قبل نحو ثلاث سنوات من الانتخابات الرئاسية الموريتانية المقبلة، بدأ النقاش حول خلافة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني يتراجع أمام سؤال أكثر حساسية: هل يحتاج البلد إلى استمرار الرئيس لولاية ثالثة، أم أن الاستقرار الذي يستند إليه أنصار هذا الخيار يمر، في المقام الأول، عبر احترام القيود الدستورية على تجديد الولاية؟
لم يعد الجدل مقتصراً على أصوات هامشية تطالب ببقاء الغزواني في السلطة، بل اتخذ منحى أكثر وضوحاً مع دخول شخصيات من داخل المشهد الرسمي والسياسي على خط الدفاع عن استمراره.
وفي المقابل، تتصاعد تحذيرات من أن تحويل هذه الدعوات إلى مشروع سياسي قد يعيد فتح أحد أكثر الملفات إثارة للانقسام في موريتانيا: حدود السلطة الرئاسية ومعنى التداول الديمقراطي.
وجاءت تدوينة وزيرة التجارة والسياحة، زينب بنت أحمدناه، لتمنح السجال دفعة جديدة، بعدما وصفت الولاية الثالثة بأنها «ضرورة وطنية»، مستندة إلى اعتبارات الأمن والاقتصاد، وما تعتبره غياب بديل سياسي قادر على مواصلة إدارة المرحلة.
وبذلك، انتقل النقاش من التداول العام حول مستقبل الرئاسة إلى مرافعة صريحة تتبناها عضو في الحكومة، وإن لم يكن موقفها، في حد ذاته، دليلاً على وجود قرار رسمي بتعديل الدستور أو فتح الباب أمام ترشح جديد للرئيس.
وفي موازاة ذلك، يتداول حالياً حديث عن تحركات شعبية مرتقبة في عدد من مناطق البلاد للمطالبة بتعديل الدستور والسماح للغزواني بالاستمرار في الحكم. لكن في غياب معلومات موثوقة عن جهات منظمة أو مواعيد أو برنامج معلن، تبقى هذه الأنباء غير مؤكدة، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها تحركاً سياسياً منظماً بادئاً بالفعل.
الاستمرارية والاستقرار
في تدوينتها المعنونة «الولاية الثالثة… حين تصبح الاستمرارية ضرورة وطنية»، تقدم بنت أحمدناه دفاعاً عن استمرار الغزواني انطلاقاً من تصور يرى أن قيادة الدول في المراحل الدقيقة لا تحتمل، بحسب تقديرها، المجازفة بتغيير القيادة، خصوصاً عندما تواجه البلاد تحديات أمنية واقتصادية وتحتاج إلى المحافظة على توازناتها الداخلية وموقعها الإقليمي.
وتذهب الوزيرة إلى أن البدائل المطروحة، سواء في المعارضة أو داخل الموالاة، لم تقدم حتى الآن مشروعاً أكثر إقناعاً، أو رؤية اقتصادية أوضح، أو قيادة تحظى بالثقة الكافية لمواجهة تحديات المرحلة.
ومن هذا المنطلق، تحوّل مسألة الخلافة من منافسة بين أسماء سياسية إلى سؤال عن الجاهزية والقدرة على إدارة الدولة.
ولا تكتفي بنت أحمدناه بالدفاع عن استمرار الرئيس، بل تربط ذلك بضرورة تحسين معيشة المواطنين، وتطوير أداء الإدارة، وتعزيز العدالة والمساءلة، ومواصلة الإصلاح والتنمية. وهي بذلك تجعل الاستمرارية، في تصورها، وسيلة لتحقيق نتائج اقتصادية واجتماعية، لا غاية سياسية مستقلة.
غير أن المرافعة تصطدم بسؤال لا تجيب عنه الدعوة إلى الاستقرار وحدها: كيف يمكن إتاحة ولاية ثالثة في ظل القيود الدستورية القائمة؟ فالوزيرة تشدد على احترام المؤسسات وإرادة الشعب والمسار القانوني، لكنها لا تحدد آلية دستورية تتيح تجاوز القيود المحصنة على تجديد الولاية.
وتكتسب هذه الدعوة دلالتها السياسية من صدورها عن عضو في الحكومة، لكنها تظل موقفاً معلناً للوزيرة، ولا تكفي وحدها لإثبات تبني الحكومة أو الرئاسة خطة لتغيير قواعد الترشح.
وفي الاتجاه ذاته، يدافع الصحافي والكاتب باي شيخ السالك عن استمرار الغزواني، رابطاً إياه بالحفاظ على الاستقرار وتعزيز المكانة الدولية لموريتانيا، وبضرورة استكمال النهج الذي يقوده الرئيس حتى تظهر نتائجه بصورة أكثر رسوخاً.
ويستحضر الكاتب خصوصاً الفرص المرتبطة بالغاز وقطاعات الطاقة الناشئة، معتبراً أن تحويل هذه الموارد إلى مكاسب اقتصادية فعلية يحتاج إلى قيادة قوية وبيئة آمنة تسمح باستمرار المشاريع والاستثمارات. ومن هذه الزاوية، يقدم الولاية الثالثة باعتبارها خياراً استراتيجياً تمليه حسابات الأمن والتنمية.
ومع تأكيده أن الرئيس لن ينقض القسم الذي أداه، ينقل باي شيخ السالك مركز المبادرة إلى الشعب، مقترحاً الاستفتاء على دستور جديد أو تعديل دستوري يسمح بترشح الغزواني مجدداً. ويستند في ذلك إلى ما يصفه بوجود إجماع وطني حول الرئيس، وهو تقدير يعكس موقفه السياسي، لكنه لا يلغي وجود أصوات معارضة معلنة لهذا الخيار.
عقبة دستورية تتجاوز الدعوة إلى الاستفتاء
لكن المشكلة التي تواجه دعاة الولاية الثالثة لا تتعلق فقط بتوافر التأييد السياسي أو الشعبي، وإنما بطبيعة القيود التي تحكم تجديد الولاية الرئاسية في الدستور الموريتاني.
فالمادة 28 تنص على أن رئيس الجمهورية قابل لإعادة الانتخاب مرة واحدة، بينما يتضمن القسم المنصوص عليه في المادة 29 تعهداً بعدم اتخاذ أو دعم أي مبادرة، مباشرة أو بصورة غير مباشرة، تهدف إلى مراجعة الأحكام المتعلقة بمدة الولاية وشروط تجديدها؛ كما تضع المادة 99 قيوداً على مراجعة الأحكام المتعلقة بالتناوب الديمقراطي، ومدة الولاية الرئاسية وعدد مرات تجديدها.
وبذلك، لا يمثل الاستفتاء، بمجرد طرحه، حلاً تلقائياً للإشكال الدستوري، إذ تظل مشروعية أي مسار مقترح مرتبطة بحدود التعديل التي يسمح بها الدستور نفسه، وبمدى توافق المبادرة مع الأحكام المحصنة التي تنظم التداول على السلطة.
وتكشف هذه القيود عن جوهر المعضلة التي تواجه أنصار الاستمرارية: فالدفاع عن بقاء الرئيس يستند إلى اعتبارات سياسية وأمنية واقتصادية، بينما يتطلب تحويل هذا المطلب إلى خيار قابل للتنفيذ معالجة قانونية تتجاوز الدعوة العامة إلى الاحتكام للشعب.
رفض من داخل المشهد السياسي
ولا يقتصر الاعتراض على الولاية الثالثة على المعارضة التقليدية؛ إذ أعلن رئيس حزب جبهة المواطنة والعدالة «جمع»، محمد جميل ولد منصور، رفضه هذا الخيار، مؤكداً أنه لا يخدم البلد ولا النظام ولا الرئيس ولا الاستقرار.
ووصف ولد منصور الداعين إلى الولاية الثالثة بقصر النظر، مجدداً تمسكه بموقفه الرافض لها.
وتكتسب هذه المعارضة دلالة إضافية من موقع صاحبها في المشهد السياسي، إذ تظهر أن مسألة استمرار الغزواني لا تقسم الموالاة والمعارضة على نحو آلي، بل تفتح خلافاً حول حدود الدعم السياسي للرئيس وعلاقته بالالتزامات الدستورية.
ومن زاوية أخرى، يميز وزير الخارجية السابق والسياسي المخضرم محمد فال ولد بلال، في الموقف المنقول عنه، بين مناقشة موضوع المأموريات في إطار الحوار السياسي وبين الالتزام بالأحكام الدستورية المنظمة لها؛ فالنقاش بشأن أداء الرئيس وحصيلة حكمه، في هذا التصور، لا ينبغي أن يتحول إلى خلط بين تقييم التجربة السياسية وإعادة صياغة قواعد تجديد الولاية.
ويرى ولد بلال أن التغييرات الدستورية الكبرى، إذا كانت مطروحة، كان ينبغي إعلانها منذ بداية الولاية وخلال الحملة الانتخابية، حتى يختار الناخبون على أساس خيارات واضحة وتعهدات معلنة.
ويضع هذا الطرح مسألة التفويض الانتخابي وحق المواطنين في معرفة طبيعة الخيارات المعروضة عليهم في قلب السجال الدائر.
المعارضة تحذر من اختبار الوحدة والتناوب
أما من موقع المعارضة، فيحذر زعيم مؤسسة المعارضة الديمقراطية ورئيس حزب «تواصل»، حمادي ولد سيدي المختار، من أن الولاية الثالثة قد تهدد الوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي، وتمثل تراجعاً عن مكسب التداول على السلطة.
وقال ولد سيدي المختار، خلال افتتاح الموسم السياسي لحزبه، إن التصريحات الصادرة عن مسؤولين تأييداً لهذا الخيار تتعارض، في تقديره، مع الدستور، داعياً النظام إلى إدراك خطورة هذه المواقف، ومثيراً احتمال المساءلة القانونية لأصحابها.
ويظل هذا التوصيف موقفاً سياسياً وقانونياً لصاحبه، وليس حكماً قضائياً بثبوت مخالفة. لكنه يعكس انتقال النقاش من المفاضلة بين الاستمرارية والتغيير إلى التحذير من تداعيات أي محاولة لتجاوز القيود الدستورية، في بلد ظلت فيه مسألة تداول السلطة عنصراً أساسياً في الجدل حول طبيعة النظام السياسي.
وتعيد هذه المواقف إلى الواجهة أحد الملفات التي أسهمت في تعثر التحضير للحوار الوطني، قبل التوافق على حذف البند المتعلق بالمدد والمأموريات من الوثيقة المرجعية الموقعة في تموز / يوليو الماضي. وهو ما يعني أن الخلاف بشأن الولاية الثالثة لا ينفصل عن صعوبة بناء توافق سياسي حول قواعد اللعبة الدستورية وحدود الإصلاح الممكن.
استقرار الدولة أم استمرار الرئيس؟
في المحصلة، يتجاوز الجدل الدائر مصير الغزواني السياسي إلى تعريف الاستقرار الذي تتنازع الأطراف المختلفة على تمثيله؛ فأنصار الولاية الثالثة يرون في استمرار الرئيس ضمانة لمواصلة الإصلاحات، وحماية الأمن، واستثمار الفرص الاقتصادية التي تتيحها الموارد الغازية وقطاعات الطاقة الجديدة. أما الرافضون، فيعتبرون أن استقرار الدولة لا ينبغي أن يرتبط بشخص الرئيس، وأن احترام قواعد التداول يمثل في حد ذاته ضمانة لاستمرار المؤسسات وتجنب الأزمات السياسية.
وبين الرهان على الخبرة والاستمرارية والتحذير من المساس بالقيود الدستورية، يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت الدعوات الحالية ستظل مرافعات سياسية وإعلامية متفرقة، أم ستتحول إلى مبادرة منظمة تسعى إلى تغيير قواعد الترشح.
وحتى تتضح طبيعة هذه الدعوات ومساراتها، لا يبدو أن معركة الولاية الثالثة قد دخلت بعد مرحلة الحسم، لكنها أعادت مبكراً فتح ملف الخلافة الرئاسية، ووضعت الاستقرار والتداول الدستوري مجدداً في مواجهة سياسية ستتحدد ملامحها بقدر ما ستتضح مواقف مؤسسات الدولة والقوى الحزبية من حدود الاستمرار في الحكم.

تعليقات الزوار
لا تعليقات