تدحرجت الممارسة السياسية في الجزائر هذه الأيام إلى ادني درجات الانحطاط والسبب في ذلك يعود إلى طريقة تسويق الديمقراطية المبتذلة سعيا وراء إظهار صورة الجزائر الجديدة لكن التقنيات المستعملة في تركيب وإخراج هذه الصورة زادت من بشاعتها لدرجة حولتها إلى كومة من القبح المذموم لم تشهدها الجزائر حتى أيام الرعب خلال سنوات التسعينات من القرن الماضي حينما انطفأت الأنوار فاسحة المجال أمام ستائر الظلام المخيفة التي لم تترك للجزائري إلا حتمية معاشرة القنوط والتذمر والخوف الذي تحول إلى كابوس مرافق ليوميات المواطن الذي عاد خائفا من كل شيء بسبب سياسة الجنون وجنون السياسة بعدما أصبح الأمر سيان ومع ذلك لم تفقد بقايا الدنيا عندنا حينذاك بعضا من لونها الأبيض المختلط بنظيره الرمادي الداكن الغالب على تلك اللحظات القاسية فكان هناك من يفكرون بمنطق وإدراك ومن يقرؤون بوعي القاري لكتب التاريخ ومن يتحدثون بمسؤولية ومن يستشرفون المستقبل برؤية ثاقبة مما شد في العزائم رغم تسرب اليأس إلى الجزائريين الذين استمروا يتطلعون للتخلص من مخلفات أزمة سياسة الجنون الأمر الذي زاد في مساحة اللون الأبيض رغم سواد الأفعال المقترفة وصرنا ندرك بحكم إصرار الكثير من المخلصين من أمثال مهري، ايت احمد، طالب إبراهيمي، بن بلة...الخ، أن الأمل في الخروج من هذه الأزمة قائم.
فالذين اعتلوا المنصات والمنابر كانوا شاعرين بثقل المسؤولية فضلا عن معرفتهم الواسعة بحقيقة السياسة التي أتت هي إليهم راغبة بسرور وليس هم من زحفوا إليها على بطونهم كما يحدث هذه الأيام حيث يطارد الدخلاء من الجهلة والانتهازيين والمتورطين في سرقة المال العام السياسة المعروضة في محلات تدعى عبثا مقرات الأحزاب والتي مــــن اجل تأدية دور شاهد زور على زواج باطل بين ديمقراطية فاقدة للعذرية وإرادة سياسية غير مؤهلة تم استنساخ العشرات منها والتي تفوقت في العديد من المدن والقرى على عدد دكاكين مادة البطاطا التي تشعر وأنت تقلبها بأناملك كم هي فاخرة رفيعة المقام والقيمة بعدما أصبح سعر الكيلوغرام منها يساوي قنطار سياسة في الوقت الذي لا يحتاج فيه منتخب بمجلس بلدي او ولائي سوى نصف دينار سياسة لولوج قصور الأحلام وهو ما سمح لممارسي السياسة المرملة الاستحواذ على غنائم الإصلاحات بسهولة متناهية.
فهؤلاء لم يسالوا أنفسهم من أين جاؤوا والى أين يتجهون فالمستحيل لا وجود له في الوقت الراهن في الجزائر غير أن كثيرا من المصدومين لا يزالون يبحثون عن تفسير ما حصل خلال موعد 29 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي لكنهم يصطدمون بحقيقة واحدة تغطي على كل الحقائق الأخرى فالديمقراطية على الطريقة الجزائرية هي استباحة الإرادة السياسية المهترئة لنفسها تشريع ما يخالف الطبيعة الدستورية بحيث ولأول مرة في تاريخ الجزائر وبسبب أخطاء مقصودة في الحسابات يعبر البلهاء والمعتوهون فكريا وسياسيا إلى مواقع تحكي عذابها أيام ضائعة من عمر الأمة وقد أصبحت الأحزاب حسب تسمية وزارة الداخلية الجزائرية أشبه بعربات قطار نقل البضائع تحمل من سمح لأنفسهم بالقضاء على ما تبقى من أخر جزء لصورة هيبة الدولة وإذا كان تشرشل قد وفق في السابق حين قال: تظل الديمقراطية اقل الأنظمة عيوبا، فإن الديمقراطية الجزائرية تحولت في المدة الأخيرة إلى الأكبر الأنظمة عيوبا ولا أريد أن يفهم حديثي عن انه دعوة صريحة إلى تمجيد الديكتاتورية المستبدة بل الوضع الناجم عن الممارسة السياسية التي اجتاحت البلاد في ظرف وجيز بدافع ديمقرطة المجتمع الجزائري اضطرتني إلى مخالفة تشرشل بعد أن قام تجار السياسة بحرق الديمقراطية في كرنفال انتخابات 29 تشرين الثاني (نوفمبر) الفارط ولحد ألآن لازال الكثير تحت تأثير الصدمة ولم يجدوا تفسيرا من مغزى تعويم الساحة السياسية بعشرات الكائنات الحزبية حتى غدت ملاذ من لا حرفة له ولا هوية سياسية وفكرية ولا بداية ولا نهاية ناهيك عن دخول الأحزاب الفاعلة أو الكبيرة على غرار الأرندي والآفلان على الخط بعد لجوئها إلى تحطيم كبرياء السياسة أملا في أن يكون فعلها هذا اقصر طريق للمحافظة على ديمومة مصالحها.
كما يبرز ذلك من خلال القوانين الانتخابية التي خاطتها في عهدة البرلمان السابق بهدف الاستمرار في التواجد في مراكز القرار والتي أفضت إلى تفصيل معاطف للملتزمين بالولاء إلا أن طريقة تنفيذها أدت إلى تسليم المعاطف إلى المراهقين والمراهقات الذين استنجد بهم تجار السياسة الخرساء في محاولة يائسة لإرضاء الغرب الراغب في رؤية الجزائر في ثوب ديمقراطي يخدم قيمه داخليا ويزيد في أرصدته خارجيا.
وشاءت الأقدار الخاطئة أن تتحقق رغبة السيدة كلينتون في ولوج مئات الفتيات والصبايا إلى عالم السياسة بمقضي المادة ال80 من قانون الانتخابات الجديد التي هدت قصور الحزب العتيد وذلك كله على حساب المعايير المعتمدة في بلادها أمريكا حيث يعيش المواطن الجزائري لحظات غير مسبوقة بسبب غزو العنصر النسوي لقيادة المجالس البلدية في أعماق الجزائر بعد أن تحول المجلس الشعبي الوطني إلى ثاني مجمع نسوي كبير في الجزائر بالنظر إلى عدد المتوجات الذي فاق ما هو موجود لدى دولة مثل السويد أو بريطانيا أم الديمقراطيات الغربية ولعل السيدة كلينتون التي كانت تسعى إلى ذلك لم تكن تنتظر هذا التحول الديمقراطي بعد أن أصبحت المرأة أكثر حضورا في الانتخابات الكرنفالية في الجزائر.
رشيد بورقبة

تعليقات الزوار
لا تعليقات