يشكل إعلان الشيلي دعمها لسيادة المغرب على صحرائه محطة بارزة في مسار القضية المغربية، بعد أن نجحت الرباط في توسيع دائرة التأييد في أميركا اللاتينية، فيما تواجه جبهة بوليساريو تراجعا لافتا في حضورها بالقارة، بعد تلاشي طرحها الانفصالي.
ولا يقتصر التطور الجديد على دلالته السياسية، بل يتجاوزها إلى أبعاد اقتصادية تعكس توجها مغربيا نحو تحويل التقارب الدبلوماسي إلى شراكات عملية ومستدامة، إذ تزامن الموقف الشيلي، المعلن بداية الأسبوع الجاري، مع توقيع وثيقة تؤسس لمفاوضات اتفاق للتبادل الحر، والتزام سانتياغو بتشجيع الاستثمار والتجارة والتنمية الإنتاجية في الأقاليم الجنوبية للمملكة.
ويعزز هذا التطور مسار تحرك مغربي لم يعد يقتصر على استقطاب مواقف داعمة لقضية الصحراء، بل يهدف إلى إعادة تشكيل علاقات المملكة مع دول القارة، على أساس شراكات تجارية واستثمارية ومؤسساتية تتيح توسيع حضورها في فضاء ظل لعقود مجالا لنفوذ بوليساريو وحلفائها.
وتكتسب الخطوة الشيلية دلالتها من طبيعة التحول الذي تعرفه مواقف عدد من دول أميركا اللاتينية، التي شكلت لعقود مجالا لنشاط بوليساريو، مستفيدة من تقاطعات سياسية وإيديولوجية مع أحزاب وحكومات يسارية.
غير أن هذا الامتداد لم يكن تعبيرا عن موقف لاتيني موحد، كما أن التحولات الجارية لا يمكن اختزالها في تبدل الحكومات أو صعود تيارات محافظة، فالمراجعة المتزايدة للمواقف تعكس أيضا إعادة تقييم للعلاقات الخارجية، وتنامي الاهتمام بالشراكات الاقتصادية، وتوسعا في حضور المغرب الدبلوماسي داخل القارة.
ويبرز التحول الكولومبي، في أغسطس/الماضي الماضي، مثالا على هذا المسار، بعدما أعلنت بوغوتا الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء وتجميد علاقاتها مع الكيان الانفصالي، مع وقف الاتصالات السياسية والدبلوماسية وتبادل البعثات وعدم تقديم الدعم له في المحافل متعددة الأطراف، بما فيها الأمم المتحدة ومجلس الأمن. وربطت الخارجية الكولومبية هذه المراجعة بتعزيز الشراكة مع الرباط، وبتعاون يشمل التجارة والاستثمار والسياحة والأمن الغذائي والموانئ والربط الأطلسي.
وتكشف المقارنة بين الحالتين الكولومبية والشيلية عن انتقال يتجاوز مجرد تقليص الاعتراف ببوليساريو، نحو تثبيت مواقف سياسية أكثر وضوحا تجاه السيادة المغربية على الصحراء بالتوازي مع فتح قنوات تعاون اقتصادي مباشر.
ويعكس الاتفاق مع الشيلي توجها نحو توظيف الموقع الجغرافي للمغرب بوابة للأسواق الإفريقية، في وقت تسعى فيه سانتياغو إلى تنويع شركائها التجاريين وتعزيز انفتاحها على القارة.
وكان البلدان أطلقتا، في يونيو/حزيران الماضي، مسارا تمهيديا لبحث اتفاق تجاري، قبل أن يرتقي في سبتمبر إلى توقيع مرجعية المفاوضات.
ولا يعني ذلك أن المصالح الاقتصادية تفسر وحدها الموقف الشيلي، لكنها تمنح التقارب السياسي امتدادا عمليا، وتفتح المجال أمام تحويله إلى علاقات يصعب حصرها في تغيرات الظرف السياسي.
كما أن إعلان تشجيع الاستثمار والتجارة في الصحراء المغربية يضفي بعدا تنفيذيا على الموقف، من خلال توجيه التعاون الاقتصادي إلى المنطقة.
وتتجاوز أهمية هذه التحولات عدد الاعترافات أو البيانات المؤيدة للحل المغربي لإنهاء النزاع المفتعل حول الصحراء، إلى ما تتيحه من تقليص لشبكة العلاقات الرسمية التي اعتمدت عليها بوليساريو في أميركا اللاتينية، وإضعاف قدرتها على تقديم القارة باعتبارها فضاء متجانسا داعما لأطروحتها.
وبذلك، يمثل الموقف الشيلي امتدادا لمسار دبلوماسي مغربي أوسع، يجمع بين توسيع الدعم السياسي لقضية الصحراء وتعزيز الحضور الاقتصادي والمؤسساتي في أميركا اللاتينية. وهو ما يجعل التطور الجديد مكسبا يتجاوز رمزيته الثنائية، ليعزز التحول الجاري في مواقف جزء من القارة، ويمنح الشراكة المغربية اللاتينية أفقا يتعدى ملف الصحراء إلى مصالح استراتيجية طويلة الأمد.
وتكتسب التحولات المتسارعة في أميركا اللاتينية أهمية خاصة، ليس فقط لما تمثله من تراجع في الدعم الرسمي لبوليساريو، بل أيضا لما توفره من سند دولي متنامٍ للمقترح المغربي، بما يمنح المملكة زخما إضافيا في مساعيها الرامية إلى طي هذا الملف.

تعليقات الزوار
لا تعليقات