استمرت قوات الاحتلال في تسجيل خروقات جديدة لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وارتقى طفل وشاب جراء هجمات نفذتها الطائرات المسيرة، فيما واصلت تلك القوات عمليات نسف المباني خلف “الخط الأصفر”، وذلك على وقع استمرار التحذيرات الدولية من خطورة الأوضاع الإنسانية، بسبب تشديد الحصار ونقص المساعدات.
واستشهد طفل وأصيب آخر، جراء إلقاء طائرة مسيرة قنبلة على منطقة البلدة القديمة شرقي مدينة غزة، وذلك أثناء تعبئتهما المياه خلف المسجد العمري. وفي مدينة غزة ومناطق الشمال سمع دوي انفجارات عالية ناجمة عن عمليات نسف مباني جديدة، وذكرت مصادر محلية أن انفجارا ضخما هز المنطقة الغربية لبلدة بين لاهيا شمال القطاع، ناجم عن عملية نسف نفذها جيش الاحتلال هناك، كما جرى تنفيذ عملية نسف مشابهة على أطراف مخيم جباليا المجاور.
وأبلغ شهود من مناطق شمال القطاع، عن عمليات قصف مدفعي وإطلاق نار كثيف طالت المناطق الواقعة ضمن “الخط الأصفر”، كذلك نفذت قوات الاحتلال عمليات نسف مباني جديدة تقع خلف “الخط الأصفر”، شرق مدينة غزة، واستهدفت آليات الاحتلال أيضا أطراف حي التفاح، فيما أطلقت الزوارق الحربية النيران بكثافة في بحر المدينة.
واستشهد الشاب عدي اللوح (27 عامًا)، إثر استهدافه بمسيّرة إسرائيلية شرق دير البلح وسط قطاع غزة، وفي مدينة خان يونس جنوبي القطاع، فقد حلقت طائرات مسيرة على ارتفاعات منخفضة، بالتزامن مع قصف مدفعي استهدف البلدات الشرقية، وذكرت مصادر محلية أيضا أن قصف مدفعي استهدف أيضا المناطق الواقعة شمال غرب مدينة رفح التي تخضع لاحتلال كامل من قبل جيش الاحتلال، واستهدفت قوات الاحتلال بإطلاق نار مكثف من الدبابات خيام نازحين في مواصي مدينة رفح.
وتتواصل الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار المعلن منذ 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، ما أسفر عن استشهاد 1059 فلسطينيا
فيما تواصل إسرائيل تشديد إجراءات الحصار المخالفة أيضا لهذا الاتفاق.
وفي السياق، رحبت حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، بالقرار الصادر عن الكنيسة المشيخية الأمريكية، الذي اعتبر أن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة “ترقى إلى إبادة جماعية”، ودعا إلى حظر توريد الأسلحة إلى الاحتلال ومقاطعته، واعتبرته الحركة “موقفاً منسجماً مع قيم العدالة والإنسانية، ويعبّر عن مسؤولية أخلاقية في مواجهة الانتهاكات المستمرة بحق الشعب الفلسطيني”.
سوء تغذية حاد
هذا وقد كشفت الأمم المتحدة، أن شركاءها في العمل حذروا من أن مخزونات المساعدات المخصصة لسكان غزة أوشكت على النفاد بسبب الاضطرابات في سلاسل الإمداد ونقص التمويل.
وذكر موقع الأمم المتحدة الإعلامي، إنه في مجال التغذية، تواصلت عمليات الكشف والعلاج. وأنه في النصف الأول من يونيو، فحص الشركاء أكثر من 31 ألف طفل، وتبين أن نحو 1500 منهم يعانون من سوء تغذية حاد، بينهم أكثر من 200 حالة شديدة، وقد أُدرج جميعهم في برامج العلاج، كما فُحصت قرابة 24 ألف امرأة حامل ومرضعة، حيث يجري تقديم العلاج للمصابات منهن.
وأكدت الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في غزة لا تزال أقل بكثير من حجم الاحتياجات، وأن هناك حاجة إلى بذل المزيد من الجهود لتمكين العمليات الإنسانية وتوفير التمويل اللازم لها.
وقد أفادت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين “الأونروا”، بأنها تواصل تنفيذ حملات تنظيف، وأنشطة للتوعية المجتمعية، ورش المبيدات في قطاع غزة، إلى جانب التخلص من النفايات الصلبة وغيرها من الجهود الرامية إلى تحسين الظروف البيئية، وذكرت أنها نفذت منذ السابع من يونيو الماضي، تدابير للحد من انتشار الحيوانات والآفات الناقلة للأمراض في أكثر من 370 موقعا للنزوح في أنحاء غزة، تؤوي مجتمعة أكثر من 680 ألف شخص.
تجدر الإشارة إلى أن اتحاد بلديات قطاع غزة، حذر من التدهور الخطير والمتسارع في منظومة الخدمات البلدية الأساسية، وفي المقدمة منها خدمات المياه والصرف الصحي وإدارة النفايات الصلبة، وقال إن منظومة العمل مهددة بالانهيار الكامل نتيجة الاستهداف المتواصل للبنية التحتية ومنع إدخال مستلزمات التشغيل.
وكان المكتب الإعلامي الحكومي، كشف عن أرقام صادمة بعد مرور 1000 يوم على حرب الإبادة التي بدأتها إسرائيل ضد قطاع غزة يوم 7 أكتوبر 2023، وأكد أن الحرب خلفت أكثر من 73 ألف شهيد، بينهم عشرات آلاف الأطفال والنساء، إلى جانب تدمير 80% من القطاع، حيث طال الدمار جميع القطاعات، وقال إن التقديرات الأولية تشير إلى تسبب الحرب في خسائر أولية مباشرة تُقدر بنحو 80 مليار دولار.
انهيار شبة كامل
وذكر المركز الفلسطيني للدراسات السياسية، في دراسة جديدة أصدرها، بعد مرور 1000 يوم على حرب الإبادة، أنه مرور هذه الأيام الطويلة على الحرب المستمرة يمثل محطة تحليلية كاشفة لحجم التحول الذي أصاب الواقع الفلسطيني، وتُظهر المعطيات أن الحرب تجاوزت نطاقها العسكري لتتحول إلى أزمة إنسانية شاملة مست الإنسان والبنية التحتية ومقومات الحياة.
وأشار إلى أن الحرب أفرزت تحولات عميقة في البنية الاجتماعية والسياسية الفلسطينية، أبرزها إعادة تشكيل أنماط الحياة وتفاقم التشظي السياسي والجغرافي، وأوضح أن المعطيات التراكمية الصادرة عن وكالات الأمم المتحدة، وعلى رأسها مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والبنك الدولي، تشير إلى أن الحرب على قطاع غزة أدت إلى تدمير واسع النطاق طال الإنسان والبنية التحتية والنظام الاجتماعي والاقتصادي بشكل غير مسبوق في التاريخ الحديث للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
وقال إنه بحسب التقديرات المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، فإن أكثر من 60% من السكان فقدوا منازلهم أو تعرضت مساكنهم للتدمير أو الضرر، فيما تعرض 1.9 مليون شخص للنزوح المتكرر داخل القطاع، بعدما جر تدمير أكثر من 371,000 وحدة سكنية كلياً أو جزئياً.
وأوضحت الدراسة أن أكثر من 50% من المرافق الصحية أصبحت خارج الخدمة أو غير قادرة على العمل، فيما معظم المدارس والبنية التعليمية تعرضت للتدمير أو الضرر الشديد، لافتة إلى حدوث انكماش اقتصادي حاد وصل إلى نحو 84% من حجم الاقتصاد في غزة.
وذكرت أن المؤشرات لا تعكس فقط حجم الدمار المادي، بل تكشف أيضاً عن انهيار شبه شامل في منظومة التنمية البشرية، حيث تشير التقديرات إلى أن مستويات التنمية في غزة قد تراجعت بما يعادل عقوداً طويلة من التقدم الإنساني (تقديرات تصل إلى أكثر من 70 عاماً من التراجع في مؤشرات التنمية البشرية).
وقالت إنه في السياق الإنساني المباشر، تفيد تقارير “أوتشا” بأن الغالبية الساحقة من السكان يعيشون في ظروف انعدام أمن غذائي ومائي وصحي، مع اعتماد واسع النطاق على المساعدات الإنسانية المحدودة وغير المستقرة، كما أشارت الدراسة إلى أن مستقبل المرحلة ما بعد الألف يوم يبقى مفتوحاً على سيناريوهات متعددة مرهونة بتوازنات القوى الإقليمية والدولية.
وقد أعلن وكيل وزارة التنمية الاجتماعية في غزة رياض البيطار، أن قطاع غزة يواجه أزمة تعافٍ غير مسبوقة في ظل استمرار تداعيات الحرب التي خلفت أكثر من 75 ألف يتيم فقدوا أحد والديهم أو كليهما، إضافة إلى أكثر من 68 ألف ناجٍ وحيد، بينهم قاصرون وبالغون، فضلًا عن 45 ألف أرملة، منهن 28 ألفًا ترملن خلال الحرب الأخيرة، مؤكدا أن هذه الأرقام مرشحة للارتفاع.
وأكد أن 80% من العائلات الفلسطينية فقدت منازلها نتيجة الحرب، وتعيش أوضاعا إنسانية متفاقمة بعد نزوحها إلى مراكز الإيواء أو المدارس أو الخيام، لافتا إلى أن المساعدات التي دخلت قطاع غزة منذ بدء التهدئة لا تلبي الاحتياجات الفعلية للسكان، وقال إن بيانات مكتب “أوتشا” تظهر أن التمويل الدولي المخصص لغزة لم يتجاوز 25% من إجمالي الاحتياجات، الأمر الذي انعكس على البرامج الإغاثية.
وأكد أن منظومة التعافي في قطاع غزة لا تزال متعثرة، حين لم تتمكن المؤسسات الإنسانية من استعادة قدرتها على تنفيذ برامجها بسبب اتساع حجم الاحتياجات واستمرار العجز في التمويل، مشيرا إلى أن الأوضاع الاقتصادية، إلى جانب الاعتبارات السياسية والأمنية، تؤثر بصورة كبيرة على تنفيذ البرامج الإنسانية، في ظل الصعوبات التي تواجهها المؤسسات في التنسيق والقيود الأمنية.

تعليقات الزوار
لا تعليقات