أخبار عاجلة

الانتخابات الرئاسية في الجزائر: التطبيع مع الفساد والشيخوخة

 مع دخول الجزائر سباق الرئاسيات يطرح السؤال الكبير بموازاة مع مرسوم بوتفليقة لاستدعاء الهيئة الناخبة يوم 17 ابريل القادم للتصويت على الرئيس الجزائري الجديد، ماذا يمكن أن يقدم هذا الاستحقاق من جديد سياسيا اقتصاديا واجتماعيا وإقليميا؟ خصوصا عندما يسابق داخل الحلبة علي بن فليس أقوى مرشح محتمل لمنافسة بوتفليقة على منصب الرئاسة، مع التشكيك من قبل المعارضة في هذه الاستحقاقات بالقول أنها سوف تكون كسابقاتها لا تلامس الشفافية ولا النزاهة.

رئيس الحكومة الجزائرية الأسبق علي بن فليس يعلن ترشحه لخوض الانتخابات الرئاسية تحت شعار انتخابي عنوانه محاربة الرشوة والفساد من اجل اقتصاد قوي يستوعب اكبر قوة عاملة. فالشغل يعتبر عنصرا أساسيا في برنامجه الانتخابي، هذا السياسي الذي لم يستطع هزيمة بوتفليقة في رئاسيات العام 2004 ولم يحقق نقلة على مستوى التدبير الاقتصادي والسياسي حينما كان يشغل بين عامي 2000 و2003 منصب رئاسة الحكومة، يدخل السباق وهو متأكد ليس فقط من برنامجه وإنما على الدعم الذي يلاقيه من أطراف ترى فيه المرشح التوافقي.

علي بن فليس البالغ من العمر 71 سنة يتصدر الآن كافة المرشحين لمنصب كرسي الرئاسة بعدما توارى عن الأنظار لما يقرب من عشر سنوات وهو مطمئن إلى أن برنامجه الانتخابي سوف يكتسح به قصر المرادية، فهو يصرح قائلا “إني على كامل الاستعداد لأحداث التحولات التي تحتاجها الجزائر، بفضل خبرتي وتصميمي”، وعينه منصبة على ستين ألف توقيع من المواطنين المسجلين في القوائم الانتخابية و600 توقيع من المنتخبين في المجالس المحلية أو البرلمان ضرورية من اجل ترشحه لسباق الرئاسة.

لا احد يجادل في أن الاقتصاد الجزائري ضعيف والقطاع الخاص كسيح هو أيضا وذلك لكون اختيارات الدولة لم تستطع الاستغناء على بيروقراطيتها المناوئة لكل حركة تريد الخروج عن السياسة المرسومة منذ عهد الهواري بومدين، فتحرير الاقتصاد الجزائري يحتاج إلى ثورة كبيرة من اجل تحقيق الحد المعقول من الإنتاج الوطني وتوفير مناصب شغل.

إذ أن أموال النفط لم تحقق الرفاه المنشود لغالبية الجزائريين بل شمل جل الفترات الرئاسية بالجزائر طابع الاستدانة من مختلف دول العالم لتمويل مشاريع اقتصادية غير منتجة وشراء سلع استهلاكية ومن ثم لم يتحقق الاكتفاء الذاتي ولم يكن هناك سوى اقتصاد ريعي غير منتج. فالإصلاحات الاقتصادية التي باشرتها الدولة الجزائرية باستحياء في العام 1987 قتلتها بيروقراطية متحكمة لا تريد التخلي عن امتيازاتها.

أمام ضياع كل مصداقية للسلطة الحالية نرى أن كل المحاولات لدغدغة مشاعر المواطن الجزائري بخطابات رنانة حول الإصلاح لم تعد تجدي نفعا أمام تردي الأوضاع المعيشية وارتفاع البطالة وإفلاس الطبقة السياسية. كذلك خطاب المرشح الرئاسي بن فليس لم يخرج عن هذه القاعدة خصوصا بحديثه عن”خيبة أمل” الجزائريين في الاقتصاد الوطني وربطه بفساد السياسة وغياب آلية العقاب واستقلالية القضاء وتبذير المال العام. كل هذه الخطابات يعرفها القاصي والداني، لكن الفعل الحقيقي هو الغائب الأساسي في معادلة الإصلاح أو التغيير على المشهد السياسي الجزائري.

سياسة الحزب الحاكم قائمة منذ تأسيسه على الإقصاء وعلى الشعارات الموروثة عن فترة حرب التحرير الشيء الذي لم تعد الأجيال الجديدة تستسيغه، والانتخابات الرئاسية الجديدة القديمة لن تكون سوى واجهة لإعادة ترتيب الأولويات بين مؤسسة الرئاسة والجيش. فالجزائر كانت ولازالت وفية لنظام الحزب الواحد الذي يريد أن يتكيف مع المستجدات بلا تغيير حقيقي، ونعتبر أن خطاب بن فليس الأمين العام السابق لجبهة التحرير الوطني في هذا الظرف يصب في هذا التوجه الذي يروم إلى تعديل الطريقة التي تسير بها المؤسسات وليس تغييرها بشكل جذري.

نرى أن المحاولات الإصلاحية سياسيا واجتماعيا واقتصاديا والتي نادى بها السياسيون الجزائريون اصطدمت مع بنية نظام استشرى فيه الفساد والبيروقراطية بشكل جعل كل محاولة للتغيير تبوء بالفشل الذريع، فكل دعوة تريد أن تعيد صياغة مفهوم جديد للسلطة في الجزائر ينهض على تعددية سياسية حقيقية وتداول سلمي على السلطة وتشجيع حرية التعبير والرأي وصحافة تتسم بالمصداقية، واحترام حقوق الإنسان، كانت المقصلة هي الحل الشيء الذي أنتج حرب أهلية خلفت حوالي 200 ألف ضحية في التسعينات من القرن العشرين.

أما الثورة الزراعية التي نادى بها الرئيس السابق هواري بومدين تأسيسا على إيديولوجيته الاشتراكية لم تحقق أي مستوى إنتاج يذكر بل العكس هو الذي وقع جعل الجزائر تستورد الحبوب مما أنهك الميزانية ولم تحقق أي استقلال في الإنتاج الزراعي.

نمط السلوك السياسي داخل هياكل جبهة التحرير وأجهزتها التقريرية لم يدخل عليها أي تغير يذكر فكيف يستطيع قادتها سواء الذي يقررون الآن أو الذين يحملون أجندتها تقديم نموذج إصلاحي، حيث أن أي نَفَس إصلاحي لا يمكن أن يحدث خارج إطار الجيش الجزائري الذي يحتل المركز المحوري داخل السلطة والذي لا يمكنه الحديث عن فكرة للتحول الديمقراطي، فالقيادة العسكرية والسياسية الحالية شائخة ولا تتقبل أي عملية تحول او تغيير يطال سياستها أو إيديولوجيتها.

مع عودة الرئيس بوتفليقة من فرنسا بعد ما قيل انه خضع لفحوصات طبية وصفت بالروتينية اثر تعرضه في السنة الماضية لجلطة دماغية أقعدته في كرسي متحرك، وبعد تكريس وضع سياسي متردٍ وفساد طاغي على مكونات الدولة اقتصاديا وسياسيا وإداريا في فتراته الرئاسية السابقة، أعطى مهلة 45 يوماً لإيداع ملفات المرشحين لمنصب الرئاسة لدى المجلس الدستوري، المسعى الذي لا نجد فيه سوى خطوة إجرائية لن تسعى معها السلطات المتحكمة في المشهد السياسي إلى تكريس أي عرف ديمقراطي حقيقي بانتخابات نزيهة وشفافة.

مع أرانب السباق الانتخابي نقول حتى لويزة حنون زعيمة حزب العمال لن تستطيع بخطابها الحماسي أن تحقق أيا من وعودها في ديمقراطية حقيقية واحترام الحقوق والحريات أمام تعنت نخبة حاكمة شاخت وتريد أن تموت على وعودها بعدم التغيير، وذلك رغم إعلان بوتفليقة في ابريل 2012 إن زمن جيله قد ولى إلا أن تأمين ما بعد الخروج يحتاج إلى أيادي استخبارات عسكرية بتوافقات دولية خصوصا ونحن نعلم أن الجزائر تملك احتياطات من النفط تحتاجها الدول المؤثرة في المنطقة.

أمام هذا الوضع كيف سيكون مشروع بوتفليقة الانتخابي الذي حاول مسانديه أن يلمعوا انجازاته في الفترات السابقة من حكمه وهم يرددون أن المصالحة الوطنية كانت اكبر منجز حققه رئيسهم؟ وهل حقا لازال هذا الرئيس الشيخ المريض مسيطرا على الوضع أم هي الخلافة المقبلة ستكون من نفس الطينة والسياسة ونكون فقط أمام استنساخ للوجوه والسياسات وبالتالي تصبح المنطقة بأسرها رهينة لنفس التوجهات السابقة التي نراها رأي العين حقا؟

 

 

 

الجزائر تايمز محمد بن امحمد العلوي

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات