أخبار عاجلة

موريتانيا تغري المستثمرين بثرواتها لكن الفساد وضعف القضاء يهددان فرصها الاقتصادية

لا تبدو ندرة الموارد هي العقبة الرئيسية أمام الاستثمار في موريتانيا، فهي بلد يختزن عشرات التريليونات من الأقدام المكعبة من الغاز الطبيعي، ويتمتع بثروات معدنية وسمكية كبيرة، بل تتمثل العقبة الرئيسية في قدرة المؤسسات على توفير بيئة قانونية ومالية شفافة، وتحويل الثروات إلى نمو قار واقتصاد متنوع.
تلك خلاصة توصل لها تقرير وزارة الخارجية الأمريكية لعام 2026 بشأن مناخ الاستثمار في موريتانيا، وقد جمع بين الإشادة بالإصلاحات التشريعية والاستقرار الاقتصادي والأمني، والتحذير من الفساد وضعف القضاء ومحدودية التمويل وتعقيدات الملكية العقارية.
ويأتي التقييم وسط تنامي الاهتمام الأمريكي بفرص الاستثمار في موريتانيا وبخاصة في قطاعات الطاقة والمعادن والتكنولوجيا والزراعة.
حسب التقرير، تباطأ نمو الاقتصاد الموريتاني إلى 4.2 في المئة عام 2025، مقابل 6.3 في المئة عام 2024، مع توقع ارتفاعه إلى 4.8 في المئة عام 2026، مدفوعا أساسا بالقطاع الاستخراجي. وفي المقابل، يُتوقع تراجع النمو خارج الصناعات الاستخراجية من 5.1 إلى 4.4 في المئة، في ظل تأثر الاقتصاد بالصدمات الخارجية وتقلبات أسعار النفط والغذاء، اللذين يمثلان نحو نصف واردات البلاد.
وأشاد التقرير الأمريكي بالاستقرار النسبي للمؤشرات المالية في موريتانيا، مشيرا إلى أن عجز الميزانية بلغ نحو 0.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2025، فيما استقر الدين العمومي عند قرابة 42 في المئة، مع احتياطيات أجنبية وصفها بالكافية، وعزا التقرير ذلك إلى السياسات الاقتصادية الحذرة التي اتبعت خلال السنوات الثلاث الماضية.

الغاز والصناعات الجديدة

وأبرز التقرير الأهمية الاقتصادية لمشروع «السلحفاة الكبرى آحميم» المشترك مع السنغال، بعد بدء إنتاج الغاز في ديسمبر/كانون الأول 2024 وتصدير أولى شحنات الغاز الطبيعي المسال في أبريل/نيسان 2025، وسلط الضوء على حقل «بير الله» غير المطور، الذي تقدر احتياطاته بنحو 60 إلى 80 تريليون قدم مكعبة، بما يعزز إمكانات موريتانيا في إنتاج الطاقة وتصديرها.
وأشار التقرير إلى اعتماد إطار تنظيمي للهيدروجين الأخضر، وإصلاح قطاع الكهرباء بما يسمح بدخول المنتجين المستقلين، فضلا عن مرسوم حكومي صدر في 20 فبراير/شباط 2026 لإنشاء منطقة صناعية على مساحة 800 هكتار في العرية، جنوبي نواكشوط، مخصصة للصناعات التحويلية والخدمات اللوجستية والنقل والتكنولوجيا.

وسجل التقرير تقدما تشريعيا، خصوصا مع مراجعة مدونة الاستثمار في يناير/كانون الثاني 2025، التي عززت المساواة بين المستثمرين المحليين والأجانب، وضمنت حرية تحويل الأرباح ورؤوس الأموال وإمكانية اللجوء إلى التحكيم الدولي، كما وسعت الحوافز للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بالتوازي مع قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص لعام 2024.
وفي المجال الإداري، أشار التقرير التحليلي الأمريكي إلى وضع وكالة ترقية الاستثمارات تحت الوصاية المباشرة للوزارة الأولى، وتوسيع الخدمات الرقمية عبر منصة «خدماتي»، ورقمنة الصفقات العمومية والخدمات القضائية والعقارية، وإطلاق منصات لتلقي الشكاوى والتبليغ عن الفساد.

القضاء والفساد يضعفان الثقة

رغم الإصلاحات، فقد انتقد التقرير بطء الإجراءات القضائية وعدم انتظام تنفيذ بعض الأحكام، مشيرا إلى ضغوط قبلية محتملة على بعض القضاة وقابليتهم الظاهرة للتأثر بالرشوة، وهي انتقادات مفتها الحكومة الموريتانية عدة مرات.
واعتبر أن تسوية النزاعات الاستثمارية لا تزال طويلة ومعقدة، مع استمرار مخاوف بشأن حياد القضاء في القضايا التي تكون المؤسسات العمومية طرفا فيها، دون تسجيل حوادث حديثة بهذا الخصوص.
وفي مكافحة الفساد، أشاد التقرير بثلاثة قوانين أقرت عام 2025 تتعلق بالتصريح بالممتلكات والمصالح، وتجريم ممارسات الفساد، وإنشاء السلطة الوطنية لمكافحة الفساد، التي تأسست في أبريل/نيسان 2026؛ لكنه أوضح أن تطبيق التشريعات لا يزال غير منتظم، وأن ضعف الرقابة والاختلاس والإثراء غير المشروع ما زالت تحديات قائمة.
وتوقف النص عند تقرير محكمة الحسابات الصادر عام 2025 بشأن تسيير المال العام خلال 2022 و2023، وما كشفه من اختلالات في الإنفاق والرقابة بعدة قطاعات حكومية.
وأشار إلى تنفيذ إجراءات تصحيحية شملت إحالة مسؤولين إلى القضاء وإقالة عشرين مسؤولا ساميا، بينهم أمناء عامون ومديرون مركزيون.
كما استعرض التقرير المسار القضائي للرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، مشيرا إلى تثبيت المحكمة العليا، في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، الحكم الصادر بحقه بالسجن 15 عاما، بعد إدانته في قضايا فساد وإثراء غير مشروع وغسل أموال.

قطاع مصرفي مغلق وغياب سوق مالية

وكشف التقرير الأمريكي عن وجود 18 مصرفا محليا في موريتانيا، بينها سبعة مصارف إسلامية، إلى جانب خمسة فروع لمصارف أجنبية.
وأشار التقرير إلى هيمنة بنوك مملوكة لعائلات، تقدم خدمات لمجموعات تجارية مرتبطة بها، بما يثير تساؤلات بشأن الشفافية والرقابة المصرفية.
كما لفت إلى أن ارتفاع الفوائد والتعقيدات الإدارية يدفعان بعض المستثمرين الأجانب إلى البحث عن التمويل خارج البلاد.
وحتى منتصف 2026، لم تكن موريتانيا، وفقا للتقرير، تتوفر على سوق تشغيلية للأسهم والسندات رغم إقرار قانون لإنشاء سوق مالية وطنية في ديسمبر/كانون الأول 2024، يشمل إنشاء بورصة نواكشوط وهيئة لتنظيم الأسواق المالية ومؤسسات للإيداع والتسوية والضمان.
وفي ما يتعلق بإدارة الثروات، بلغت أصول الصندوق الوطني لعائدات المحروقات، طبقا للتقرير، نحو 220 مليون دولار عام 2024، مقابل 100 مليون دولار عام 2022، وفقا لبيانات البنك المركزي، وتوقع التقرير أن تتجاوز عائدات الغاز السنوية 1.5 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، دون أن تكون هذه الإيرادات قد تحققت بالفعل.
وأوضح التقرير أن الصندوق يستثمر أمواله في ودائع لأجل لدى مؤسسات مالية ذات تصنيف ائتماني مرتفع، لكنه لا يعلن التزامه بمبادئ سانتياغو الدولية الخاصة بشفافية الصناديق السيادية ومساءلتها.على صعيد العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة، بلغت الصادرات الموريتانية إلى السوق الأمريكية 2.9 مليون دولار عام 2024، معظمها منتجات سمكية، مقابل واردات بقيمة 139.8 مليون دولار، ما أسفر عن عجز تجاري قدره 136.9 مليون دولار. وحسب التقرير، لا توجد اتفاقيات ثنائية للاستثمار أو الضرائب بين البلدين، رغم استعادة موريتانيا أهليتها للاستفادة من مزايا قانون النمو والفرص في إفريقيا «أغوا» مطلع 2024.
وفي الجانب السياسي والأمني، وصف التقرير موريتانيا بأنها تتمتع باستقرار نسبي في منطقة الساحل، مشيرا إلى أنها لم تتعرض لهجوم إرهابي منذ عام 2011، وإلى إعادة انتخاب الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في يونيو/حزيران 2024 لمأمورية ثانية وأخيرة دستوريا.
لكنه انتقد وضع الحريات السياسية والشخصية، معتبرا أن قانون حماية الرموز الوطنية يُستخدم بصورة متكررة لسجن أو إسكات منتقدي الحكومة؛ كما أشار إلى صعوبات تواجه أحزاب المعارضة في الحصول على الاعتراف القانوني، وإلى مخاوف من تأثير قانون الأحزاب السياسية لعام 2025 على التعددية الحزبية.
وحذر كذلك من تداعيات تدهور الأمن في الساحل وتزايد تدفق اللاجئين الماليين، بالتزامن مع تراجع التمويلات الدولية المخصصة للاستجابة الإنسانية.
البطالة ونقص الكفاءات
ووصف التقرير سوق العمل بأنها خاضعة لهيمنة القطاع غير المصنف، خصوصا في الزراعة والصيد والتنقيب الأهلي عن الذهب وتربية المواشي، مقدرا البطالة الوطنية بنحو 10.3 في المئة عام 2025، مع استمرار ارتفاعها بين الشباب ونقص الكفاءات التقنية والإدارية.
وأشار إلى أن مدونة الاستثمار تمنح حوافز للمؤسسات التي توظف العمالة الوطنية وتستثمر في التدريب ونقل الخبرات، لكنه سجل تفاوتا في تطبيق تشريعات العمل وضعفا في الإمكانات المالية والمؤسسية لمفتشية الشغل.
وتخلص المعطيات الأمريكية إلى أن موريتانيا تمتلك فرصا واسعة للاستفادة من الغاز والمعادن والطاقة المتجددة وموقعها الجغرافي، لكن تحويل هذه الإمكانات إلى استثمارات ثابتة يظل رهينا بفعالية القضاء، وشفافية إدارة المال العام، وانفتاح النظام المالي، وتطوير الكفاءات الوطنية.
وبينما تراهن نواكشوط على مشاريع الغاز والتصنيع والرقمنة لتسريع النمو، يبقى التحدي الأساسي هو تحويل الإصلاحات المعلنة إلى نتائج ملموسة، وضمان انعكاس الاستثمارات على فرص العمل ومستوى معيشة السكان، بدلا من استمرار ارتباط الاقتصاد بتقلبات الأسواق الخارجية والقطاع الاستخراجي.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات