مع اقتراب نوفمبر، يتحول تجديد بروتوكول الصيد بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي إلى سباق لتجنب توقف السفن، وإلى اختبار لشروط تقاسم المنافع من ثروة بحرية تتقاطع حولها مصالح الخزينة الموريتانية، والأسطول الأوروبي، والعاملين في القطاع؛ فبروكسل تريد ضمان استمرار الوصول إلى المياه الموريتانية، فيما تطرح المفاوضات سؤالا أوسع: كيف تتحول الشراكة إلى عائد اقتصادي محلي دائم، مع حماية الموارد البحرية التي يقوم عليها الاتفاق؟
وأكد المفوض الأوروبي للصيد والمحيطات، كوستاس كاديس، إن المفوضية تسعى إلى عقد جولة جديدة من المفاوضات مع موريتانيا قريبا، مؤكدا أن تجديد البروتوكول يمثل أولوية لبعض قطاعات الأسطول الأوروبي.
وأوضح، عقب اجتماع وزراء الصيد في بروكسل، أن الاتصالات وتبادل الرسائل لم تؤد بعد إلى اتفاق، وأنه طلب محادثة عبر الاتصال المرئي مع وزير الصيد الموريتاني المختار بوسيف لمحاولة تسوية القضايا العالقة.
وتأتي هذه التحركات بينما تضغط إسبانيا لإنجاز الاتفاق قبل انقطاع نشاط سفنها. ودعا وزير الزراعة والصيد والغذاء الإسباني، لويس بلاناس، المفوضية الأوروبية إلى الإسراع في المفاوضات، محذرا من مغادرة الأسطول الأوروبي المياه الموريتانية إذا انتهت المهلة دون تسوية.
ويعكس هذا الموقف حساسية الملف لدى الدول التي تعتمد سفنها على مناطق الصيد خارج المياه الأوروبية.
وحسب البيانات الرسمية للمفوضية، ينتهي البروتوكول الجاري في 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، بما يجعل استمرار الصيد ابتداء من 15 نوفمبر رهينا بوجود إطار قانوني نافذ. ويتعلق التفاوض بتجديد البروتوكول المحدد لحقوق الصيد والمقابل المالي، أما اتفاق الشراكة نفسه، الذي بدأ العمل به في نوفمبر 2021 لمدة ست سنوات قابلة للتجديد التلقائي، فله مدة مختلفة. وهذا التمييز أساسي لفهم الأزمة: استمرار الشراكة لا يضمن وحده استمرار تراخيص الصيد.
ولا تنطلق المفاوضات من الصفر، فقد أعلنت الوكالة الموريتانية للأنباء، في شباط/فبراير الماضي، اختتام اجتماع تفاوضي في لاس بالماس تناول تنظيم استغلال الموارد البحرية وآليات المتابعة والرقابة، مع تأجيل بحث إمكانيات الصيد والجانب المالي إلى جولات لاحقة.
وأكد الطرفان آنذاك التزامهما بالتوصل إلى بروتوكول يحقق المصالح المشتركة ويحافظ على الموارد، غير أن توقيع محضر تلك الجولة لم يكن إعلانا عن اتفاق نهائي.
ولم تكشف التصريحات الأوروبية الأخيرة تفاصيل جميع نقاط الخلاف أو مطالب كل طرف، لذلك لا يمكن الجزم بأن التعثر يعود حصرا إلى المقابل المالي أو حجم الحصص، لكن الوثائق المنشورة توضح الملفات التي تؤطر التفاوض: فرص الصيد الفعلية، وشروط الاستغلال، والرقابة، وطريقة احتساب المدفوعات، وتنفيذ الدعم المخصص لتنمية القطاع.
ويبلغ التعويض المالي الأوروبي العام في البروتوكول الحالي 60.8 مليون يورو سنويا، تشمل في المتوسط 3.3 ملايين يورو لدعم التنمية الدائمة لقطاع الصيد الموريتاني، بينما يمثل المبلغ المتبقي مقابلا مدفوعا للوصول إلى الموارد.
وتضاف إلى هذه المساهمة الرسوم التي يدفعها أصحاب السفن مقابل التراخيص والمصائد، ومن ثم، فإن تقييم العائد الموريتاني يتطلب النظر إلى المدفوعات العامة والخاصة، وإلى المنافع الاقتصادية التي يولدها النشاط محليا.
ويتيح البروتوكول فرص صيد تصل إلى 280 ألفا و50 طنا سنويا، تشمل القشريات والأسماك القاعية والتونة والأسماك السطحية الصغيرة، وتستفيد منه سفن عشر دول أوروبية.
وهذا الرقم يمثل سقف الفرص المتاحة، وليس كمية تصطادها السفن بالضرورة كل عام، وهو فارق أصبح في صلب المراجعة الأوروبية للاتفاق.
ففي تقييم نشرته المفوضية ضمن التحضير للمفاوضات، خلصت إلى أن فرص الصيد تجاوزت الاحتياجات الفعلية للأسطول، ما أدى إلى ضعف استخدامها واختلال مالي تحمل الاتحاد الأوروبي جانبا كبيرا منه، كما رصدت تأخرا في تنفيذ الدعم القطاعي حدّ من أثره، وأثارت تحفظات بشأن استخدام موريتانيا السابق لبعض الأموال، وهذه ملاحظات منسوبة إلى التقييم الأوروبي، ولا تعني بذاتها ثبوت مخالفات قضائية.
وتساعد هذه الخلاصات على فهم تشديد كاديس على مراعاة ملاحظات المدققين، دون افتراض أن جميع ملاحظاتهم تتطابق مع التقييم المذكور، فبروكسل تدخل التفاوض تحت ضغط مزدوج: حماية نشاط أسطولها، وتبرير كفاءة الإنفاق العام الأوروبي.
وفي المقابل، تبرز لموريتانيا مصلحة في وضوح الإيرادات واستقرارها، وفي ضمان أن تؤدي شروط الاتفاق إلى تنمية القطاع الوطني.
واقترح التقييم التحضيري مواءمة فرص الصيد مع استخدامها المتوقع، ودرس إمكان تعديل المقابل المالي تلقائيا عند ضعف استغلالها؛ كما أوصى بتسريع تنفيذ الدعم القطاعي، وتحسين التخطيط، وتعزيز المراقبة العلمية على متن السفن، وهي خيارات مطروحة للمفاوضات، وليست شروطا نهائية اتفق عليها الطرفان.
وعلى الضفة الأوروبية، اتسعت المطالبة بالتجديد لتشمل الشركات والنقابات. فقد دعت رابطة الصناعات السمكية الأوروبية، والاتحاد الأوروبي لعمال النقل، في بيان صدر يوم 24 أيلول/سبتمبر المنصرم، إلى تجنب توقف النشاط، محذرين من انعكاساته على السفن والأطقم وسلاسل الإمداد.
وطالب الطرفان بتمديد البروتوكول الحالي سنة واحدة إذا تعذر إتمام المفاوضات في موعدها، وهو مقترح مهني يحتاج إلى موافقة رسمية من الجانبين.
ومن زاوية موريتانية، ينبغي أن يتجاوز النقاش قيمة المقابل المالي إلى حجم المنفعة التي تبقى داخل البلاد: فرص تشغيل البحارة، والخدمات المينائية، والتكوين، والصيانة، والتبريد والتحويل، فزيادة الإيرادات تظل مكسبا محدودا إذا لم يصاحبها توسع في النشاط المحلي، بينما يمكن لدعم موجّه بوضوح أن يساعد على بناء قدرات وطنية تستمر بعد انتهاء أي بروتوكول.
وتبقى حماية المخزون شرطا لاستمرار تلك المنافع، وينص الإطار التعاقدي على إتاحة الموارد للأساطيل الأجنبية في حدود الفائض، مع مراعاة قدرة الأسطول الوطني على الاستغلال والاعتماد على المشورة العلمية.
وبذلك، فإن تحديد الحصص يحتاج إلى معرفة حالة الأنواع وقدرتها على التجدد، إلى جانب حسابات الطلب التجاري.
وتكشف الأزمة الحالية أن حاجة الطرفين إلى الشراكة لا تكفي وحدها لحسم شروطها؛ فأوروبا تبحث عن استقرار عمليات أسطولها وكفاءة إنفاقها، وموريتانيا أمام فرصة لتعزيز العائد المحلي والرقابة على ثروتها.
وسيكون توقيع بروتوكول جديد نجاحا في تفادي الانقطاع، لكن الاختبار الأبعد سيظهر في تنفيذه: هل يضمن صيدا قابلا للاستمرار، وإيرادات واضحة، ووظائف ومنافع أوسع على الساحل الموريتاني؟
اتصالات مكثفة لتجديد اتفاقية الصيد بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي

تعليقات الزوار
لا تعليقات