أعلن رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي اليوم الأربعاء إطلاق لجنة وطنية للتهدئة وبناء الثقة، في خطوة تستهدف احتواء التوترات، بالتزامن مع استمرار الخلافات بين الأطراف السياسية بشأن ترتيبات المرحلة المقبلة، بما فيها التفاهمات المرتبطة بمسار 4+4، وسط تعثر الجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات وتهيئة البلاد لإجراء الانتخابات.
وقال المنفي، في كلمة أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، إن اللجنة الجديدة تهدف إلى "استباق النزاعات ودعم المصالحة وتهيئة بيئة آمنة للعملية السياسية والانتخابية".
ودعا رئيس المجلس الرئاسي جميع الأطراف الليبية إلى الانخراط في اللجنة، كما حث الأمم المتحدة وشركاء ليبيا على مساندتها وتيسير عملها، مع احترام السيادة والملكية الوطنية، دون أن يكشف عن تفاصيل تشكيلها أو أعضائها أو الآليات التي ستعتمدها لتنفيذ مهامها.
ويأتي الإعلان في وقت تواجه فيه العملية السياسية الليبية تحديات متراكمة، لا تقتصر على الخلاف بشأن القواعد الدستورية والقانونية للانتخابات، بل تمتد إلى التنافس على إدارة المرحلة الانتقالية وتوزيع النفوذ بين مراكز السلطة، فضلا عن هشاشة الترتيبات الأمنية واستمرار الانقسام المؤسسي بين غرب البلاد وشرقها.
وفي هذا السياق، يكتسب إعلان المنفي أهمية إضافية مع تصاعد الخلافات حول اتفاق 4+4، الذي توصلت إليه أطراف ليبية في 30 أغسطس/آب الماضي، برعاية بعثة الأمم المتحدة، بهدف معالجة العقبات الانتخابية ووضع خارطة طريق لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية خلال مدة لا تتجاوز عامين.
غير أن الاتفاق، الذي يُفترض أن يشكل مدخلا لتجاوز الانقسام، واجه اعتراضات تتعلق بشرعية المفاوضات ومدى تمثيل المشاركين فيها للمؤسسات المعنية، فضلا عن الخلاف بشأن بعض بنوده وآليات إقراره.
وبرزت تحفظات المنفي على مسار الاتفاق، خصوصا ما يتعلق بالأساس الذي استندت إليه المفاوضات وصلاحيات الأطراف المشاركة، فيما قاطع رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة مراسم التوقيع، مطالبا بإخضاع التفاهمات لتقييم دستوري وقانوني وتوسيع المشاورات بشأنها.
كما امتدت الخلافات إلى مجلس النواب، حيث قاطع 63 نائبا جلسة برلمانية في 14 سبتمبر/أيلول، مطالبين بتعديل اللائحة الداخلية للمجلس قبل التصويت على مقترحات 4+4، في مؤشر على صعوبة تحويل التفاهمات الأولية إلى قرارات تحظى بغطاء مؤسسي واسع.
وتواجه الاتفاقية، بذلك، اختبارا يتجاوز التوافق على إجراء الانتخابات، ليشمل قدرة المؤسسات المتنافسة على إقرار الترتيبات المتفق عليها، وتحديد شكل السلطة التنفيذية خلال المرحلة الانتقالية، وهي ملفات لطالما شكلت محور النزاع السياسي في ليبيا.
وتسعى البعثة الأممية إلى دفع الاتفاق نحو التنفيذ، بعدما منحت مجلسي النواب والأعلى للدولة مهلة شهر للموافقة على مقترحاته، في محاولة لتفادي عودة الخلافات إلى نقطة الصفر. إلا أن استمرار التحفظات يثير تساؤلات بشأن قدرة هذا المسار على تجاوز الانقسامات، خصوصا في ظل غياب توافق شامل على مخرجاته.
وفي كلمته، شدد المنفي على أن ليبيا لم تعد بحاجة إلى مزيد من إدارة الأزمة، بل إلى إرادة تنهيها، مؤكدا أن بناء دولة موحدة ذات سيادة يمر عبر الآليات الدستورية والقانونية وانتخابات حرة ونزيهة، وأن الشعب هو مصدر الشرعية.
ورحب بجهود الدول الساعية إلى إنهاء الانقسام، مثمنا دور بعثة الأمم المتحدة في تيسير العملية السياسية، في وقت لا تزال فيه الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، التي كانت مقررة في ديسمبر/كانون الأول 2021، مؤجلة بفعل الخلافات السياسية والقانونية.
وبينما لم تتضح بعد طبيعة الصلاحيات التي ستُمنح للجنة الوطنية للتهدئة أو مدى ارتباطها بالمسار الأممي، فإن إطلاقها يضع اختبارا إضافيا أمام الأطراف الليبية، يتمثل في مدى استعدادها لاحتواء التوترات وبناء الثقة، بالتوازي مع معالجة الخلافات التي تهدد تنفيذ اتفاق 4+4.
ويظل نجاح المبادرة مرهونا بقدرتها على الانتقال من الدعوات العامة للمصالحة إلى إجراءات عملية تحظى بقبول الأطراف، وتحد من فرص تجدد النزاعات، بما يدعم المسار الانتخابي بدلا من أن يتحول إلى إطار موازٍ لا يبدد الانسداد السياسي.

تعليقات الزوار
لا تعليقات