحضور إلى المبنى المذكور ..

 

ما الذي حدث بين جهاز المخابرات والسعيد بوتفليقة ؟؟

حرصت في مقالات سابقة على أن أؤكد أن ما حدث من تراشق بملفات الفساد يندرج في سياق خلافات   داخل "الاوليغارشية " وليس صراع أجهزة ومؤسسات ، هو ليس صراعا بالمفهوم الدقيق ،  لان الصراع الذي لا تُعرف فيه أطرافه ولا تعرف فيه من ضد من ومن مع من ..لا يمكن تسميته بالصراع على وجه الدقة ،  يمكن تصنيفه ضمن مسمى  الاستهداف ، استهداف  للطرف الأقوى  من الحلقة الأضعف التي تكتفي بالمناوشة والإزعاج والتنغيص ، شبه صراع غامض بين مكونات هجينة، وقد سبق أن طرحت تحليلا لما جرى من استهداف شخصي لشقيق الرئيس ولحاشيته المقربة بملفات الفساد من خلال مقالة "بوتفليقة على خطى مبارك": في ظل نظام تسيطر عليه الاوليغارشية وتتجاذبه عصابات المصالح وتهيمن عليه الزمر المتنفذة، هو أمر جعل  جميع مؤسسات الدولة في حالة ارتباك وتضعضع،  فلم تعد المؤسسات والأجهزة  على قلب رجل واحد كما كانت في وقت سابق  ، حتى أقوى الأجهزة والمؤسسات (المخابرات والجيش)، وبالتالي لا يمكن أن نتحدث عن صراع أجهزة ومؤسسات، كالرئاسة مع المخابرات أو الرئاسة مع الجيش أو الجيش مع المخابرات ...بقدر ما نتحدث عن مواقف شخصية لا تتجاوز ردود فعلها حدود التعبير  عن حالة "عدم الرضا على  الأوضاع العامة " و يمكن وصفها  ب "حالة تململ " أو "تعبير عن مشاعر استياء" وقد تترجم بمواقف غير معلنة وبطريقة غير مباشرة كما حدث سنة 2004 مع العماري(بالاستقالة) أو باعتراف الجنرال توفيق لسعيد سعدي سنة 2007 أو تنتهي بتسريب صحفي، على غرار رسالة حسين مالطي التي حمل  فيها الرئاسة والمخابرات  مسؤولية الفساد في مؤسسة سوناطراك ، والتي نشرتها الصحف الوطنية في وقت سابق ، هذا الأمر ربما ينسخ أي كلام بعده يشير إلى وجود صراع بين مؤسسة الرئاسة وجهاز المخابرات على خلفية فضائح الفساد المدوية التي طالت بعض رجال الرئيس، فيُربط  جهاز المخابرات بالملفات المتفجرة والحال أن أول تسريب من هذه النوعية طال الرئيس بوتفليقة والجنرال توفيق شخصيا ..

ملفات الفساد التي ظهرت مؤخرا،  تأتي كنتيجة طبيعية لاختلاف مكونات الاوليغارشية على بعض القضايا،  فهي عادة ما تتفق على المصالح المشتركة،  وتتصارع عندما تتعارض مصالحها أيضا ، فعلى سبيل المثال إزاحة بلخادم و اويحي من رئاسة الآفلان والارندي ،  تعدّ أحد أشكال هذا الصراع ونتائجه المباشرة .. كما يمكن اعتبار استهداف  رجال الحاشية المقربة  وخاصة شقيق الرئيس يندرج في سياق الهجوم المضاد ،  قد تكون بعض الخلايا النائمة في مؤسسة الجيش أو في مؤسسة المخابرات بصفة شخصية وليس  بصفتها المُؤَسَسية،  تحالفت مع بعض المتضررين من تغوّل شقيق الرئيس،  فحركت بعض الدوائر الإعلامية والسياسية  المرتبطة بها ، لتنفيذ عملية اغتيال سياسي لوقف حالة التمدد والتوسع المطلق في سياق الهيمنة على مراكز صناعة القرار (داخل الجهاز التنفيذي والمؤسسات الأمنية)  والتي باشرها شقيق الرئيس منذ مدة تمهيدا لترتيب معين بعد مرحلة الشقيق الأكبر..." (2)

وقد أعطيت تفصيلا أكثر لذلك من خلال مقالة "السعيد بوتفليقة يتعرض لهجوم مضاد " وأكدت من خلالها  أن بعض الخلايا المنفلتة من داخل جهاز المخابرات بإيعاز من أطرف أخرى  هي من تقف وراء تسريب ملفات الفساد :

" لا يواجه الرئيس وشقيقه حربا معلنة من أشخاص بعينهم من داخل النظام ، بل هو صراع  داخلي بين  " الأوليغارشية" أو "الزمر المتنفذة  " أو "جماعات المصالح" بمعنى كتلة واحدة  تتحرك ككتلة ثلج تكبر بشكل مطرد  بفعل المصالح المشتركة ،  وقلت سابقا أن النظام المنتقل من نظام حكم عسكري تقوده ما يعرف بالنواة الصلبة ذات المسار الواحد،  إلى نظام رئاسي تسيطر فيه حاشية الرئيس أو" الاولغارشية"، ومعلوم أن "الاولغارشية"  تتشكل من قيادات سياسية وحزبية وجماعات مصالح ورجال أعمال  وإعلام  وقيادات أمنية وعسكرية تؤثر في صناعة القرار وتوجيهه ، بطبيعة الحال "الأوليغارشية  " تتوحد على المصالح المشتركة  وتتفرق على المصالح المتضاربة ، زعيم "الأوليغارشية" أو قائد الجهاز التنفيذي الفعلي (السعيد بوتفليقة) يريد أن يبقى قضية الرئاسيات القادمة على طاولة الشقيق الأكبر، وأن يحسم الأمر في جلسة عائلية، وهو أمر لم تستسغه باقي مكونات "الاوليغارشية".

يبدو أن بعض المتضررين في جهاز المخابرات قرروا  أخيرا التحالف مع بعض الخلايا النائمة للأوليغارشية   و التي تشكلت في عهد الرئيس بوتفليقة ،  والتي يبدو انه  طالها التفكك بفعل تضارب المصالح ،رؤساء  أحزاب وسياسيون ووزراء   وقيادات أمنية وعسكرية ودوائر إعلامية  تضررت مصالحهم بشكل كبير، فبعدما كان هناك شبه حلف مقدس بين الرئاسة من جهة ممثلة  في شخص بوتفليقة والجنرال توفيق  من جهة أخرى ممثلا لجهاز المخابرات ،لكن يبدو أن جميع المؤسسات ليست على قلب رجل واحد  في الفترة الأخيرة ، و طالها التفكك والتضعضع .. بعض المتضررين من تغوّل سلطة شقيق الرئيس وبعض المستشعرين لقوة نفوذه انتقلوا من وضع الدفاع إلى الهجوم.." (3 )

لذا توقعت أن  تسقط رؤوس من داخل جهاز المخابرات فقد قلت  بالنص في ذات المقالة التي نشرت بتاريخ  29 أفريل الماضي : " البرنس ( أعني  السعيد بوتفليقة ) أمامه حل انتحاري وهو أن  يتخلص ممن أخرج  ملف  فساده إلى العلن ، الضابط العاق يجب أن يعاقب على تطاوله ، طبعا القرار يتخذه شقيق الرئيس فعليا ويصدره الرئيس بوتفليقة  صوريا ، عودة الرئيس من رحلته العلاجية  قد تغّير كثير من الأمور وتقلب العديد من المعطيات ، إذا كان البعض صدق أن الرئيس سيقيل شقيقه فهو واهم بل ما سيقوم به الرئيس هو أن يقيل من قال أن شقيقه فاسد و من أشاع في  الناس بأنه أقاله بسبب فساده.. طبعا ..كما كان يتمنى صاحب الملف وصاحب الإشاعة في نفس الوقت .."

 

ومن خلال ما تقدم  نستنتج ما يلي :

- أكبر دليل على  أن الجنرال توفيق لا صلة له  بحرب الملفات التي استهدفت الرئيس و شقيقه السعيد ، هو أن أول تدشين لحملة  القذف بملفات الفساد طالت  الجنرال توفيق شخصيا وتحميله للمسؤولية عن الفساد الذي طال شركة سونطراك في جملة الاتهامات التي أطلقها حسين مالطي المدير العام السابق للشركة البترولية العملاقة ، حسين مالطي الذي أطلق اتهامات مدوية في حق الرئيس ، وفي حق قائد المخابرات الذي نعته برب الجزائر،   وحملهما مسؤولية الفساد الذي استشرى في  شركة سونطراك،  وهي الرسالة التي نشرتها الصحف الوطنية و زجت باسم الجنرال توفيق في سابقة لم تحدث من قبل .

 

- كما أن العملية الجراحية التي  طالت بعض الأجهزة  داخل مديرية الأمن والاستعلام  ولم تستهدف قياداتها وربما استهدفت العقيد فوزي الذي كان يتولى منصب مسؤول الاتصال والنشر في دائرة الاستعلام والأمن وهو أمر متوقع ، تؤكد أن المشكلة كانت مع أشخاص  وخلايا نائمة وليست مع الجهاز ككل ، و ليس مستبعدا أن تكون التغيرات فد تمت بالتنسيق مع قائد جهاز المخابرات ..

 

- لقد درج بوتفليقة على اختيار الرجال والسياسات للمسؤولين الذين يعملون تحت سلطته ، ويرسم لهم حدود السير  فكل رئيس حكومة يعيّنه يختار له وزرائه الذي يعملون معه ، ولا يستشيره في أي أمر يخص طاقمه رغم أن المنطق يقتضي ذلك  ( بن بيتور لم يقبل بهذا الأمر فاستقال ، أما سلال فعلى سبيل المثال قال قبل التغيير الحكومي أن أي تغيير حكومي مجرد تخمين ولكن الرئيس قام به ، وهذا أكبر دليل على أن بوتفليقة لم يشاور سلال على الإطلاق وحتى لم يعلمه بفحوى وميعاد التعديل الحكومي ،   الرجل يجد ذلك عاديا ولا يسبب له أي نوع من الإحراج ) بوتفليقة كان و إلى وقت قريب يثق ثقة عمياء في الجنرال توفيق ، الذي لم يتدخل في عمله ، ولكن إذا رأى الحاجة تستدعي تغيير رجال توفيق فلن يمنعه أي شخص من ذلك  ..

 

 - قد يقدم الجنرال توفيق استقالته في قادم الأيام (وهو الأمر المتوقع )  أو يطلب من الرئيس إحالته على التقاعد ، ليس بسبب خلافاته مع بوتفليقة بل لإحساسه بأن دوره قد انتهى وليس له ما يقدمه ، وأن هذا أحسن وقت للرحيل،  فليس مستبعدا أن تكون التغيرات الاخيرة مجرد ترتيب للبيت الداخلي تحضيرا لخروج وشيك لقائد المخابرات من جهاز "دي آر أس"والتغيرات الأخيرة  حماية للجهاز الحساس من الانفلات في مرحلة ما بعد الجنرال توفيق ؟؟

 

 


مفتاح سحنون

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات