تتواصل في ليبيا النقاشات السياسية والمؤسسية بشأن مسار الانتخابات وترتيبات المرحلة المقبلة، في ظل استمرار الخلاف بين مجلس الدولة الاستشاري ومجلس النواب حول إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وهو نقاش يتقاطع مع توترات متزايدة داخل المؤسسات نفسها، ويعكس حالة انسداد سياسي متجدد، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من تداعيات استمرار الانقسام على مستقبل العملية الانتخابية وإمكانية تجديد الشرعية.
ويأتي هذا الجدل في سياق تصعيد سياسي شهدته الأيام الماضية، تمثل في خلافات داخل مجلس النواب بشأن آليات اتخاذ القرار وصلاحيات رئاسته، إلى جانب تصاعد التوتر مع المجلس الأعلى للدولة حول إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية، وهي تطورات أعادت ملف الانتخابات إلى واجهة المشهد، ودفعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى التحذير من أن الخطوات الأحادية المتبادلة قد تفتح فصلًا جديدًا من الانقسام المؤسسي وتؤثر سلبًا على المسار الانتخابي.
في هذا السياق، أكد عضو مجلس الدولة الاستشاري فتح الله السريري، في تصريحات تلفزيونية، أن اختيار رئيس لمفوضية الانتخابات يأتي في إطار استكمال الاستحقاق الانتخابي وفق المسار المتفق عليه، مشددًا على أن تشكيل مجلس المفوضية يمثل جزءًا أساسيًا من هذا المسار، وأن هذه الخطوة تُعد من مخرجات اللجنة الاستشارية التي سبق أن شكلتها بعثة الأمم المتحدة بهدف تذليل العقبات أمام إجراء الانتخابات.
وأوضح السريري أن مجلس الدولة لم يخرج عن الإطارين القانوني والسياسي المتوافق عليهما، معتبرًا أن التحرك يندرج ضمن الجهود الرامية إلى تسريع العملية الانتخابية، معربًا عن استغرابه من تمسك مجلس النواب والبعثة الأممية بمجلس مفوضية وصفه بأنه ناقص العدد ولم يعد محل توافق سياسي، لافتًا إلى أن ربط إجراء الانتخابات بتشكيلة بعينها يثير تساؤلات حول سلامة المسار.
وشدد السريري على أن العمل يجب أن يكون مؤسسيًا لا قائمًا على الأشخاص، داعيًا إلى تحصين عمل المفوضية من أي طعون محتملة، بما يضمن نزاهة العملية الانتخابية واستقرار نتائجها، معتبرًا أن توفير بيئة قانونية متماسكة يمثل شرطًا أساسيًا لإنجاح الاستحقاق المرتقب.
في المقابل، أعلن عضو مجلس النواب عبد المنعم العرفي عن توجه لإجراء تعديل دستوري جديد، يتضمن إدماج مخرجات لجنة ستة زائد ستة، مع إلغاء بند تشكيل سلطة تنفيذية جديدة، واستبداله بتشكيل لجنة تتولى الإشراف على الانتخابات، موضحًا أن اللجنة المقترحة ستضم رئيس المجلس الأعلى للقضاء ومحافظ المصرف المركزي ونائبه، إلى جانب وكلاء الحكومتين.
واعتبر العرفي أن خطوة مجلس الدولة بتغيير مفوضية الانتخابات جاءت بشكل استباقي، بعد مصادقة مجلس النواب على استكمال عضوية المفوضية، متهمًا مجلس الدولة بعدم الرغبة في الوصول إلى سلطة تنفيذية موحدة أو قوانين انتخابية جامعة، ومضيفًا أن الخلافات المستمرة تعكس صراعًا سياسيًا متراكمًا يزيد من تعقيد المشهد ويؤخر الوصول إلى حل توافقي شامل.
وفي قراءة أوسع للمشهد، قال الباحث السياسي والمتحدث السابق باسم رئيس المجلس الرئاسي محمد السلاك إن الخلاف القائم حول المفوضية يكشف أزمة أعمق تتعلق بغياب شرعية سياسية مكتملة في ليبيا، معتبرًا أن البلاد تعيش في ظل أجسام تنفيذية وتشريعية واستشارية متآكلة الشرعية وتجاوزت مددها القانونية والدستورية، محذرًا من أن استبدالها دون مسار قانوني واضح قد يقود إلى فراغ سياسي وفوضى.
وأضاف السلاك أن الانتخابات، إذا لم تسبقها خطوات جادة لتوحيد المؤسسات وضبط السلاح المنفلت وإجراء مصالحة وطنية حقيقية وخلق مناخ سياسي جديد، فلن تكون سوى دورة جديدة في حلقة مفرغة، مقترحًا في حال تعذر إجرائها في المدى القريب إنشاء جمعية تأسيسية وطنية تعمل بشكل مؤقت على تعبيد الطريق نحو الحد الأدنى من الاستقرار.
واعتبر عضو مجلس الدولة منصور الحصادي أن الخطوات الأحادية المتبادلة بين مجلسي النواب والدولة تمثل إمعانًا في الانقسام والتشظي واستمرارًا لحالة الفوضى، داعيًا إلى خطوات توافقية وطنية صعبة وشجاعة، بعيدة عن المصالح الشخصية والحسابات الضيقة، للوصول إلى حلول واقعية تنهي حالة الجمود السياسي.
وفي السياق ذاته، حذر المحلل السياسي السنوسي إسماعيل من تداعيات التصعيد في ملف المفوضية، معتبرًا أن جلسة اختيار رئيس جديد عُقدت من دون مبررات قانونية واضحة، رغم وجود خريطة طريق أممية نصت على استكمال المقاعد الشاغرة داخل مجلس إدارة المفوضية، بما يضمن استمرارية عملها دون إدخالها في دائرة الصراع السياسي.
وفي ظل استمرار هذا الجدل، تبقى العملية الانتخابية في ليبيا رهينة الخلافات السياسية وتضارب المسارات، في وقت تؤكد فيه أطراف محلية ودولية أن أي تقدم حقيقي يظل مشروطًا بوقف التصعيد، وتغليب منطق التوافق، وحماية المؤسسات السيادية من التحول إلى أدوات في صراع النفوذ القائم.
استمرار الجدل حول المفوضية ومسار الانتخابات في ليبيا

تعليقات الزوار
لا تعليقات