تراهن موريتانيا على مواردها الطبيعية وموقعها الأطلسي للتحول تدريجياً من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على تصدير المواد الخام إلى مركز إقليمي للطاقة والصناعة منخفضة الكربون، مستفيدة من وفرة الشمس والرياح، ودخولها حديثاً مرحلة إنتاج الغاز الطبيعي، وتزايد الشراكات الدولية في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر.
وعرضت تقيه اعبيد الرحمن، مديرة الهيدروجين منخفض الكربون بوزارة الطاقة والنفط الموريتانية، خلال مشاركتها في الطاولة المستديرة حول «الكهرباء من أجل التصنيع»، التي نظمتها هيئات معنية بالطاقة النظيفة في لاس بالماس الإسبانية، رؤية موريتانيا للتحول إلى مركز عالمي للطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والتصنيع منخفض الانبعاثات.
وأكدت بنت اعبيد الرحمن أن موريتانيا تمتلك مقومات طبيعية واستراتيجية تؤهلها لتصبح وجهة رئيسية للاستثمارات في قطاع الطاقة النظيفة، مشيرة إلى أن معدل الإشعاع الشمسي يتراوح بين 2000 و2300 كيلووات/ساعة للمتر المربع سنوياً، فيما تتراوح سرعة الرياح على الساحل الأطلسي بين 9 و11 متراً في الثانية، مع إمكانات للطاقة المتجددة تتجاوز 100 غيغاوات.
وأضافت أن البلاد تمتلك قدرة إنتاجية محتملة تصل إلى 12 مليون طن سنوياً من الهيدروجين الأخضر، إلى جانب احتياطيات مؤكدة من الغاز الطبيعي تبلغ نحو 14 تريليون قدم مكعبة، فضلاً عن ساحل أطلسي يمتد لنحو 750 كيلومتراً، بما يوفر لها منفذاً استراتيجياً على الأسواق الأوروبية والعالمية.
مشاريع ضخمة وطموحات
واستعرضت المسؤولة عدداً من مشاريع الهيدروجين الأخضر الكبرى التي يجري تطويرها في موريتانيا، من بينها مشروع AMAN بقدرة معلنة تبلغ 18 غيغاوات، ومشروع Möhring Energy Group بـ17 غيغاوات، وNOUR بـ15 غيغاوات، وNassim بـ14 غيغاوات، وMegaton Moon بـ 13 غيغاوات، إضافة إلى United Energy Group بـ 3.7 غيغاوات وHynfra بـ 552 ميغاواط.
وبحسب الأرقام التي قدمتها بنت اعبيد الرحمن، تتجاوز القدرات المعلنة لهذه المشاريع مجتمعة 80 غيغاوات، ما يضع موريتانيا ضمن الدول ذات الطموحات الكبيرة في صناعة الهيدروجين الأخضر.
غير أن هذه الأرقام تعكس القدرات المعلنة للمشاريع التي توجد في مراحل مختلفة من التطوير والدراسة، ولا تعني أن هذه الطاقة أصبحت إنتاجاً قائماً بالفعل.
ويبرز من بين هذه المشاريع مشروع AMAN الذي تطوره شركة CWP Global، ويستهدف إنتاج الهيدروجين ومشتقاته اعتماداً على الطاقة الشمسية والرياح، ومشروع NOUR الذي تطوره Chariot بالشراكة مع TotalEnergies H2، فيما تطور GreenGo Energy مشروع Megaton Moon لإنتاج الهيدروجين ومشتقاته.
وتراهن نواكشوط على تحويل هذه المشاريع من مجرد استثمارات في الطاقة إلى قاعدة لصناعات جديدة، خصوصاً الحديد الأخضر والأمونيا والمنتجات منخفضة الانبعاثات.
استراتيجية لا تستبعد الغاز
وأكدت مديرة الهيدروجين منخفض الكربون أن استراتيجية موريتانيا لا تقتصر على إنتاج الهيدروجين الأخضر، وإنما تشمل أيضاً مواصلة تطوير النفط والغاز الطبيعي، وتوسيع البنية التحتية لإنتاج الكهرباء ونقلها، وإنتاج الحديد الأخضر والمنتجات الصناعية منخفضة الانبعاثات، إلى جانب تطوير الموانئ والخدمات اللوجستية ومحطات تحلية المياه.
وتأتي هذه الرؤية في مرحلة دخلت فيها موريتانيا بالفعل نادي منتجي الغاز الطبيعي، بعد بدء إنتاج الغاز من مشروع السلحفاة الكبرى آحميم المشترك مع السنغال.
وقد بدأ إنتاج الغاز في أواخر 2024، فيما تستهدف المرحلة الأولى إنتاج نحو 2.3 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً.
وتسعى موريتانيا بذلك إلى بناء مزيج طاقوي يجمع بين الغاز كمورد تقليدي جديد والطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر، مع توجيه جزء من هذه الموارد نحو التصنيع المحلي.
أوروبا في قلب الرهان
ويحظى توجه موريتانيا باهتمام أوروبي متزايد، في ظل سعي دول الاتحاد الأوروبي إلى تنويع مصادر الطاقة النظيفة وتأمين إمدادات الهيدروجين ومشتقاته مستقبلاً.
وفي هذا الإطار، أطلق الاتحاد الأوروبي ودول أعضاء، بينها ألمانيا وإسبانيا وفرنسا، ومؤسسات مالية أوروبية، مبادرات لدعم تطوير منظومة الهيدروجين الأخضر في موريتانيا، تشمل البنية التحتية وشبكات الكهرباء والموانئ وتحلية المياه واللوجستيات، فضلاً عن دعم المهارات ونقل التكنولوجيا.
كما عزز الاتحاد الأوروبي في 2025 شراكته الاستثمارية مع موريتانيا بحزمة بلغت 269 مليون يورو، شملت قطاعات الطاقة والنقل ودعم الميزانية، من بينها 125 مليون يورو لتوسعة ممر نقل الكهرباء عالي الجهد من نواكشوط باتجاه كيفه، بما يساعد على دمج مزيد من مصادر الطاقة المتجددة وتوسيع الوصول إلى الكهرباء.
وتدعم ألمانيا كذلك تطوير قطاع الهيدروجين الأخضر في موريتانيا، خصوصاً في المجالات الفنية والتنظيمية وبناء القدرات والتفاوض مع المستثمرين.
دعم من البنك الدولي والبنك الإفريقي
وامتدت الشراكات التي تقيمها موريتانيا في مجال الطاقة إلى المؤسسات المالية الدولية؛ فقد وافق البنك الدولي عام 2025 على مشروع DREAM لدعم تطوير قطاعي الطاقة والمعادن في موريتانيا، مع التركيز على الهيدروجين الأخضر وتخزين الطاقة والإصلاحات المرتبطة بالتعدين.
وفي 2026، دعم البنك الإفريقي للتنمية موريتانيا في إعداد إطار للمزادات الخاصة بالهيدروجين الأخضر ومشتقاته، بهدف تطوير آليات أكثر تنظيماً لجذب الاستثمارات، ضمن برنامج مساعدة فنية يركز على بناء سوق الهيدروجين.
كما دعمت المؤسسة مشاريع إنتاج الكهرباء المتجددة، من بينها محطة هجينة للطاقة الشمسية والرياح بقدرة 60 ميغاوات ضمن مبادرة Desert
to Power.
من الطاقة إلى التصنيع
وتكمن أهمية الرهان الموريتاني في محاولة الانتقال من تصدير الموارد الخام إلى بناء سلاسل قيمة صناعية؛ فالهيدروجين الأخضر يمكن أن يستخدم في إنتاج الحديد الأخضر والأمونيا والوقود منخفض الانبعاثات، وهي قطاعات تتيح لموريتانيا الاستفادة من مواردها من الحديد والطاقة والموقع البحري في آن واحد.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة بالنسبة لاقتصاد ما تزال صادراته تعتمد بدرجة كبيرة على الموارد الطبيعية، بينما تبقى الصناعة التحويلية محدودة.
وفي هذا السياق، اعتمدت موريتانيا القانون رقم 2024-037 المتعلق بمدونة الهيدروجين الأخضر، لتوفير إطار قانوني وتنظيمي للاستثمار في إنتاج الهيدروجين ونقله وتصديره ومشتقاته، وتشجيع الشراكات والاستثمار ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات الوطنية.
من الإعلانات إلى التنفيذ
وتقول بنت اعبيد الرحمن، إن موريتانيا تعمل على تحديث إطارها التنظيمي وتطوير البنية التحتية لجذب مزيد من الاستثمارات، مؤكدة أن الهدف هو بناء منظومة صناعية متكاملة تستفيد من الموارد الطبيعية والموقع الجغرافي للبلاد.
لكن حجم الطموح يضع نواكشوط أمام تحديات كبيرة، أبرزها توفير الاستثمارات الضخمة والبنية التحتية، وتطوير الموانئ وشبكات الكهرباء ومحطات تحلية المياه، وتأمين أسواق مستقرة للهيدروجين ومشتقاته.
كما أن الفارق بين المشاريع المعلنة والمشاريع التي تصل فعلياً إلى مرحلة الاستثمار والإنتاج يظل أحد أبرز الاختبارات أمام القطاع.
ومع ذلك، فإن اجتماع وفرة الشمس والرياح، والغاز الطبيعي، والثروة المعدنية، والساحل الأطلسي، والشراكات الدولية، يمنح موريتانيا فرصة لإعادة تعريف موقعها في خريطة الطاقة الإفريقية.
وبحسب الرؤية التي عرضتها مديرة الهيدروجين منخفض الكربون، لا تريد نواكشوط أن تكون مجرد منتج للهيدروجين الأخضر، بل تسعى إلى تحويله إلى قاطرة للتصنيع منخفض الكربون وتنويع الاقتصاد، بما يجعل البلاد منصة إقليمية تجمع بين الطاقة النظيفة والصناعة والتعدين والموانئ والأسواق الدولية.

تعليقات الزوار
لا تعليقات