عرض د. محمد بن مسلم المهري في ورقته أمام الموتمر الخليجي الأول للتراث والتاريخ الشفاهي الذي نظمته أخيرا هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، لتجربة بحثية في الحضارة العربية القديمة تستحق الإشادة والثناء، حيث قام صاحبها الباحث العماني علي بن أحمد الشحري على مدار ما يزيد على 26 عاما بتأصيل اللغة الشحرية وعلاقتها اللغة العربية وهي اللغة التي عرفها بأنها وهي اللغة العربية القديمة التي نعتقد بأنها تعود إلى فترة قوم عاد وثمود وإنها أقدم من اللغة السبئية والحميرية، وقد أُطلق عليها اسم اللغة الشحرية نسبةً إلى قبائل الشحري سكان ظفار الأصليين، وإلى بلاد الشحر التي تمتد من غربي حضرموت إلى شرقية عمان، وقد انشقت من اللغة الشحرية لغتان أو لهجتان وهما اللهجة البطحرية في شرقية ظفار واللهجة السقطرية في جزيرة سقطرة في اليمن. وأقرب اللغات القديمة إلى اللغة الشحرية هي اللغة الآرامية. واللغة الشحرية حالياً لغة منطوقة وليست مكتوبة .
البحث جاء بعنوان لغة عاد لغة العرب الأوائل في أرض الأحقاف: ظفار لغة وكتابات ونقوش حيث أوضح د. المهري أن الباحث على بن أحمد الشحري اعتمد على رافدين مهمين الأول: ما وقر في ذاكرة الباحث حيث بلغ السابعة الستين من عمره، وإن كان المشروع في مخيلة الباحث قبل هذه الحقبة، فجمع ما حوته ذاكرته واستعماله اليومي للغة الشحرية فكوّن لديه معجما لا يستهان به.
أما الرافد الثاني: وهو المهم، الجلوس إلى المسنين الذي عاشوا هذه اللغة دون أي دخيل من اللغة العربية بكل مفرداتها العادية أو اليومية أو الأدبية من نثر وشعر وعادات وتقاليد ومعتقد وملبس ومأكل.. إلخ .
وعلى عِظَمِ هذين الرافدين وما لهما من أهمية فإن الحقيقة لن تنجلي بالطريقة السابقة وحدها، فعمد الباحث علي الشحري إلى ما يقيد هذه اللغة وهي الحروف فوجد أن اللغة الشحرية تنطق بخمسة وعشرين حرفا من الأبجدية العربية ذات الثمانية والعشرين حرفا بالإضافة إلى ثمانية حروف خاصة باللسان الشحري وبهذا تكون حروف اللغة الشحرية 33حرفا وأثناء البحث عن ما يثبت هذه الحروف ماديا كان اللقاء بالنقوش الظفارية في أحد الكهوف في ريف ظفار كان ذلك بتاريخ 5/3/1988، ويعد علي الشحري هذه النقوش المفتاح لكنزه الموعود وهي التأصيل لفرضيته التي نذر حياته لها .
ويضيف د. المهري قام علي الشحري بمسح ما يقارب 60% من الريف الظفاري، وما يقارب 20% من منطقة النجد الصحراء في محافظة ظفار، وما يقارب 10% من المنطقة الساحلية في ظفار، عمد خلال هذا المسح إلى تجميع الحروف المختلفة من كمية الكتابة المتوفرة التي وصل عدد حروفها إلى أكثر من 10 آلاف حرف، ومن ثم حصر الحروف المختلفة التي تشكل أبجدية لغة هذه الكتابة، ومن ثم قام بفرز الحروف المتشابهة على اختلاف طرق كتابتها حسب تصوره، وقارنها ببقية الأبجديات السامية العربية الأخرى، بصرف النظر عن أشكالها المختلفة قليلا عن بعضها، وعليه فإن الحروف التي يعتقد بأنها متشابهة، وأنها تشكل حروف تلك الابجدية حصرها لوحدها، حيث اختار من كل مجموعة الحرف الذي تكرر بكثرة وجعله يمثل مجموعته، وهكذا مع بقية الحروف وفي النهاية أصبح عنده 33 حرفا، كل واحد يختلف عن الآخر، وهو العدد الذي يشكل الأبجدية الشحرية أو بالأحرى الحروف التي تنطقها اللغة الشحرية .
وينقل د. المهيري عن الشحري قوله إن أصل الأُمة العربية هي من الجزيرة العربية وبالتحديد من جنوبها، وإن حضارتهم هي من أقدم الحضارات، وقد ثبتت هذه النظرية العربية عندما أكد القرآن الكريم على أن قوم عاد في بلاد الأحقاف قد جعلهم الله خلفاء من بعد نوح، فالخلق الأول آدم والخلق الثاني نوح والذين أسند الله إليهم الخلافة من بعد نوح هم قوم عاد، وقوم عاد في الأحقاف، والأحقاف تقع من غربي حضرموت إلى رأس الحد في شرقية عمان إلى الخليج العربي، وتعتبر ظفار عمق الأحقاف، وسُميت فيما بعد بأرض الشحر والأشحار.
وإن المتبقي من اللغة العادية الأولى لا تزال في جذور اللغتين الشحرية والمهرية. وإن لغة قوم عاد بها عدد كبير من الحروف المنطوقة، وإن عدد حروف تلك الأبجدية أكثر من كل الأبجديات الأخرى والتي تناقصت كلماتها وحروفها بمرور الزمن بسبب الهجرات، ولكن ظفار احتفظت بلغة وحروف قوم عاد وبقت حروفها ثابته في موطنها الأصلي (الأحقاف)، (ظفار)، حيث اللغة الشحرية المنطوقة في ظفار حالياً يوجد بها 33 حرف أبجدي و6 حروف صوتية ، وهذا هو السبب الذي ظهر في عدد الحروف الظفارية من ناحية ومن ناحية أُخرى, وجود كل أشكال الحروف العربية القديمة المعروفة بالسامية في كتابات ظفار لأن اللغة الشحرية والمهرية وهما من جذر واحد .
ويؤكد د. المهري على أن تجربة الشحري حاولت خلال ربع قرن ونيف أن تؤصل لحضارة عربية عريقة، من خلال ما توفر لديها من مادة معرفية، وهي قليل من كثير ضاع مع مرور الزمن، وما قام به الباحث علي الشحري هو وضع اللغة الشحرية في مكانها اللائق بها من بين اللغات العربية الجنوبية، حيث عمل على الرقي بها من لغة شفهية إلى لغة مكتوبة يمكن تدخل حيز التاريخ المدون بما طرح من أدلة مقنعة على أقلها من جانبه، ثم إظهار ما تتميز به غيرها.
يضاف إلى ذلك هدف آخر وهو لفت انتباه الدارسين والمهتمين الصادقين إلى أهمية هذه المنطقة العربية القديمة وتراثها، وأهمية دراسة ما تبقى من تراث العرب في أقدم أرض عربية كما نعتقد نحن أهل ظفار، وضرورة دراسة لغتها الشحرية وكذلك المهرية، قبل أن يأتي عليهما عوادي الزمن بما يحمل من رياح التغيير وجهالة جيل جديد بأهمية تراثهم الأصيل .
يذكر أن د. المهري يعمل مساعد العميد للشئون الأكاديمية المساندة بكلية العلوم التطبيقية بصلالة بسلطنة عمان، وهو حاصل على الدكتوراه في الدراسات الأدبية وله العديد من المؤلفات منها : تكلم اللهجة المهرية ، حكايات شعبية ظفارية ، تطور الشعر العماني المعاصر في النصف الثاني للقرن العشرين .
|
محمد الحمامصي |

تعليقات الزوار
لا تعليقات