أخبار عاجلة

منتدى إقليمي في نواكشوط يناقش طرق فتح مسارات قانونية للهجرة

تواصلت في نواكشوط تحت شعار «دور مصالح التشغيل العمومية في تسيير الهجرة الدائرية»، أشغال منتدى إقليمي يبحث سبل تنظيم الهجرة الدائرية بين أوروبا وإفريقيا هذا النوع من الهجرة، وتطوير الشراكات بين ضفتي الأطلسي، وفتح مسارات آمنة تتيح للشباب الإفريقي العمل في أوروبا دون أن تتحول الهجرة إلى مغادرة نهائية لأوطانهم.
وينظم هذا المنتدى الخاص بتحديد احتياجات المشغلين وانتقاء المترشحين، والتحضير لمغادرتهم ومواكبتهم وإعادة إدماجهم بعد العودة، بالتعاون بين المنظمة الدولية للهجرة والرابطة العالمية لمصالح التشغيل العمومية والوكالة الموريتانية للتشغيل.
وأكد محمد عبد الله ولد لولي وزير تمكين الشباب والتشغيل الموريتاني، لدى افتتاح اللقاء، أن الهجرة الدائرية يمكن أن تصبح رافعة للتنمية المشتركة، متى انتظمت ضمن مسارات قانونية وآمنة، رابطا فوائدها بتوفير فرص العمل واكتساب المهارات ونقل المعارف، فضلا عن توظيف المدخرات في مشاريع وأنشطة اقتصادية بعد العودة.
وفي السياق نفسه، قال ولد لولي إن الحكومة وضعت إطارا لترخيص مكاتب التشغيل الخاصة في الخارج والرقابة عليها، وأنشأت آلية فنية لدراسة طلبات اعتمادها ومتابعة نشاطها. وتكمن أهمية هذا التنظيم في شفافية الانتقاء ووضوح الأجور وشروط العمل، وإتاحة قنوات للتظلم وتسوية النزاعات، بما يحفظ الثقة في التوظيف الخارجي.
ومن هنا، أعلن الوزير أن بلاده تعمل على تطوير شراكات مع بلدان ومشغلين آخرين لتوسيع فرص التشغيل بالخارج.
وتندرج الخطوة الموريتانية ضمن توجه إسباني أوسع نحو غرب إفريقيا، إذ أعلنت مدريد، خلال جولة رئيس الحكومة بيدرو سانشيز في أغسطس/آب 2024، توقيع مذكرات بشأن الهجرة الدائرية مع موريتانيا والسنغال وغامبيا.
وقدمت الحكومة الإسبانية هذه البرامج باعتبارها وسيلة لتوفير العمالة المطلوبة، وحماية حقوق العاملين، وتيسير عودتهم بما يفيد مجتمعاتهم الأصلية.
ويكشف هذا الامتداد الإقليمي أن التوظيف الخارجي أصبح جزءا من العلاقات بين ضفتي الأطلسي، تتداخل فيه مصالح الإنتاج والتشغيل وإدارة الهجرة.
غير أن نجاح هذه الشراكات يتطلب اتساع الفرص القانونية ووضوح شروطها، حتى يلمس الشباب مسارا مهنيا يمكن التخطيط له، وتتمكن مؤسسات التشغيل من بناء الثقة مع المرشحين وأرباب العمل.
وفي الجانب الأوروبي، أكد سفير الاتحاد لدى موريتانيا، خواكين تاسو فيلالونغا، أن الهجرة النظامية والتنقل يمثلان أولوية مشتركة في إطار الإعلان الموقع سنة 2024. وأشار إلى دعم فرص العمل اللائق والإدماج المهني للشباب والمقيمين بصورة قانونية، وتحسين تنقل الطلاب والباحثين ورواد الأعمال، واستكشاف فرص الهجرة الدائرية حسب احتياجات الأسواق.
ويضع الإعلان المشترك، الموقع في السابع من مارس/آذار 2024، المسارات القانونية ضمن تعاون يشمل التكوين المهني، ودعم اللاجئين والمجتمعات المضيفة، ومكافحة تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، والإنقاذ البحري وإدارة الحدود. وبذلك يبرز منتدى نواكشوط الجانب المتعلق بالتشغيل في شراكة تتعدد أبعادها التنموية والأمنية والإنسانية.
وتحتل الحماية الاجتماعية موقعا أساسيا في اختبار جدوى هذه الصيغة؛ ففي يوليو/تموز 2025، أعلنت إسبانيا وموريتانيا توقيع إعلان نوايا للتعاون الفني والمؤسسي في الضمان الاجتماعي، بهدف تعزيز حماية العمال المتنقلين بين البلدين. وتظهر هذه الخطوة أن بناء الشراكة يتجاوز توفير العقد إلى تقوية المؤسسات المكلفة بحقوق العامل ومتابعة أوضاعه.
أما رئيس اتحاد أرباب العمل الموريتانيين، محمد زين العابدين ولد الشيخ أحمد، فشدد على إمكان تحقيق التوازن بين احتياجات بلدان المقصد وطموحات شباب بلدان المنشأ، واستفادة الاقتصادات الوطنية من المهارات الحديثة.
ومن منظور الجهات المؤطرة للمنتدى، فإن الهجرة الدائرية ليست رحلة في اتجاه واحد نحو أوروبا، بل صيغة تقوم على انتقال العامل إلى بلد آخر لفترة محددة، ثم عودته إلى وطنه حاملاً ما اكتسبه من دخل وخبرة ومهارات، مع إمكانية تكرار التجربة عبر عقود عمل جديدة.
وبين حاجة المزارع الأوروبية إلى الأيدي العاملة وحاجة الشباب الإفريقي إلى فرصة مهنية، تبحث الهجرة الدائرية عن معادلة تجعل السفر للعمل رحلة قابلة للعودة والتجدد، وتحول ما يكتسبه العامل في الخارج إلى مورد للتنمية في بلده.
وتقوم الهجرة الدائرية على انتقال العامل إلى بلد آخر لفترة محددة، ثم عودته إلى بلده الأصلي، مع إمكان تكرار التجربة وفق ترتيبات التوظيف المعتمدة. وتستمد جاذبيتها من التقاء مصلحتين: تلبية احتياجات قطاعات اقتصادية في بلدان الاستقبال، وإتاحة الدخل والتكوين والخبرة لشباب بلدان المنشأ، دون أن تقطع هجرتهم صلتهم الاقتصادية والاجتماعية بأوطانهم.
وتقدم التجربة الموريتانية الإسبانية الخلفية العملية الأبرز للنقاش، فقد أفضت مذكرة تفاهم أبرمت في أغسطس/آب 2024 إلى برنامج تجريبي لاختيار خمسين عاملا زراعيا موريتانيا.
ووفق وزارة الهجرة الإسبانية، فقد استهدف البرنامج تشغيل المزارعين المذكورين لدى شركات مرتبطة بتجمع «فريشويلفا»، في أنشطة زراعية متصلة بمحصول الفراولة في مقاطعة هويلفا، مع تدريب مسبق على حقوق العمال والتزاماتهم تتولاه المنظمة الدولية للهجرة.
واستشهد ممثل المنظمة في موريتانيا، إدريسا سومباري، بهذه التجربة بوصفها خطوة في تنظيم التنقل المهني، فيما استحضر المدير العام لوكالة التشغيل، عبد الفتاح عبد الفتاح، تجربة أحد العائدين من إسبانيا، داعيا إلى الاستفادة من الخبرات المكتسبة.
وتمنح هذه العودة لهذا النقاش بعده الأهم: كيف تتحول تجربة فردية محدودة إلى مسار مؤسسي قابل للتوسع؟
فخمسون عاملا يمثلون بداية لاختبار آليات الانتقاء والتكوين والتنسيق مع المشغلين، لكن الأثر الأوسع يتوقف على عدد الفرص اللاحقة، وتنوع القطاعات، وقدرة المؤسسات على متابعة العامل أثناء إقامته وبعد رجوعه.
ويبقى السؤال الذي يفتحه لقاء نواكشوط: ماذا يحدث بعد العودة؟ فالقيمة التنموية للهجرة الدائرية إنما تقاس بقدرة العائد على استثمار خبرته ومدخراته، وبوجود مؤسسات تساعده على ذلك؛ وعندها تستطيع الشراكة الإفريقية الأوروبية الانتقال من تنظيم مواسم العمل إلى بناء فرص تتجدد على الضفتين.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات