أخبار عاجلة

تشكيك في تعهد السيسي بعدم المساس بالدستور

تباينت ردود الفعل في مصر على تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي، بشأن عدم المساس بالدستور، بين الترحيب باعتبارها خطوة إيجابية نحو احترام القواعد الدستورية، والمطالبة بترجمتها إلى إجراءات عملية تضمن حرية العمل السياسي والتداول السلمي للسلطة، وبين التشكيك في مدى الالتزام بها، في ضوء تجارب سابقة شهدت تعديلات دستورية أتاحت للرئيس البقاء في السلطة حتى عام 2030.

وكان السيسي أكد، خلال الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة، أن الدولة لديها دستور وافق عليه المصريون، مشددًا على أنه لن يسمح بالعبث به، وداعيًا إلى عدم التلاعب بعقول المواطنين، ومؤكدًا أن الدستور المصري لن يمسه أحد.

لا ينبغي تعديله

ورحبت الحركة المدنية الديمقراطية، التي تضم عددًا من أحزاب المعارضة، بتصريحات السيسي، ووصفتها بأنها خطوة إيجابية تعزز احترام النصوص الدستورية، وتؤكد أن الدستور هو الإطار الحاكم للحياة السياسية، ولا ينبغي تعديله وفقًا للظروف أو الأشخاص.

وقالت الحركة في بيان إنها تنظر إلى التصريح باعتباره رسالة طمأنة بشأن استقرار القواعد المنظمة للعلاقة بين السلطة والمجتمع، مؤكدة أن احترام الدستور وتفعيله والتداول السلمي للسلطة يمثل الرهان الحقيقي لإحداث انفراجة سياسية واجتماعية.

وأضافت أن التصريح يمكن أن يشكل مدخلًا لفتح المجال العام أمام الأحزاب والنقابات والإعلام ومنظمات المجتمع المدني، وبث الأمل في إمكانية تحقيق انتقال ديمقراطي ومسار تغيير سياسي واجتماعي قائم على المشاركة والمساءلة والشفافية، بما يتيح للمجتمع تحديد مصيره والدفاع عن مصالحه عبر آليات ديمقراطية سلمية.

وشددت على أن احترام الدستور والالتزام بالتداول السلمي للسلطة يتطلبان إجراءات ملموسة، من بينها تهيئة مناخ سياسي يسمح بالمنافسة العادلة، وضمان الحقوق والحريات العامة، والإفراج عن سجناء الرأي، وإفساح المجال أمام حوار وطني جاد وشامل.

وأعربت عن تطلعها إلى تحول تصريحات السيسي إلى التزام عملي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة يشعر فيها المصريون بأنهم شركاء حقيقيون في صياغة مستقبل بلادهم.

 كذلك رحب علاء الخيام، رئيس حزب الدستور الأسبق، بتصريحات السيسي بشأن عدم المساس بالدستور أو تعديل مواده، لكنه طالب بترجمتها إلى إجراءات واضحة تضمن حرية العمل السياسي وتتيح للأحزاب والقوى السياسية ممارسة أنشطتها بحرية.

وقال في منشور له على الفيسبوك، إن التجربة السياسية السابقة، ولا سيما التعديلات الدستورية التي أقرت عام 2019، تفرض التعامل بحذر مع التصريحات المتعلقة بعدم تعديل الدستور، مشيرًا إلى أن القوى السياسية تنتظر خطوات ملموسة تؤكد جدية هذا التوجه.

وأضاف أن فتح المجال العام، والإفراج عن المحبوسين على خلفية قضايا سياسية، وتمكين الأحزاب من التواصل مع المواطنين دون قيود، تمثل مطالب أساسية لتعزيز الحياة السياسية واستعادة الثقة بين القوى السياسية ومؤسسات الدولة.

وكشف الخيام أنه وعددًا من زملائه بدأوا التفكير في الاستعداد لانتخابات الرئاسة المقررة عام 2030، متسائلًا عن مدى قدرتهم على التحرك بحرية، وتنظيم الندوات والمؤتمرات، وتعليق اللافتات، وطرح البرامج السياسية، والتواصل مع المواطنين في ظل تكافؤ الفرص بين المرشحين.

وأكد أن هذه المطالب ليست استثناءات، بل تمثل الحد الأدنى من الضمانات اللازمة لوجود حياة سياسية حقيقية وانتخابات تنافسية تعبر عن إرادة المواطنين.

وشدد على أن الاكتفاء بالتصريحات دون اتخاذ إجراءات عملية لن يبدد مخاوف القوى السياسية أو يسهم في بناء الثقة، معتبرًا أن التجارب السابقة تجعل الأفعال المعيار الأساسي للحكم على جدية التعهدات المعلنة.

وتساءل: هل سنكون قادرين على ممارسة السياسة بحرية في ظل هذا الالتزام؟”.

واعتبر المخرج خالد يوسف أن تصريحات السيسي تمثل نقطة مهمة في الجدل بشأن مستقبل الدستور، وقال في منشور عبر صفحته على “فيسبوك”، إنه “التصريح الأهم للرئيس السيسي”، مضيفًا أنه ينهي الجدل المثار منذ سنوات.

وأعرب يوسف عن أمله في أن تفتح هذه التصريحات الطريق أمام حياة سياسية طبيعية، يجري فيها تداول السلطة، ويُغلق ملف المحبوسين على خلفية قضايا الرأي، ويتاح المجال العام أمام الأحزاب ووسائل الإعلام بحرية.

وأيضا اعتبر عبد المنعم إمام، رئيس حزب العدل، أن تأكيد السيسي عدم المساس بالدستور يفتح الباب أمام انتقال سلمي للسلطة مع انتهاء الولاية الرئاسية الحالية، وفقًا لأحكام الدستور، ويرسخ مبدأ تداول السلطة في النظام الجمهوري.

وقال في تصريح على الفيسبوك، إن الموقف يحمل دلالة سياسية ودستورية مهمة، معربًا عن اعتقاده بأن التاريخ سيسجل للسيسي ترسيخ هذا المبدأ.

وأضاف أن التصريح يضع القوى السياسية المصرية، بمختلف أطيافها، أمام لحظة تتطلب العمل بمسؤولية والاستعداد من الآن لاستحقاق انتقال السلطة المقبل.

وأكد أن الاستقرار الحقيقي يتحقق من خلال مؤسسات راسخة ودستور يحترم وسلطة يجري تداولها، ودولة تستمر وتتقدم بصرف النظر عن تغير الأشخاص، معربًا عن أمله في جني ثمار هذا المسار رغم الصعوبات والتحديات.

من جانبه، أشاد حزب الوعي بتصريحات السيسي، معتبرًا أنها تؤكد أهمية احترام القواعد الدستورية وسيادة القانون للحفاظ على استقرار الدولة. وشدد على أن الاستقرار يرتبط بفاعلية المؤسسات وتوسيع المشاركة السياسية وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطنين.

وفي السياق ذاته، قال المحامي طارق العوضي، عضو لجنة العفو الرئاسي، إن تصريحات السيسي تحمل أهمية سياسية ودستورية كبيرة، وتتيح تأكيد الالتزام بالقواعد المنظمة لمدة الرئاسة وتداول السلطة.

وأضاف، في بيان، أن التصريحات تبعث برسالة طمأنة بشأن احترام الدستور وعدم تغييره لفتح الباب أمام تمديد فترات الرئاسة، مؤكدًا أن احترام الدستور يجب أن يتقدم على الحسابات الشخصية والسياسية، وأن استقرار الدولة يرتبط بقوة مؤسساتها واحترام القواعد المنظمة لانتقال السلطة.

الدولة القوية

ولفت إلى أن الدولة القوية لا تستمد قدرتها على الاستمرار من بقاء الأشخاص في مواقعهم، وإنما من قوة مؤسساتها واحترام دستورها، لافتًا إلى أن التداول السلمي للسلطة وفقًا للقواعد الدستورية يمثل مصدرًا للاستقرار والثقة، وليس مدخلًا للاضطراب.

وشدد العوضي على أن مسؤولية تهيئة المناخ المناسب لانتقال سلمي ومنظم للسلطة لا تقع على رئيس الجمهورية وحده، بل تشمل الحكومة والبرلمان والأحزاب والقوى السياسية والنخب الوطنية ووسائل الإعلام والمجتمع المدني.

في المقابل، أعاد ناشطون وسياسيون التذكير بتصريحات سابقة للسيسي تعهد فيها باحترام الدستور وعدم تعديله، معتبرين أن التجربة الماضية تثير تساؤلات بشأن مدى الالتزام بالتصريحات الحالية.

وأعاد الناشط السياسي أحمد عابدين نشر تصريحات أدلى بها السيسي لشبكة “سي أن بي سي” الأمريكية عام 2017، قال فيها إن مصر لديها دستور جديد، وإنه لا يؤيد إجراء تعديلات عليه، مؤكدًا احترامه النص الذي يسمح للرؤساء بتولي المنصب لفترتين متتاليتين فقط، مدة كل منهما أربع سنوات، وأن أي رئيس لن يستطيع البقاء في السلطة لأكثر من ثماني سنوات، وفقًا للدستور والقانون.

لكن مصر شهدت تعديلات دستورية عام 2019 تضمنت تغييرات رئيسية في مدد الرئاسة، إذ زادت مدة الولاية من أربع سنوات إلى ست، كما أتاحت للسيسي الترشح لولاية إضافية، بما سمح له بالبقاء في السلطة حتى عام 2030.

وأعادت هذه التجربة طرح تساؤلات بشأن الضمانات التي تحول دون تكرار تعديل القواعد الدستورية المنظمة لمدة الرئاسة، ومدى قدرة القوى السياسية على الاستعداد لانتخابات تنافسية في ظل مناخ يسمح بحرية العمل السياسي وتكافؤ الفرص.

وفي تعليق على تصريحات السيسي الأخيرة، أشار النائب السابق طلعت خليل إلى ما حدث عام 2019، قائلًا إن 155 نائبًا تقدموا آنذاك بطلب تعديل الدستور، مضيفًا: “ربنا يستر من النواب ولا يتقدموا بنفس الطلب في السنوات المقبلة”.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات