كشفت الاحتجاجات الأخيرة في تونس عن تناقضات عدة تعيشها الطبقة السياسية في هذا البلد الذي يقف على مفترق طرق بين العودة للديكتاتورية واستئناف المسار الديمقراطي المتعثر، وفق عدد من المراقبين.
وفي وقت يحتفل فيه التونسيون بالذكرى 15 للثورة التي أسقطت نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي، تظاهر الآلاف في العاصمة التونسية للتنديد بالوضع المتردي على الصعيد الاقتصادي والحقوقي.
وحملت الاحتجاجات الأخيرة عدة رسائل، أبرزها شعار “الظلم مؤذن.. بالثورة” وهو تحريف متعمّد للمقولة المعروفة للمفكر عبد الرحمن بن خلدون “الظلم مؤذن بخراب العمران”، في محاولة للتحذير من أن الأوضاع المتردية في البلاد قد تتسبب بانتفاضة شعبية جديدة، فضلا عن صورة رمزية تجمع بين بن علي والرئيس الحالي قيس سعيد، في إشارة لوجود “تشابه” في سياسة الرجلين، حيث ترى المعارضة أن سعيد يستأثر بجميع السلطات في البلاد، وخاصة بعد اتخاذه تدابير استثنائية عام 2021، وهو ما تعتبره المعارضة “انقلابا” على المسار الديمقراطي في البلاد.
وكان من الطبيعي أن تستفز الصورة أنصار سعيد، الذين دأبوا على اتهام المحتجين بـ”الشذوذ” و”الاستقواء بالخارج” ومحاولة نشر الفوضى في البلاد.
غير أن هناك أطرافا في المعارضة وجدوا في الصورة “إساءة” لبن علي، بل إن أحد القياديين في الحزب الدستوري الحر، الذي ترأسه المحامية عبير موسي ويضم بعض رموز النظام السابق، اعتبر أن الصورة بمثابة “طعنة في الظهر”.
قبل أن تسارع حركة حق، والتي سبق أن وقعت وثيقة “التزام وطني” مع الدستوري الحر، إلى التعبير عن استنكارها لرفع “شعارات مستفزة لعدد كبير من المشاركين ومخالفة لروح العمل المشترك. وتضرب مناخ الثقة بين مكونات المعارضة”.
كما تمنّت ألا تؤثر “هذه الحادثة الطائشة” في ما سمته “التوجهات الوطنية الجريئة والايجابية للحزب الدستوري الحر التي أكدها بالمشاركة في المسيرة الأخيرة تأكيدا لقاعدة الأهم قبل المهم”.
ولاحقا أصدر “الدستوري الحر” بيانا أكد فيه أن قادته “لديهم من النضج الفكري والحنكة السياسية والقدرة على التمييز والإرادة الصادقة لإعلاء المصلحة العامة للوطن، ما يقيهم من السقوط في فخ الاستفزازات المجانيّة التي ترمي إلى تغذية الانقسامات وبث الفتنة”.
كما أكد تمسكه بـ”دعم وتجسيد المبادئ والأهداف النبيلة التي تم تضمينها في وثيقة “التزام وطني” تمّت صياغتها بطريقة تشاركيّة من قبل ثلّة من ممثّلي القوى السياسيّة والمدنيّة والشخصيّات الوطنيّة والأكاديميين والمستقلين”.
بدوره، اتهم رياض الشعيبي، المستشار السياسي لرئيس حركة النهضة، الحزب الدستوري الحر بممارسة “الابتزاز السياسي”، مؤكدا أن “الثورة التي خرجنا لإحياء ذكراها الـ15 قامت ضد استبداد نظام بن علي، وما يحصل منذ خمس سنوات ليس إلا محاولة رديئة لاستنساخ تلك الحقبة البائدة. لذلك لم تكن من صورة في المسيرة أبلغ من صورة التقاء رموز ما قبل الثورة بصورة الردة التي نواجهها اليوم”.
واعتبر الشعيبي أن القوى السياسية التي مازالت ترى في بن علي رمزا لها “ليست أكثر من امتداد لحكمه ولنظامه القمعي والبوليسي، ولا يحق لها أن تمارس نوعا من الانتهازية السياسية للضغط على القوى الديمقراطية للتنازل عن رمزيات الثورة وشعاراتها”.
وخاطب الباحث الأمين البوعزيزي، التجمعيين (نسبة إلى حزب بن علي) بقوله: “بالله عليكم، أيهم أولى بغضبكم، متظاهرون عزّل قارنوا بن علي بقيس سعيد، أم زعيمكم الذي أذل “المجاهد الأكبر” (الحبيب بورقيبة) و”قائد الجهادين”، في معاداة ثورة أنصفت بورقيبة وأعادت له الاعتبار، حيث عمد المنصف المرزوقي (المناضل الحقوقي والطبيب الجامعي) إلى نفض الغبار عن إرثه الرمزي، معيدا صورته إلى قصر قرطاج ومحوّلا مقر إقامته قصر صقانس بالمنستير إلى متحف؟”.
وتابع البوعزيزي: “ماذا تريدون بغضبكم هذا: أن نعتذر عن ثورتنا ونصدق هراءكم عن الربيع العبري الذي جندنا نحن فقراء تونس للإطاحة بـ”أمين القومية التونسية” بن علي، أم تراكم تشاركون في مظاهراتنا اليوم لإعادة نموذج حكم بن علي”.

تعليقات الزوار
لا تعليقات