عاد الملف الليبي إلى واجهة الاهتمام الأمريكي في توقيت يتقاطع فيه ضغط ملفات الطاقة والأمن والهجرة، بعد سنوات من التراجع النسبي للدور الأمريكي منذ تعثر المسار الانتخابي أواخر عام 2021، وما تبعه من انقسام مؤسسي واستمرار حالة الجمود السياسي، وهي مرحلة سمحت لقوى إقليمية ودولية بتوسيع نفوذها داخل البلاد، في ظل غياب مقاربة أمريكية واضحة تجاه ليبيا.
وفي هذا السياق، قال تقرير صادر عن المجلس الأطلسي إن تطورين لافتين كسرا حالة الجمود التي سادت المشهد الليبي لسنوات، تمثلا في عودة كبرى شركات النفط العالمية إلى السوق الليبية، وتصاعد الانخراط العسكري والدبلوماسي الأمريكي، معتبراً أن واشنطن اتخذت قراراً صائباً بإعادة الاهتمام بالملف الليبي في هذا التوقيت الذي يشهد تصاعداً في التنافس الدولي على جنوب البحر المتوسط.
وأشار التقرير إلى أن السياسة الأمريكية باتت تنظر إلى ليبيا باعتبارها جزءًا من منظومة أمن الإقليم الأوسع لا مجرد ساحة نزاع داخلي، وهو تحول ارتبط بتداعيات الحرب في أوكرانيا، وتشديد العقوبات على الطاقة الروسية، وتزايد أهمية أفريقيا والساحل في الحسابات الأمنية الأمريكية، إلى جانب القلق الأوروبي المتصاعد من الهجرة غير النظامية وانعكاساتها السياسية.
وتجسّد هذا التحول، بحسب التقرير، في زيارات متكررة لكبار قادة القيادة الأمريكية في أفريقيا إلى ليبيا خلال شهري أكتوبر/تشرين الأول وديسمبر/كانون الأول الماضيين، إضافة إلى إعلان انضمام ليبيا إلى تمرين فلينتلوك، أكبر تمرين سنوي للعمليات الخاصة تنظمه أفريكوم، وهي خطوة حملت دلالات سياسية وأمنية تعكس رغبة واشنطن في إعادة إدماج ليبيا ضمن ترتيبات أمنية غربية بعد سنوات من الغياب.
وحذر التقرير من أن الولايات المتحدة تمتلك نافذة ضيقة لكنها حقيقية لإعادة ضبط المسار الليبي، من خلال الجمع بين انخراط أمني محسوب واستثمار استراتيجي طويل الأمد، مؤكداً أن أهمية هذه الفرصة تتزايد في ظل تحركات روسيا وقوى خارجية أخرى لترسيخ نفوذها في ليبيا، مستفيدة من الفراغ السياسي والانقسام العسكري القائم.
وفي خلفية هذا التنافس، أوضح التقرير أن ليبيا تمثل عقدة جغرافية بالغة الأهمية، إذ تطل سواحلها على أوروبا مقابل إيطاليا، بينما يمتد عمقها الجنوبي إلى منطقة الساحل الأفريقي، حيث تنشط جماعات مسلحة وتنظيمات متطرفة، وهو ما يجعل استقرار ليبيا عاملاً مؤثراً في ملفات مكافحة الإرهاب وأمن الطاقة وتدفقات الهجرة عبر المتوسط.
اقتصادياً، لفت التقرير إلى أن ليبيا تنتج حالياً ما بين 1.2 و1.4 مليون برميل نفط يومياً، مع خطط لرفع الإنتاج إلى مليوني برميل بحلول عام 2030، مشيراً إلى أن أزمة الطاقة في أوروبا بعد الحرب في أوكرانيا أعادت النفط الليبي إلى دائرة الاهتمام بوصفه بديلاً محتملاً عن الإمدادات الروسية، ما عزز الحضور الدولي في القطاع النفطي الليبي.
وفي هذا الإطار، تأهلت شركات عالمية كبرى من بينها شل وشيفرون وإيني وتوتال إنيرجيز وريبسول للمشاركة في أول جولة تراخيص للتنقيب عن النفط في ليبيا منذ 18 عاماً، في خطوة اعتبرها التقرير مؤشراً على عودة الاهتمام الدولي، لكنه حذر من أن هذه الاستثمارات تظل معرضة للمخاطر في ظل استمرار هشاشة الوضع الأمني.
وأشار التقرير إلى تنامي نفوذ فيلق أفريقيا الروسي، الذي حل محل مجموعة فاغنر، وتوسّع انتشاره قرب القواعد الجوية وحقول النفط والممرات الصحراوية الاستراتيجية، معتبراً أن السيطرة على هذه المواقع تمنح موسكو نفوذاً مباشراً في معادلة الطاقة والأمن داخل ليبيا.
واعتبر المجلس الأطلسي أن ليبيا باتت واحدة من أبرز ساحات الصراع بالوكالة في البحر المتوسط، حيث عززت تركيا نفوذها في الغرب عبر اتفاقية ترسيم الحدود البحرية الموقعة عام 2019 مع حكومة الوحدة الوطنية، فيما رسخت روسيا وجودها في الشرق والجنوب من خلال تعاون رسمي مع الجيش الوطني الليبي، في ظل غياب توازن دولي فاعل.
وأضاف التقرير أن غياب ثقل أمريكي موازن خلال السنوات الماضية أدى إلى انتقال مراكز اتخاذ القرار المتعلقة بالطاقة والهجرة والمسار السياسي إلى عواصم خارج واشنطن وبروكسل، محذراً من أن استمرار هذا الوضع يهدد المصالح الغربية طويلة الأمد ويقوض فرص تحقيق استقرار مستدام في ليبيا.
ورصد التقرير مؤشرات على عودة أمريكية محسوبة، تمثلت في زيارات عسكرية ولقاءات رفيعة المستوى مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، جرى خلالها بحث توسيع التعاون في التدريب العسكري ورفع مستوى احترافية القوات، إضافة إلى تعزيز التنسيق الأمني البحري وحماية المنشآت الحيوية.
وعلى الصعيد السياسي، أشار التقرير إلى بيان دولي مشترك صدر في السادس والعشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني، ضم الولايات المتحدة ودولاً أوروبية وخليجية وتركيا ومصر، أكد دعم تجديد تفويض بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، وضرورة تنسيق المسارين العسكري والاقتصادي بين شرق البلاد وغربها كمدخل لأي تسوية سياسية.
وخلص التقرير إلى أن ليبيا تمثل اختباراً لنموذج أمريكي جديد للتدخل، يقوم على ربط الأمن بالاستثمار والتنمية، محذراً من أن التأخر في استثمار هذه الفرصة قد يسمح لقوى منافسة بترسيخ نفوذها ورسم مستقبل ليبيا بعيداً عن المصالح الغربية.
أمريكا تعيد فتح الملف الليبي

تعليقات الزوار
لا تعليقات