تواصل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا الدفع بمسار «الحوار المهيكل» بوصفه إحدى أدواتها لدعم العملية السياسية، في وقت يواجه فيه هذا المسار موجة متزايدة من التشكيك والانتقاد من أطراف سياسية وأكاديمية ليبية ترى أنه لا يلامس جوهر الأزمة القائمة، والمتمثلة في الانقسام الحكومي وغياب قاعدة دستورية واضحة تقود إلى الانتخابات وإنهاء المرحلة الانتقالية.
وأعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، أن الحوار المهيكل يضم 120 مشاركًا ليبيًا، من بينهم خبراء وقادة مجتمعيون وممثلون عن مختلف المناطق والفئات الاجتماعية، مؤكدة أن النساء يشكلن نحو 35 في المئة من المشاركين، إلى جانب إشراك الشباب والمكونات الثقافية وذوي الإعاقة، في إطار ما وصفته بضمان شمولية التمثيل. وأوضحت البعثة أن اختيار المشاركين جرى بناءً على معايير تتعلق بالخبرة والنزاهة والالتزام بتغليب المصلحة الوطنية على المكاسب الشخصية أو السياسية، مشيرة إلى أن جميع المشاركين وقعوا على مدونة سلوك تضمن المهنية والشفافية واحترام الآخرين. وأكدت البعثة أن جميع التفاصيل المتعلقة بالحوار ومساراته ووثائقه متاحة عبر موقعها الرسمي، مع توفير إجابات على الأسئلة الأكثر شيوعًا، في محاولة لتبديد المخاوف المحيطة بالمسار وتعزيز الثقة في آلياته. ووفق البعثة، يهدف الحوار المهيكل إلى جمع مختلف الأطراف الليبية لتقديم توصيات مشتركة حول القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بما يسهم في دعم المصالحة الوطنية وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات شاملة وشفافة، إضافة إلى توحيد المؤسسات ومعالجة الأسباب الجذرية للنزاع والانقسام.
وفي هذا السياق، أعلنت البعثة استئناف مسار الحوكمة ضمن جلسات الحوار المهيكل من خلال اجتماع حضوري في العاصمة طرابلس يستمر حتى نهاية الأسبوع، بعد سلسلة من اللقاءات الافتراضية التي عقدها فريق مسار الحوكمة خلال الأسابيع الماضية. ويأتي ذلك امتدادًا لأول جلسات الحوار التي انطلقت في منتصف ديسمبر الماضي، ضمن الإطار المرجعي الذي أطلقته البعثة في أغسطس، باعتباره أحد المكونات الأساسية لخريطة الطريق السياسية التي تهدف إلى دعم المسار السياسي الشامل.
في المقابل، عبّر عضو مجلس الدولة منصور الحصادي عن موقف متحفظ من الحوار، معتبرًا أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في فكرة الحوار المهيكل بحد ذاتها، بل في غياب الرؤية الواضحة والأولويات لدى البعثة الأممية. وأشار إلى وجود استغراب وشكوك بشأن تجاهل ما وصفه بأهم ملف في المشهد الليبي، وهو ملف الانقسام الحكومي، مؤكدًا أن ليبيا بحاجة عاجلة إلى حكومة جديدة موحدة تتمتع بالكفاءة، ومهام واضحة، ومدة زمنية محددة. وشدد الحصادي على أن تشكيل حكومة موحدة لا يتعارض مع الحوار المهيكل، بل يمكن أن يكون عامل دعم لمخرجاته، محذرًا من أن استمرار الانقسام الحكومي يعني استمرار الاستقطاب السياسي ومعاناة المواطنين، فضلًا عن الفوضى والفساد وإهدار المال العام.
من جانبه، اعتبر عضو مجلس الدولة سعد بن شرادة، أن ما يُعرف بالحوار المهيكل لا يختلف في مضمونه عن عمل اللجنة الاستشارية السابقة، التي خرجت بخارطة طريق لم تحقق نتائج ملموسة حتى اليوم. ورأى أن الحل الحقيقي للأزمة الليبية يكمن في التوجه إلى الانتخابات العامة استنادًا إلى القوانين التي أقرتها لجنة (6+6)، معتبرًا أنها تمثل الإطار الأنسب للخروج من حالة الانسداد السياسي. وأكد أن هذه القوانين تميزت بإتاحة المشاركة أمام جميع الأطراف دون إقصاء، ما يجعلها قاعدة توافقية يمكن البناء عليها لإنهاء المرحلة الانتقالية.
وقدّم أستاذ العلاقات الدولية الدكتور مسعود السلامي قراءة نقدية حادة لمسار الحوار المهيكل، معتبرًا أن إعلان انطلاقه لا يتجاوز كونه إطارًا عامًا يفتقر إلى الجدية والجدوى، ويمثل إضاعة للوقت في ظل غياب نتائج ملموسة. وأشار إلى أن الأجسام السياسية القائمة، وعلى رأسها مجلسا النواب والدولة، لا تدعم هذا المسار وتنظر إليه بعين الشك، خشية أن يقود في مرحلة لاحقة إلى تجاوز دور هذه الأجسام، أو إلى منح البعثة الأممية مساحة لاتخاذ قرارات قد تصل إلى تحديد موعد الانتخابات، بما يعني إسقاط شرعيتها. وأضاف السلامي أن أعضاء هذه الأجسام لا يبدون رغبة حقيقية في إجراء الانتخابات، ويفضلون الاستمرار في مناصبهم، وهو ما يفسر، بحسب تعبيره، تكرار الأزمات والخلافات السياسية رغم ضعف البعثة الأممية وهشاشة موقفها. واعتبر أن المخاوف تتمثل في احتمال أن يتحول الحوار المهيكل إلى بديل عن فشل الأجسام السياسية، أو أن يُطرح لاحقًا كخيار إضافي ضمن توصيات أممية جديدة، وإن رأى أن هذا السيناريو غير وارد في المرحلة الراهنة.
وانتقد السلامي تركيز الحوار المهيكل على محاور مثل الحوكمة والاقتصاد، معتبرًا أنها لا تمثل أولوية مقارنة بجوهر الأزمة الليبية، المتمثل في غياب قاعدة دستورية وقانونية واضحة تجرى على أساسها الانتخابات. كما شكك في جدوى مخرجات الحوار لكونها ذات طابع استشاري وغير ملزم، فضلًا عن استغراق هذه المسارات وقتًا طويلًا قد يمتد لأكثر من عام، ما يفتح المجال أمام تغيرات سياسية قد تفرغها من مضمونها.
وفيما يتعلق بالخلاف القائم حول المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، أشار السلامي إلى أن إعلان البعثة الأممية دعمها لمجلس إدارة المفوضية الحالي برئاسة عماد السايح وضع حدًا للجدل بشأن هذه النقطة، لكنه لفت إلى أن مستقبل الخلاف لا يزال مفتوحًا على عدة سيناريوهات في ظل استمرار الضبابية السياسية. وخلص إلى أن المشهد السياسي الليبي لا يزال يتسم بالهشاشة، معتبرًا أن استمرار المسارات الأممية دون معالجة جوهر الأزمة قد يؤدي إلى إطالة أمد الانسداد بدل كسره، ويعيد طرح السؤال حول قدرة الحوار المهيكل على إحداث اختراق حقيقي في الأزمة الليبية.
الحوار المهيكل الأممي في ليبيا بين تأكيدات الشمولية وتشكيك سياسي متصاعد

تعليقات الزوار
لا تعليقات