أخبار عاجلة

جدل سياسي وإعلامي موريتاني حول تأجيل قمة نواكشوط للشباب

في بلدٍ يشكّل فيه الشباب أكثر من نصف الكتلة السكانية، لا تبدو أي مبادرة موجهة إليهم حدثًا عابرًا، ولا يمكن فصلها عن سياقها السياسي والفكري العام. هكذا تحولت «قمة نواكشوط للشباب»، التي يقول منظموها إنها تهدف إلى النهوض بواقع الشباب وفتح آفاق جديدة للإبداع والمشاركة، من مشروع شبابي معلَن إلى موضوع جدل سياسي وإعلامي واسع، بعدما طُرحت تساؤلات حول خلفياتها الفكرية والجهات المؤطرة لها.
فبين تأكيدات القائمين على القمة بأنها منصة مستقلة للتفكير والتكوين وبناء القدرات، واتهامات أطراف سياسية وإعلامية لها بأنها واجهة لنفوذ التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، برز التردد الإداري في منح الترخيص كعنوان لإشكال أعمق، يتجاوز فعالية بعينها ليطرح أسئلة حساسة حول حدود العمل الشبابي، ومعايير الترخيص، والخط الفاصل بين المبادرات المدنية المشروعة والهواجس المرتبطة بالأمن الفكري والسياسي في موريتانيا.
وأعاد هذا الجدل، الذي تداخلت فيه الحسابات السياسية مع المخاوف الأيديولوجية، إلى الواجهة نقاشًا قديمًا جديدًا حول إدارة الفضاء العام، ودور الدولة في مرافقة المبادرات الشبابية دون تحويلها إلى ساحات استقطاب، في وقت يبحث فيه آلاف الشباب الموريتانيين عن منصات تعبير حقيقية خارج منطق الشبهة المسبقة والتجاذب السياسي.
ولا يزال قرار تأجيل «قمة نواكشوط للشباب» يثير نقاشاً واسعاً في الساحة الموريتانية، بعد إعلان اللجنة التحضيرية تأجيل القمة إلى أجل غير مسمى، في ظل ما وصفته بعدم الحصول على الترخيص النهائي، وهو قرار فتح الباب أمام تباين كبير في المواقف بين مؤيدين للمبادرة، ومشككين في خلفياتها، وآخرين ركزوا على الجوانب القانونية والإجرائية.
المبادرة فكرة موريتانية ووطنية
وأكدت اللجنة التحضيرية لقمة نواكشوط للشباب في بيان لها «أن المبادرة فكرة موريتانية خالصة ووطنية صِرفة، أطلقها شباب من داخل البلاد وخارجها، بدافع المسؤولية تجاه الوطن، وسعياً إلى جعل موريتانيا قبلة معرفية للشباب العربي والإفريقي والإسلامي».
وأوضح البيان «أن القمة تهدف إلى تمكين الشباب، وفتح آفاق جديدة للإبداع والتكوين والابتكار، مؤكداً أن مجال عملها علمي بحت، جامع، ولا يتبنى أي توجه أيديولوجي أو حزبي، نافياً بشكل قاطع أي تبعية تنظيمية للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين».
وأضافت اللجنة «أنها استكملت الإجراءات الإدارية الأولية، والتقت بعدد من الوزراء وقادة الرأي والعلم داخل موريتانيا وخارجها، كما أودعت ملفات النشاط في الآجال القانونية، لكنها فوجئت بطلب تأجيل القمة قبل عشرة أيام من موعدها، دون توضيح الأسباب أو تحديد موعد بديل، رغم استعدادها لتعديل البرنامج وفق توجيهات الجهات المعنية».
في مقابل رواية المنظمين، ذهب رأي قانوني وإداري متداول، عبّر عنه عدد من المدونين، إلى أن الإشكال المطروح لا يتعلق بحرية التنظيم أو بالمضمون الفكري للقمة، بل بالإجراءات.
وبناءً على ذلك، يطرح هؤلاء سؤالاً معاكساً لما هو شائع: «لماذا بدأ التنسيق والتنفيذ قبل صدور الترخيص النهائي؟» بدل التساؤل عن أسباب تأخره.
ويرى الكاتب الموريتاني البارز حبيب الله ولد أحمد «أن الجدل الواسع حول تأجيل أو إلغاء «قمة نواكشوط للشباب» كان يمكن تفاديه لو أُحسن تدبير المبادرة سياسيًا منذ لحظة الإعلان عنها».
وقال: «في بلد يرفع شعار «تمكين الشباب»، كان الأجدر دعم نشاط شبابي نوعي من حيث التحضير والتنظيم والمحتوى، غير أن القمة، كما يقول، حملت بذور تعثرها في داخلها منذ البداية».
ويعزو ولد أحمد ذلك أساسًا إلى الطابع السياسي للجنة التحضيرية، التي غلب عليها التيار الإسلامي بمختلف تسمياته، مع حضور وازن محسوب على جماعة الإخوان المسلمين، إضافة إلى حديث غير مقنع عن تمويل «ذاتي» لقمة شبابية يفترض أنها محدودة الموارد.
واعتبر الكاتب «أن تقديم المبادرة بهذه الصورة شكّل خطأً سياسيًا فادحًا، خصوصًا في ظل علاقات موريتانيا القوية بمحور خليجي معروف بموقفه المناوئ للإخوان، ما جعل إقناع السلطات باحتضان قمة «مؤدلجة» أمرًا بالغ الصعوبة.
وأشار ولد أحمد «إلى أن جهات محلية نافذة، مدعومة بأطراف خارجية، تحركت لمنع عقد القمة خشية أن تتحول إلى منصة جديدة للتنظيم العالمي للإخوان، الذي يواجه تضييقًا دوليًا ويبحث عن فضاءات بديلة. وفي هذا السياق، يرى أن السلطات تعاملت بذكاء حين أعلنت «التأجيل» دون تقديم تبريرات، تاركة المنظمين في موقع الارتباك».
وزاد: «قادة المبادرة أخطأوا سياسيًا عندما سارعوا إلى تحميل دولة الإمارات مسؤولية التأجيل»، وهو ما اعتبره الكاتب «مساسًا بسيادة القرار الموريتاني وهفوة دبلوماسية تجاه دولة تربطها بنواكشوط علاقات تاريخية ودعم تنموي مستمر». ويخلص ولد أحمد إلى أن هذه المواقف عززت مخاوف السلطات، التي لم تقتنع منذ البداية بـ»حياد» القمة، خاصة مع رفض المنظمين إدراج بعض الأوراق والمواضيع المقترحة التي تمس قضايا الشباب والفتيات بشكل مباشر، ما عمّق الانطباع بأنها مبادرة مؤطرة سياسيًا أكثر من كونها فضاءً شبابيًا تفاعليًا جامعًا.
وكتب القيادي البعثي الموريتاني محمد الكوري العربي، تدوينة مطولة اعتبر فيها أن قمة الشباب المعنية هي، في نظره، «قمة شبابية تابعة للإخوان المسلمين، سواء أُعلن ذلك أم نُفي».
وقال الكوري «إنه غير معني لا بمنع القمة ولا بالترخيص لها، مؤكداً أن النظام الموريتاني الحالي يُعد، حسب وصفه، من أكثر الأنظمة احتواءً وتفهماً لجماعة الإخوان المسلمين، سياسياً واقتصادياً.
وذهب إلى «أن منع الترخيص، إن صح، لا يعود إلى موقف مبدئي، بل إلى «ضغوط دولية»، معتبراً أن ردود فعل شباب الإخوان ليست سوى «دخان سياسي» لرفع الحرج عن النظام أمام تلك الضغوط».
وانتقد الكوري ما سماه «الذهان الجماعي» لدى جماعة الإخوان المسلمين، متهماً الجماعة بمحاولة محو الذاكرة الجماعية للشعوب العربية، والتنصل من مسؤوليتها، بحسب رأيه، عن الفوضى والحروب الأهلية في عدد من الدول العربية».
وفي المقابل، عبّر الإعلامي الموريتاني البارز الهيبة الشيخ سيداتي عن موقف داعم للقمة، معتبراً «أن منع شباب مبدعين من توظيف علاقاتهم الدولية للتعريف بموريتانيا، وجلب مؤثرين عالميين، وتنظيم فعاليات معرفية، يستحق التحقيق والمساءلة».
وأضاف «أن البلد ملك لجميع مكوناته ولكل شبابه»، متسائلاً عن «منطق منع مؤتمر شبابي بدعوى الانتماء لمحور فكري أو سياسي، في وقت تُنظم فيه مؤتمرات وتُمنح امتيازات لجهات لا تُخفي ارتباطها بمحاور خارجية».
واعتبر الشيخ سيداتي «أن المبادرة جديرة بالتكريم والدعم، خاصة أنها لا تكلف الدولة أي أعباء مالية، رغم ما تحمله من آثار إيجابية محتملة».
وبين بيان المنظمين، والقراءات الإجرائية، والاتهامات السياسية، والدفاع الإعلامي عن المبادرة، يتواصل الجدل حول قمة نواكشوط للشباب، في غياب توضيح رسمي نهائي يضع الرأي العام أمام الأسباب الحقيقية للتأجيل.
ويبقى السؤال المطروح بقوة في الساحة الموريتانية: هل يتعلق الأمر بإشكال قانوني وإداري يمكن تجاوزه، أم أن خلفيات القرار أعمق، وتمس توازنات سياسية وفكرية تتجاوز إطار قمة شبابية؟

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات