تتصاعد الضغوط الدولية على الأطراف السياسية الليبية لدفع اتفاق «4+4» نحو التنفيذ، وسط تباين في مواقف القوى الكبرى بشأن آليات التسوية ومشاركة المؤسسات المختلفة، بالتزامن مع تجدد التوتر بين طرابلس وأثينا على خلفية عمليات التنقيب عن النفط والغاز جنوب جزيرة كريت، وتهديد ليبي بتعليق مفاوضات ترسيم الحدود البحرية.
وجاءت هذه التطورات عقب جلسة لمجلس الأمن الدولي، الأربعاء، قدمت خلالها المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، إحاطة بشأن مستجدات العملية السياسية، اعتبرت فيها أن اتفاق «4+4» يمثل فرصة لإنهاء الانسداد المؤسسي وإجراء انتخابات خلال عامين، بينما كشفت تقارير إعلامية يونانية عن اعتراضات دبلوماسية ليبية قد تهدد استمرار المفاوضات البحرية بين البلدين.
وصفت المبعوثة الأممية هانا تيتيه اتفاق «4+4»، الموقع في طرابلس في 30 آب/أغسطس الماضي، بأنه انفراجة في مسار التسوية السياسية، مؤكدة أنه يرسم طريقًا لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية خلال 24 شهرًا، في ظل سلطة تنفيذية موحدة.
وأوضحت تيتيه، خلال إحاطتها أمام مجلس الأمن في 14 تشرين الأول/ أكتوبر، أن الاتفاق حظي بدعم أطراف ليبية ودولية، بينها حكومة الوحدة الوطنية ومجلس النواب وقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، إلى جانب نائب رئيس المجلس الرئاسي، موسى الكوني.
لكن المبعوثة أشارت إلى استمرار العقبات أمام تنفيذ الاتفاق، خصوصًا بعد رفض المجلس الأعلى للدولة مخرجاته في الخامس من أكتوبر، استنادًا إلى اعتراضات دستورية وقانونية تتعلق بصلاحيات المؤسسات السياسية.
واعتبرت تيتيه أن موقف بعض أعضاء المجلس يعكس محدودية الاستعداد للانخراط في العملية السياسية، مقابل استعداد أعضاء آخرين لمواصلة المشاورات، مشددة على ضرورة عدم السماح للمعرقلين بتقويض مسار التسوية.
وأعلنت اعتزامها مواصلة الاجتماعات مع الأطراف المشاركة في الاتفاق خلال الشهر الجاري، لبحث إنشاء آلية وطنية واسعة التمثيل، وفق المادة الخامسة منه، محذرة من الخطاب التحريضي والإجراءات الأحادية التي قد تؤدي إلى تجدد العنف.
وكشفت مداخلات الدول الأعضاء في مجلس الأمن عن اختلاف في مقاربات التعامل مع الاتفاق، رغم توافقها المعلن على ضرورة إنهاء المرحلة الانتقالية وإجراء الانتخابات.
فقد رحبت الولايات المتحدة بالاتفاق ووصفته بالتاريخي، وانتقدت رفض المجلس الأعلى للدولة مخرجاته، داعية رئيس مجلس النواب الجديد الصالحين عبد النبي إلى المضي في تنفيذه.
ولوحت المندوبة الأمريكية بفرض عقوبات على الأطراف التي تعرقل العملية الانتخابية، مطالبة المجتمع الدولي برفض أي تحركات تحول دون الوصول إلى الانتخابات.
مجلس الأمن يختلف بشأن تنفيذ اتفاق «4+4»
كما أعربت عن قلق واشنطن إزاء الهجمات على منشآت الطاقة والاضطرابات الأمنية في غرب ليبيا، مشيرة إلى خسائر بلغت 95 مليون دولار نتيجة تعطيل خط أنابيب الشرارة والزاوية.
من جانبها، دعت فرنسا إلى التنفيذ الفوري للاتفاق، مشددة على ضرورة توحيد المؤسسات، خصوصًا المؤسسة العسكرية، باعتبار ذلك خطوة أساسية لتعزيز السيادة والاستقرار.
في المقابل، رحبت روسيا بالتقدم السياسي، لكنها حذرت من إقصاء أي مؤسسة ليبية أو فرض ترتيبات جديدة دون توافق، داعية إلى البناء على الاتفاقات السياسية القائمة.
واتخذت الصين موقفًا مشابهًا، مؤكدة ضرورة احترام الملكية الليبية للعملية السياسية، وتوسيع المشاركة لتجنب نشوء خلافات جديدة، ومحذرة من أن أي مواجهة مسلحة قد تقوض المكاسب المحققة.
تأتي هذه المواقف وسط استمرار الجدل بشأن التغييرات الأخيرة في رئاسة مجلس النواب، بعد انتخاب الصالحين عبد النبي خلفًا لعقيلة صالح، الذي تولى رئاسة المجلس لمدة اثني عشر عامًا.
ورغم ترحيب المبعوثة الأممية بالرئاسة الجديدة، فإن الخلافات بشأن شرعية الانتخابات البرلمانية والطعون القضائية المرتبطة بها لا تزال قائمة، بما يضيف تعقيدات إلى تنفيذ اتفاق «4+4».
وتتصل هذه التعقيدات أيضًا بالخلاف بين مجلسي النواب والدولة بشأن اعتماد القوانين الانتخابية وتشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وسط مخاوف من استمرار تنازع الشرعيات وتعطيل الاستحقاقات السياسية.
بالتوازي مع هذه التطورات، كشفت صحيفة «بروتو ثيما» اليونانية عن مذكرة دبلوماسية وجهتها ليبيا إلى أثينا في 24 آب / أغسطس الماضي، حذرت فيها من احتمال تعليق مفاوضات ترسيم الحدود البحرية، احتجاجًا على خطط التنقيب عن النفط والغاز جنوب جزيرة كريت.
وبحسب الصحيفة، اعتبرت طرابلس أن الأنشطة اليونانية تشمل مناطق بحرية لم يجر الاتفاق على ترسيم حدودها، وتشكل انتهاكًا لما تعتبره حقوقها في الجرف القاري.
واستندت المذكرة إلى خريطة أودعتها ليبيا لدى الأمم المتحدة في أيار/ مايو 2025، بينما تشمل الخطط اليونانية إجراء مسوحات زلزالية في مناطق تتداخل، وفق المطالبات الليبية، مع نطاقات بحرية يشملها التفاهم التركي الليبي الموقع عام 2019.
وفي المقابل، رفضت مصادر دبلوماسية يونانية الاعتراضات الليبية، معتبرة أنها تعكس مواقف سابقة، ومؤكدة اعتماد أثينا مبدأ خط الوسط في غياب اتفاق نهائي لترسيم الحدود.
يعيد الخلاف البحري ملف العلاقات الليبية اليونانية إلى الواجهة، خصوصًا مع ارتباطه بالتفاهم البحري بين طرابلس وأنقرة، الذي تعارضه أثينا منذ توقيعه.
كما ربطت الصحيفة اليونانية التطورات بتغيير رئاسة مجلس النواب، مشيرة إلى أن مغادرة عقيلة صالح قد تؤثر في قنوات التواصل بين أثينا وشرق ليبيا، بالنظر إلى معارضته السابقة للتفاهم التركي الليبي.
وتضع هذه التطورات ليبيا أمام مسارين متوازيين؛ أحدهما داخلي يتعلق بتجاوز الانقسام السياسي وتنفيذ الاتفاق الانتخابي، والآخر خارجي يرتبط بحماية مصالحها البحرية وإدارة الخلافات الإقليمية. ويعود الانسداد السياسي الراهن إلى استمرار الانقسام المؤسسي وتعثر الانتخابات المقررة في ديسمبر 2021، فيما يمثل اتفاق «4+4» أحدث محاولة أممية لمعالجة الخلافات القانونية والمؤسسية. وتبقى قدرة الأطراف الليبية على التوصل إلى توافق بشأن تنفيذه عاملًا أساسيًا في تحديد مسار المرحلة المقبلة.

تعليقات الزوار
لا تعليقات