أخبار عاجلة

أسر المخطوفين الليبيين سجلت وقفتها الثانية في بنغازي اعتراضا على الصمت المقيت للحكومة

لم يتبق لهم إلا تلك الصور يحتضنونها ويبثونها أوجاعهم ويمشون بها في الطرقات. في كل وقفة ينضم إلى المأساة مغدورون جدد ، ربما كانوا يمرون من أمام تلك الأسر ويمنحونهم دعواتهم وأمنياتهم ويمضون . ها هم اليوم جزء من الصورة ،الصورة التي تنطق بصور و توجعات أمهات وأبناء وبنات وأخوات ،اختطف غيلةً أبناؤهم وغابت أخبارهم، لكنهم لم يغيبوا عنهم لحظة واحدة ..
وبينما الناس يوقدون القناديل احتفاءً بمولد النبي الكريم ،سجلت أسر المخطوفين وقفتها الثانية في مدينة بنغازي ، اعتراضاً على الصمت المقيت للحكومة التي لم تستطع أن تحمي نفسها و لا أن تحمي نفطها ولا أن تحمي حدودها و لا أن تحمي أبناءها .. هذا ما قاله الحاج علي والد أحد المخطوفين منذ ستة أشهر .
ظاهرة الاختطاف صارت هاجساً مروعاً آخر يلاحق المواطنين في المدن الليبية ،فلا يكاد يمر يوم إلا ونسمع بخبر اختطاف أحد المواطنين . و تتعدد الأسباب والجرم واحد. فإما أن يتم العثور على المخطوف بعد فترة جثة مشوهة أو يبقى في غياهب المجهول، لا أحد يعرف مكانه و لا جهات شرطية أصلاً تستطيع أن تقوم بهذا العمل .
فقد اختطف مدير البحث الجنائي في بنغازي منذ أشهر وصورة أبنائه و هم يتوسلون عودته تكاد تصادفك في كل مكان ، ليست صورة السيد عبد السلام المهدوي فحسب، بل صور مخطوفين كثيرين يجد ذووهم عزاء و مواساة في صورهم التي تملأ المدينة ،و كأنهم يشهرون حضورهم و لو بالصور في مواجهة الغياب المرير .هذه صورة الشاب الكشفي ‘ هيثم العبيدي’ ومحبوه ينشدون الحرية له كي يعود لطفلته .وهذه أم ناصر تحمل صورته و تضج عيونها الحائرة بالبكاء، تخرج مع الخارجين وتقف مع الواقفين .على قلبها تريح صورة الغائب وهو يلاعب طفلته .ربما تخفف قليلا جذوة النار المشتعلة في الضلوع.
ما أقسى المدن حين يتكدس فيها الحزن ،وحين تنشب الفجيعة أظفارها في قلوب الأمهات .
‘رضوان’ ابن السادسة كان آخر المختطفين ، وللمرة الأولى يتواصل المختطفون مع أسر ضحاياهم ويطلبون فدية.حادثة رضوان هزت أركان المدينة ،كونها تكشف عن وجه قبيح من وجوه الترويع للمواطنين.
الاختطاف طال الجميع بدايةً من رئيس الحكومة مروراً برئيس المؤتمر الذي خرج وأنكر- لكن ارتهان عدد من حراس الرئاسة كشف حقيقة الأمر . اختطف نائب رئيس المخابرات، اختطف ابن وزير الدفاع .اختطفت محامية وناشطة حقوقية ثم وجدت بعد أشهر جثة محروقة .واختطفت ‘العنود’ ابنة رئيس المخابرات الليبية السابق عبد الله السنوسي المحتجز الآن ،و بعد ساعات أفرج عنها بعد تهديد قبيلتها ذات النفوذ بقفل مصادر المياه عن سائر مدن ليبيا.
والحكومة تلتزم الصمت ولا تستطيع أن تحرك دعوة قضائية واحدة ضد أي جهة تقوم بالخطف. من خطف رئيس الحكومة خرج على الناس في التلفزيون الرسمي وقال أنا خطفت رئيس الحكومة وهنا إقامتي في العاصمة ولن يقدر أحد أن يقبض علي . ومن قبل اختطف مدير مكتب رئيس الحكومة وخرج الرئيس على الناس يقول لقد سوينا الأمر ودياً مع الجهة الخاطفة.
رجع قبل يومين من الخطف و بعد احتجاز أشهر ابن وزير الدفاع دون أن أي تعليق رسمي عن ملابسات الخطف وإطلاق السراح وعن الجهة المختطفة سوى تقديم الشكر للجهة الخاطفة على حسن المعاملة..
تقول الشاعرة عائشة إدريس المغربي خالة شاب مخطوف : جريمة الاختطاف أبشع وأقسى من القتل تظل مرارة معاناتها عالقة بذاكرة وقلوب أحبة الضحية وتنحت في قلب المخطوف أثراً لا يزول. دعني أخبرك عن مشاعر أختي حليمة التي فقدت ابنها وفقدت ابنتها كلاهما غيبه الموت. لكن بغياب ناصر الذي اختطف منذ شهر حزيران / يونيو الماضي 2013 كان وقع الفاجعة مختلفاً إنها تريد أن تعرف مصيره ،يقتلها هوس غيابه دون معنى تمنحها المخيلة المحمومة بالألم صورا ومصائر بشعة لحالة ناصر. كل ليلة يأتيني صوتها مشروخا بالألم وتنازع روحها تلك الكوابيس التي تعيشها ويزداد الألم كلما رأت أولاده، مشرعين الانتظار على الأبواب لانتظار ناصر. لكنني أتعاطف دائما مع أهالي المفقودين لأن خبر الموت يأتيهم ألف مرة.
دكتورة آمال العبيدي شقيقة القائد الكشفي المخطوف ‘هيثم العبيدي’ تقول :
يا وطني الذي أحبك….أين أخي وصديقي هيثم؟
هيثم يا صديقي’ القاتل طليق وأقلامنا حرة’…هيثم يا صديقي هذا ما حدث في طرابلس عروس بحرنا…هذا ما يحدث في ليبيا…سأتماسك لأجلك ولأجل من سقط ويسقط كل يوم من اجل الوطن.. الليلة الخامسة بعد الغياب
يا صديقي تبعثرت مني الأحرف، غاب صوتي ولم أعد قادرة على الكلام..عد سالماً لأجمع أحرفي المتناثرة…
هيثم يا صديقي،’ مرحباً ‘ رغم كل ما يعتريني من قلق وخوف عليك تمكنت اليوم من رؤية بعض العصافير التي تحط على شجرة النخيل بمحاذاة صور بيتنا، وحملتها ما حملت في انتظار عودتك لأعود أنا التي كنت.
هيثم يا صديقي، مر يومي طويلاً تتعلق عيناي بباب بيتنا لعلي أراك كما عودتني داخلاً مهللاً : (مرحباً) ، نجلس سوياً لنتقاسم بعض ما نعتقد أنه أسرارنا، تقطع وشوشاتنا رنات هاتفك ‘صمود يا ليبيا صمود’ أعلق ألم تغير هذه النغمة بعد تبتسم وبصخب تقول لا لن أتخلى عنها، أحاول أن أكمل حديثي المشحون بوجع يومي وبعض خيبات وطني، رنة أخرى من هاتفك، هذه المرة ترد : (مرحباً يا عزيزي، نهارنا مبارك) وتختم مكالمتك نعم سنلتقي يا عزيزي، أواصل حديثي الذي يرحل لفضاءات أخرى، وقبل أن تغادر تقول لي (يا عزيزتي..فوتي) وأعرف أن ما تعنيه هو أن أتجاهل ما ينغص يومي ويكدر صفوي.
يا صديقي، مر يومي طويلأ، مزدحم بأصوات الأصدقاء عبر هاتفي الذي لم ينقطع ثانية عن الرنين، وجوه قلقة زارت بيتنا لم نرها منذ دهر، الجميع يتضرع لله ويبتهل أن تعود سالماً.
هيثم يا صديقي، عد سالماً، عد سالماً، لدي الكثير لأقوله، لا تقاطعني لتقول لي سأذهب لاجتماع الفرقة العاشرة ولا أريد أن أتأخر، أدرك أن فتيان فرقتك سينتظرون وسينتظرونك كما أنتظر..عد سالماً.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات