أخبار عاجلة

الجدل يتصاعد في موريتانيا بين الحكومة والمعارضة

يتواصل في موريتانيا بشكل متصاعد جدل سياسي واقتصادي ساخن ناجم عن الزيادات المتتالية في أسعار المحروقات، وذلك وسط دفاع حكومي عن الخيارات المتخذة باعتبارها الأكثر عدالة للفئات الهشة، في حين ترى أطراف معارضة أن هذه السياسة تنعكس سلباً على مجمل المواطنين وتؤدي إلى موجة تضخمية تمس مختلف القطاعات الاقتصادية.
وفي خضم هذا الجدل، أعلنت الحكومة عن حزمة جديدة من إجراءات الدعم الاجتماعي تتجاوز قيمتها 12 مليار أوقية قديمة، موجهة للأسر الأقل دخلاً، وذلك في محاولة للتخفيف من آثار ارتفاع الأسعار وتعزيز القوة الشرائية للفئات الأكثر هشاشة.
وتشمل الإجراءات الجديدة توزيع سلال غذائية على 155 ألف أسرة، أي ما يزيد على مليون شخص، وتتكون كل سلة من 50 كيلوغراماً من الأرز و50 كيلوغراماً من القمح و10 كيلوغرامات من المكرونة و10 كيلوغرامات من السكر وخمسة لترات من الزيت، بكلفة إجمالية تبلغ 6.2 مليار أوقية.
كما تتضمن الحزمة تحويلات نقدية جديدة لصالح 352 ألف أسرة، تضم أكثر من مليوني مواطن، بكلفة إجمالية تصل إلى 5.3 مليار أوقية، بواقع 15 ألف أوقية لكل أسرة، على أن يبدأ التنفيذ الفوري لهذه التدابير بإشراف لجنة وزارية وبالتنسيق مع السلطات الإدارية والمحلية.
وفي رد على الانتقادات الموجهة لحكومته، أكد الوزير الأول المختار ولد أجاي أن النقاش الحقيقي لا يتعلق بمجرد رفع أسعار المحروقات أو تثبيتها، بل بكيفية توجيه الموارد المحدودة للدولة بصورة تحقق أكبر قدر من العدالة الاجتماعية.
وأكد ولد أجاي أن المحافظة على الأسعار السابقة للمحروقات بعد اندلاع الحرب وما تبعها من ارتفاعات عالمية كانت ستكلف خزينة الدولة نحو 50 مليار أوقية خلال فترة ثلاثة أشهر فقط، وهو ما كان سيؤدي، بحسب قوله، إلى تجميد برامج اجتماعية وتنموية أساسية.
وأضاف أن الحكومة اختارت تحمل جزء كبير من الفارق السعري، حيث أنفقت نحو 35 مليار أوقية لدعم المحروقات خلال الفترة الماضية، بينما تحمل المستهلك الجزء المتبقي، ما سمح، حسب قوله، بالإبقاء على برامج الدعم الاجتماعي وتخصيص أكثر من 18 مليار أوقية لدعم مباشر للفئات الأقل دخلاً. وتستند الحكومة في دفاعها إلى أن الدعم الشامل للمحروقات يستفيد منه أصحاب الاستهلاك الأكبر للطاقة، أي الشرائح الأكثر يسراً، بينما يتيح الدعم الموجه إيصال المساعدة مباشرة إلى الأسر المحتاجة.
وتشير السلطات إلى أن مجمل ما تم تعبئته لدعم الأسعار والقوة الشرائية بلغ 58 مليار أوقية، تشمل أكثر من 40 مليار أوقية لدعم المحروقات والغاز المنزلي والكهرباء، إضافة إلى حزم اجتماعية متتالية شملت الموظفين منخفضي الدخل والمتقاعدين والأسر المسجلة في السجل الاجتماعي.
وفي المقابل، رفض النائب المعارض عن دائرة أمريكا يحيى ولد اللود الطرح الحكومي، معتبراً أن المقاربة الرسمية تختزل المحروقات في كونها سلعة يستهلكها أصحاب السيارات، بينما الواقع الاقتصادي يجعلها عنصراً أساسياً في تكلفة جميع السلع والخدمات تقريباً.
وأكد ولد اللود أن ارتفاع أسعار الوقود ينعكس مباشرة على تكاليف النقل والإنتاج والتوزيع، ما يؤدي إلى زيادة أسعار المواد الغذائية ومواد البناء والخدمات والنقل العمومي، وبالتالي فإن آثار القرار لا تقتصر على الفئات الفقيرة وحدها بل تمتد إلى الموظفين والمتقاعدين وأصحاب الدخل المتوسط والحرفيين وصغار التجار.
ويرى النائب المعارض أن الحكومة تطرح المسألة باعتبارها خياراً بين دعم شامل أو رفع الأسعار، متجاهلة – حسب رأيه – بدائل أخرى مثل تخفيض الضرائب والرسوم المفروضة على المحروقات، ومراجعة بعض النفقات العمومية، والحد من الهدر والفساد، وإعادة النظر في بعض الامتيازات الاقتصادية التي تزيد كلفة الطاقة على الاقتصاد الوطني.
وأضاف أن التحويلات النقدية والدعم الموجه لا يعوضان بالكامل التأثير الواسع للتضخم، لأن شريحة واسعة من المواطنين لا تستفيد من برامج الحماية الاجتماعية، لكنها تتحمل كامل الزيادات التي تطال أسعار السلع والخدمات.
ويأتي هذا السجال في ظل تقلبات أسواق الطاقة العالمية المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية والحروب الدولية، وهي عوامل دفعت العديد من الدول إلى مراجعة سياسات دعم الوقود. وأكد وزير الطاقة والنفط الموريتاني محمد ولد خالد، أن الحكومة أنفقت 35 مليار أوقية على دعم المحروقات خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري، رغم أن التقديرات الأولية كانت تتوقع إنفاق 29 مليار أوقية فقط خلال السنة بأكملها.
وشدد الوزير على أن السلطات لم تلجأ إلى رفع الأسعار لتحقيق إيرادات مالية إضافية، مؤكداً أن حكومة موريتانيا ما زالت تتحمل جزءاً مهماً من تكلفة الدعم مقارنة بدول أخرى سارعت إلى زيادات أكبر فور اندلاع الأزمة العالمية.
وأعلن الوزير عن استمرار العمل على تعزيز قدرات تخزين المحروقات في نواكشوط ونواذيبو، مع تشديد الرقابة على السوق ومعاقبة المحطات المخالفة التي تلجأ إلى الاحتكار أو المضاربة.
ويعكس الجدل الدائر تبايناً في الرؤى حول أفضل السبل لمواجهة الصدمات الاقتصادية الخارجية: فالحكومة تركز على الحفاظ على التوازنات المالية وتوجيه الدعم نحو الفئات الأكثر هشاشة، بينما تدعو المعارضة إلى حماية أوسع للقدرة الشرائية من خلال الحد من انعكاسات أسعار الوقود على مجمل النشاط الاقتصادي.
ومع استمرار الضغوط على أسواق الطاقة وارتفاع تكاليف المعيشة، يبدو أن ملف المحروقات سيظل أحد أبرز عناوين النقاش السياسي والاقتصادي في موريتانيا خلال الفترة المقبلة، مع ارتباطه المباشر بمعيشة المواطنين وبالتوازن الدقيق بين متطلبات العدالة الاجتماعية والحفاظ على الاستقرار المالي للدولة.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات