تحول اتفاق الصيد البحري بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي خلال العقود الماضية من مجرد إطار تقني لتنظيم نشاط أساطيل الصيد، إلى أحد أهم ملفات الشراكة الاستراتيجية بين نواكشوط وبروكسل، وإلى اختبار دائم للتوازن بين حق موريتانيا في تعظيم القيمة المضافة لثرواتها البحرية، وحاجة الاتحاد الأوروبي إلى تأمين إمدادات مستقرة من المنتجات البحرية لأسواقه.
واليوم، ومع اقتراب انتهاء بروتوكول الاتفاق الحالي في 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، تتزايد المؤشرات على أن المفاوضات تواجه سباقا مع الزمن، وسط مخاوف اقتصادية متبادلة من الفراغ القانوني الذي قد يوقف نشاط الأساطيل الأوروبية في المياه الموريتانية، ويؤثر في الوقت نفسه على إحدى أكبر الشراكات البحرية بين الاتحاد الأوروبي ودولة إفريقية.
أحاديث عن غموض
وكشف موقع «ثي فيش كي» The Fish Guy الإيطالي أن مستقبل بروتوكول الصيد بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي يكتنفه الغموض، في ظل عدم التوصل حتى الآن إلى اتفاق نهائي بشأن تجديده.
وأوضح الموقع أن البروتوكول الحالي يتيح لأساطيل الاتحاد الأوروبي صيد الروبيان (القريدس)، والأسماك القاعية، والأسماك السطحية الصغيرة، بحصص تصل إلى نحو 280 ألف طن سنويا.
وأضاف أن انتهاء البروتوكول دون تجديد سيجبر السفن الأوروبية المرخصة على مغادرة المياه الموريتانية، وهو ما سيؤثر مباشرة على سلاسل الإمداد الأوروبية، خاصة بالنسبة للروبيان والأسماك القاعية القادمة من موريتانيا.
وأشار التقرير إلى أن مستوردين إيطاليين بدأوا بالفعل مراجعة عقودهم التجارية والبحث عن موردين بدلاء تحسبا لأي اضطرابات قد تطرأ على السوق الأوروبية.
غير أن الأشهر المقبلة ستحدد ما إذا كانت جولات التفاوض ستنجح في التوصل إلى بروتوكول جديد يحافظ على استمرار التعاون، أو أن العلاقة البحرية بين الطرفين ستدخل مرحلة جديدة أكثر تعقيدا.
صعوبات في آخر جولة
وفي أحدث تطورات المسار التفاوضي، اختتمت موريتانيا والاتحاد الأوروبي في 25 مارس/آذار 2026 بمدينة لاس بالماس الإسبانية الجولة الثالثة من المفاوضات بشأن إعداد بروتوكول جديد لاتفاق الشراكة في قطاع الصيد، بتوقيع محضر الاجتماع من طرف رئيسي الوفدين، في خطوة عكست استمرار الحوار التقني بين الجانبين رغم بقاء الملفات الأكثر حساسية دون حسم.
وتركزت هذه الجولة أساساً على الجوانب الفنية المتعلقة بتنظيم استغلال الموارد البحرية، وآليات المتابعة والرقابة، فيما أُرجئ بحث إمكانات الصيد والجوانب المالية إلى جولات تفاوضية لاحقة، وهي الملفات التي يُنتظر أن تكون الأكثر تعقيداً في رسم ملامح البروتوكول المقبل.
واتفق الجانبان على عقد اجتماعات لاحقة عبر تقنية الاتصال المرئي، على أن تعقبها جولة حضورية جديدة في لاس بالماس، يحدد موعدها لاحقاً.
ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة مع اقتراب انتهاء البروتوكول الحالي في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، ما يضع الطرفين أمام هامش زمني محدود لحسم الملفات المالية وحصص الصيد، وهي القضايا التي ستحدد عملياً ما إذا كان الاتفاق المقبل سيحافظ على ملامح الشراكة الحالية، أم سيعكس تحولاً جديداً في قواعد استغلال الثروة البحرية الموريتانية.
أطول شراكة بحرية بين أوروبا وإفريقيا
تعود العلاقات المنظمة في مجال الصيد بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي إلى عام 1987، لتصبح واحدة من أقدم وأكبر اتفاقيات الصيد المستدام التي يبرمها الاتحاد الأوروبي خارج حدوده.
ويغطي البروتوكول الحالي الفترة الممتدة من 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2021 إلى 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، ويعد أكبر بروتوكول صيد يبرمه الاتحاد الأوروبي من حيث القيمة المالية وحجم الموارد البحرية المشمولة به.
وبموجب الاتفاق الحالي، يسمح لسفن من إسبانيا وفرنسا والبرتغال وألمانيا وهولندا وإيطاليا وإيرلندا ودول أوروبية أخرى بالصيد في المياه الموريتانية ضمن سقف يقارب 280 ألف طن سنويا من الأسماك السطحية الصغيرة، والأسماك القاعية، والروبيان، والتونة، مقابل مساهمة مالية أوروبية تبلغ نحو 60.8 مليون يورو سنويا، يخصص جزء منها لدعم تطوير قطاع الصيد الموريتاني.
لماذا يهتم الأوروبيون بالاتفاق؟
تكمن أهمية موريتانيا بالنسبة لأوروبا في امتلاكها واحدة من أغنى المصائد البحرية في العالم، نتيجة التقاء التيارات البحرية الباردة والدافئة على سواحلها الممتدة لأكثر من 750 كيلومتراً.
ويعتمد جزء مهم من مصانع تحويل الأسماك الأوروبية، خاصة في إسبانيا وإيطاليا، على المنتجات القادمة من المياه الموريتانية، ولا سيما الروبيان والأسماك القاعية والأسماك السطحية الصغيرة المستخدمة في الصناعات الغذائية.
ولهذا السبب ينظر الاتحاد الأوروبي إلى الاتفاق باعتباره إحدى أدوات ضمان الأمن الغذائي الأوروبي، وليس مجرد اتفاق تجاري محدود.
لماذا تتمسك موريتانيا بإعادة التفاوض؟
في المقابل، شهدت السياسة البحرية الموريتانية خلال السنوات الأخيرة تحولاً ملحوظا يقوم على تعظيم العائد الاقتصادي المحلي من الثروة السمكية، بدلا من الاكتفاء ببيع حقوق النفاذ إلى المياه.
وتسعى نواكشوط إلى تحقيق أمور، منها زيادة القيمة المالية للمقابل الأوروبي، وتعزيز التصنيع المحلي للأسماك، ورفع نسب الإنزال في الموانئ الموريتانية، وخلق وظائف جديدة في الصناعات المرتبطة بالصيد، وضمان استدامة المخزون السمكي وفق المعايير العلمية.
وقد أدخلت التعديلات الأخيرة على البروتوكول أحكاما أكثر صرامة تتعلق بعمليات الإنزال والتفريغ داخل الموانئ الموريتانية، بما يعزز استفادة الاقتصاد الوطني من النشاط البحري.
المفاوضات مستمرة… لكن الحسم لم يأت بعد
ورغم القلق الذي تعكسه التقارير الأوروبية، فإن المؤشرات الرسمية تظهر أن المفاوضات لم تتوقف.
فقد كانت المفوضية الأوروبية قد حصلت منذ نهاية عام 2025 على تفويض رسمي للتفاوض بشأن بروتوكول جديد، انطلاقا من تقييم اعتبر الشراكة ناجحة للطرفين، مع الحاجة إلى تحديث بعض البنود الاقتصادية والفنية.
كما عقدت خلال عام 2026 عدة جولات تفاوض، بينها الجولة الرابعة التي احتضنتها لاس بالماس في يونيو الماضي، وهو ما يدل على استمرار المسار التفاوضي رغم عدم الإعلان حتى الآن عن اتفاق نهائي.
ماذا لو انتهى البروتوكول دون اتفاق؟
في حال انقضاء العمل بالبروتوكول الحالي دون التوقيع على بروتوكول جديد، فإن السفن الأوروبية ستفقد الأساس القانوني الذي يسمح لها بالعمل داخل المياه الموريتانية، وهو ما يعني توقف نشاطها إلى حين دخول اتفاق جديد حيز التنفيذ.
وسيكون لذلك انعكاسان متوازيان: فبالنسبة للاتحاد الأوروبي، سيحدث اضطراب سلاسل التوريد، وارتفاع تكاليف الحصول على بعض المنتجات البحرية، مع البحث عن بدائل في أسواق أخرى.
وبالنسبة لموريتانيا فسيكون هناك احتمال تراجع للإيرادات المالية المرتبطة بالاتفاق مؤقتا، مع إمكانية استغلال المرحلة لإعادة صياغة شروط أكثر انسجاما مع استراتيجيتها الوطنية لتنمية قطاع الصيد.
بين السيادة الاقتصادية والشراكة الاستراتيجية
لا يبدو أن أيًّا من الطرفين راغب في الوصول إلى مرحلة القطيعة، فالاتحاد الأوروبي يحتاج إلى استمرار الوصول إلى واحد من أغنى المخزونات السمكية في العالم، بينما تستفيد موريتانيا من التمويل الأوروبي، ونقل الخبرات، ودعم حكامة قطاع الصيد، إضافة إلى الرسوم التي يدفعها ملاك السفن.
غير أن ما يجري اليوم يعكس تطوراً أعمق في فلسفة التفاوض، إذ لم تعد موريتانيا تتعامل مع ثروتها البحرية باعتبارها مورداً للتصدير فقط، بل باعتبارها ركيزة للتصنيع والتشغيل والسيادة الاقتصادية. وفي المقابل، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى الحفاظ على شراكة استراتيجية تؤمن احتياجاته الغذائية وتحافظ على حضوره في أحد أهم مصائد الأسماك العالمية.
ومن ثم، فإن المفاوضات الجارية لا تتعلق فقط بتجديد بروتوكول ينتهي في نوفمبر المقبل، بل بإعادة رسم قواعد شراكة بحرية سيكون لها أثر مباشر في مستقبل الاقتصاد الأزرق الموريتاني، وفي أمن الإمدادات البحرية للأسواق الأوروبية خلال السنوات المقبلة.
اختبار لقدرة الطرفين
وفي المحصلة، تبدو مفاوضات تجديد اتفاق الصيد الموريتاني ـ الأوروبي أبعد من مجرد سباق لتفادي فراغ قانوني بعد 14 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، فهي اختبار لمدى قدرة الطرفين على إعادة تعريف شراكة عمرها عقود بما ينسجم مع التحولات الاقتصادية والاستراتيجية الجديدة.
وعليه، فإن نجاح المفاوضات لن يقاس فقط بحجم الحصص أو قيمة المقابل المالي، وإنما بقدرة البروتوكول المقبل على تحقيق معادلة أكثر توازناً بين مصالح الأساطيل الأوروبية وأهداف التنمية البحرية الموريتانية؛ أما فشلها وإن كان لا يبدو الخيار المفضل لأي من الطرفين، فقد يدفع نواكشوط إلى تسريع البحث عن أسواق وشركاء جدد، ويفرض على بروكسل تنويع مصادر إمداداتها البحرية.
وفي الحالتين، يبدو أن مرحلة الاكتفاء بتبادل حقوق النفاذ إلى المياه مقابل عائد مالي تتجه إلى الأفول، لتحل محلها مرحلة جديدة عنوانها السيادة على الموارد، والتصنيع المحلي، والاستثمار في الاقتصاد الأزرق.
ومن هنا، فإن بروتوكول الصيد المنتظر قد لا يكون مجرد تجديد لاتفاق قائم، بل مؤشراً مبكراً على شكل العلاقة الاقتصادية بين موريتانيا وأوروبا خلال السنوات المقبلة، وعلى ما إذا كانت مياه الأطلسي الموريتانية ستظل مجرد مصدر للمواد الخام، أم تتحول إلى رافعة لصناعة بحرية قادرة على خلق الثروة داخل البلاد.

تعليقات الزوار
لا تعليقات