أخبار عاجلة

حبس “عميد الصحافيين في الجزائر” يثير تفاعل شعبي واسع

أثارت قضية حبس الكاتب والصحافي الجزائري سعد بوعقبة على خلفية تصريحاته لقناة “رؤية” حول ما قال إنه استيلاء بعض الزعماء التاريخيين على أموال جبهة التحرير الوطني في سويسرا، تفاعلات واسعة جدوى مواجهة الآراء المتعلقة بالشخصيات التاريخية عبر المحاكمات والسجون.

وتعددت الآراء حول حبس بوعقبة البالغ من العمر 80 عاما، والذي يوصف بـ”عميد الصحافيين في الجزائر”، فهناك من اعتبر السجن مؤشرا على تضييق الحريات، خاصة مع سرعة تحرك العدالة بالمقارنة مع قضايا أخرى آخرها قضية رئيسة الهلال الأحمر الجزائري ابتسام حملاي، وهناك من رأى في الجانب الآخر أن للعائلة الحق في الدفاع عن ذاكرة أحد أبرز رموز الدولة، في إشارة إلى صاحبة الشكوى وهي ابنة الرئيس الراحل أحمد بن بلة بالتبني (مهدية)، وذلك في سياق عام اتسعت فيه أيضا دائرة النقاش حول غلق قناة “رؤية” الإلكترونية التي أُجرت “بودكاستات” مع بوعقبة تضمن واحدا منها هذه التصريحات.

ويرى المختص في علم الاجتماع نوري دريس أن قضية سجن سعد بوعقبة تفتح الباب أمام غلق النقاش في أي مسألة تاريخية بعد أن مُنع النقاش في السياسة وقضايا الشأن العام وكل ما يتعلق بحياة الجزائريين، واعتبر أن الأخطر هذه المرة هو ما وصفه بتحالف العائلة والقضاء والوزارة الوصية لإسكات نقاش أو إبداء رأي حول تاريخ شخصية عمومية “كان لقراراتها وسياساتها تأثير كبير على مسار بناء الدولة”.

وقال إن هذا الأسلوب في إدارة الدولة “لا يعكس أبداً قوة الدولة ولا وضوح رؤية، بل يعكس غياب الرؤية وغياب المشروع”. وأضاف أن كلام بوعقبة “قد يكون غير صحيح”، لكن هناك – حسب قوله – “ألف طريقة في مقارعة رأيه وتصريحاته بدل هذه الطريقة البلشفية التي تعمق الهوة أكثر فأكثر بين الدولة والمجتمع”.

أما المؤرخ أرزقي فراد فقد أبدى تأثره بسجن بوعقبة، قائلاً: “لسنا بخير ما دمنا نستبدل المناظرات الفكرية بمحاكمة الأفكار. لسنا بخير بعد أن صار الرأي يردع بالعقوبة..”. وأكد تضامنه مع “الرأي الحر دون تمييز”، معتبراً أن الأصل في التدافع الفكري هو الحرية، وأنه إذا أخطأ سعد بوعقبة في سرد المعلومات التاريخية فالحل يكون عبر “المناقشة والمناظرة العلانية مع أهل الاختصاص حتى يتجلى الصواب”، مشيراً إلى أن المراجعة عند اكتشاف الخطأ “ليست عيباً بل خطوة نحو التعلم”.

وبالنسبة للمختص في علم الاجتماع السياسي ناصر جابي، هناك محاولة “لاحتكار العائلة (عائلات الزعماء التاريخيين) للسردية التاريخية”. وقال إن سجن بوعقبة ذكّره بمقال سابق له حول الدور “المبالغ فيه الذي تريد لعبه العائلة في تحديد السردية التاريخية الوطنية”، مضيفاً أن “سجن بوعقبة ليس حلاً، الجزائريون في حاجة إلى حريات أكثر وليس إلى وصاية على تاريخهم الوطني”.

من جانبه، كتب الصحافي نجيب بلحيمر تعليقا ربط فيه بين حبس بوعقبة وغلق قناة “رؤية”. وقال: “خبر حبس سعد بوعقبة غطّى على خبر آخر هو حجب رؤية إلى الأبد. قد يستعيد سعد حريته بعد حين، لكن الشمع الأحمر قد لا يرفع عن رؤية أبداً”. ورأى أن خبر إطلاق سراح بوعقبة قد يتحول إلى “حجاب آخر على قضية الغلق”، التي ستختزل – حسب تعبيره – في حجة أنهم “كانوا يعملون دون رخصة”.

واعتبر أن تجربة “رؤية” كانت مبنية على الإيمان بأن الغلق يجب أن يواجه بالفعل، وأن واجب الصحافيين هو إيجاد هوامش يتحركون فيها، مشيراً إلى معارك يومية يخوضها الصحافيون في غرف التحرير “من أجل صياغة خبر أو تغطية حدث أو تناول قضية”، في مواجهة “نظام شبح” يفرض رقابة ذاتية بدافع الخوف على “الخبزة”.

وأشار إلى أن التشميع يذكّر بأن الأولوية يجب أن تكون لتغيير القواعد التي جعلت الحرية رهينة القوة، وأن ممارسة الصحافة لا ينبغي أن تكون “مغامرة باللعب في هوامش رسمت لتكون مجالاً للخضوع”. وأنهى بالقول إن “رؤية لن تعود مثلما لم تعد الصحف والمواقع والقنوات المشمّعة سابقاً، وفي تغييبها رسالة لمن يريد خوض مغامرة جديدة”.

وفي الاتجاه الآخر، ظهرت ردود فعل مؤيدة لموقف مهدية بن بلة صاحبة الشكوى. فقد نشرت صفحة “الجزائر المحروسة” تدوينة جاء فيها أن استدعاء بوعقبة لم يكن متوقعاً، فهو “قضى عمراً كاملاً يكتب وينتقد دون أن يهتز له حرف”، لكن الاستدعاء الحالي “كان بدعوى من مهدية بن بلة ابنة الرئيس الراحل أحمد بن بلة”، رغم أن بيان محكمة بئر مراد رايس أشار إلى وزارة المجاهدين كطرف مدني في القضية.

وأشار النص إلى أن القضية انفجرت بعد تطرق بوعقبة إلى حادثة “تقاسم الأموال”، مضيفاً أن تحرك ابنة بن بلة “لم يكن صداماً مع صحتفي بل دفاعاً عن تاريخ والدها الذي هو جزء من ذاكرة الجزائريين”. واعتبر المنشور أن من حقها “الكامل أن تطالب بتوضيح أو رد أو حتى مساءلة قانونية عندما ترى العائلة أن هناك مساساً بتلك الذاكرة”. ووجه المنشور كلاماً مباشراً لبوعقبة: “الزعيم الراحل في دار الحق… لا تطلق النار على سيارة إسعاف..”.

حنون تدعو الرئيس تبون لعفو شامل

وفي جانب المواقف السياسية، أكدت زعيمة حزب العمال لويزة حنون في ندوة صحفية، أنها طرحت ملف العفو الشامل مباشرة خلال لقائها الرئيس عبد المجيد تبون، معتبرة أن العفو ضرورة سياسية تتعلق بالحقوق والحريات.

وأوضحت أن الرئيس رد بأن العفو لا يُمارس إلا بعد صدور أحكام نهائية، بينما ذكّرته بأن قرارات الإفراج عن معتقلي رأي في السابق تمت في عدة مناسبات قبل صدور الأحكام النهائية، وبعضهم تمت متابعة محاكماتهم وهم في حالة إفراج. وأضافت أن هذا دليل على إمكانية اتخاذ قرار مشابه اليوم.

وأبرزت أنها شددت خلال اللقاء على احترام حرية التعبير والرأي والحريات الأكاديمية باعتبارها ركائز لأي انفراج سياسي. ولم تربط حنون كلامها مباشرة بقضية بوعقبة، غير أن المتابعين أدرجوا تصريحاتها في مناخ النقاش الدائر حول وضع الحريات.

تطورات القضية

وفي بيان لها أمس، كشفت النيابة لدى محكمة بئر مراد رايس بالعاصمة عن التهم المتابع بها الصحافي سعد بوعقبة، وهي جنح “إهانة وقذف موجه باستعمال تكنولوجيات الإعلام والاتصال ضد رموز ثورة التحرير الوطني”، و”نشر وترويج عمدًا بأي وسيلة كانت لأخبار أو أنباء كاذبة أو مغرضة بين الجمهور”، وفقًا للمواد 148 مكرر 1 و333 مكرر 6 و196 مكرر من قانون العقوبات.

كما تمت متابعة حراوي عبد الرحيم، مسيّر قناة رؤية، بجنحة “إهانة وقذف موجه باستعمال تكنولوجيات الإعلام والاتصال ضد رموز ثورة التحرير الوطني”، وذلك على أساس المادتين 42 و148 مكرر 1 من قانون العقوبات، بصفته مشاركًا في بث المحتوى محل المتابعة.

وأوضحت النيابة أن متابعة بوعقبة جاءت بناء على شكوى تقدمت بها مهدية بن بلة، ابنة الرئيس الراحل أحمد بن بلة، اتهمت فيها بوعقبة بالمساس بوالدها باعتباره رمزًا من الرموز التاريخية للدولة الجزائرية، وذلك عقب تصريحاته في لقاء صحفي بثّته قناة “Vision TV News” على يوتيوب بعنوان: “هكذا تقاسم قادة الثورة أموال جبهة التحرير الوطني يصدم الرأي العام بمعلومات تاريخية تذكر لأول مرة”.

وذكرت النيابة أن اللقاء تضمن، وفق الشكوى، “معلومات كاذبة وخاطئة ومشينة تمس رموز الدولة ورموز ثورة التحرير الوطني”، حيث قال بوعقبة إن قادة من الثورة “تقاسموا أموال جبهة التحرير الوطني بطريقة غير شرعية وأودعوها في حساباتهم الشخصية”.

وأضاف البيان أن نيابة الجمهورية أمرت بفتح تحقيق ابتدائي حول الوقائع الواردة في الشكوى، باعتبارها أفعالًا “تمس برموز الثورة وقادتها”. وبعد استكمال إجراءات التحقيق، تم تقديم الأطراف المعنية بتاريخ 27 نوفمبر 2025 أمام وكيل الجمهورية، بمن فيهم ممثل وزارة المجاهدين، التي تأسست طرفًا مدنيًا في القضية.

وأوضحت النيابة أن ملف القضية أُحيل على قسم الجنح وفق إجراءات المثول الفوري، حيث تقرر تأجيل الجلسة إلى 4 ديسمبر 2025. كما أمر وكيل الجمهورية بوضع سعد بوعقبة رهن الحبس المؤقت، فيما وُضع المتهم حراوي عبد الرحيم في حالة إفراج، حسب البيان.

وتساءل كثير من المعلقين عن خيار إيداع بوعقبة الحبس المؤقت قبل محاكمته بدل تركه في حالة إفراج بالنظر لسنه البالغ من العمر 80 عاما، ومعاناته من عدة أمراض، وخاصة متاعب في القلب، وأشاروا إلى ظهوره وهو يحمل كيس أدوية عند قدومه للمثول أمام القاضي. وكان بوعقبة اشتكى من حجز جواز سفره، منذ أكثر من سنتين ـ رغم قرار قضائي بإعادته له ـ مما يمنعه من السفر للعلاج في فرنسا على يد ابنه الطبيب الجراح الخاص بأمراض القلب، الذي كان يتابع علاجه.

 >

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات