أخبار عاجلة

العدالة الألمانية تحت المجهر بعد استئناف محاكمة نشطاء مؤيدين لفلسطين

بعد أكثر من 11 شهرا في الحبس الاحتياطي، تستأنف الجمعة محاكمة خمسة ناشطين مؤيدين لفلسطين، في قضية تجاوز الجدل بشأنها حدود المحكمة ووصل إلى المستشار الألماني فريدريش ميرتس.
وهي محاكمة يقول المتحدث الإعلامي باسم الجالية الفلسطينية في ألمانيا جورج رشماوي لـ«القدس العربي» إنها «لا تستهدف المتهمين الخمسة وحدهم، بل تحمل رسالة تخويف إلى حركات التضامن، بهدف دفعها إلى التراجع عن مساندة الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية».

فعند التاسعة من صباح الجمعة المقبل، تعود قضية «خماسي مدينة أولم» إلى قاعة المحاكمة شديدة الحراسة في شتوتغارت – شتامهايم.
لكن ما سيستأنف ليس ملف أضرار مادية محليا عاديا، فالمتهمون الخمسة يكونون قد أمضوا أكثر من 11 شهرا في الحبس الاحتياطي، فيما توجه إليهم النيابة الألمانية، إلى جانب اتهامات التخريب وانتهاك حرمة المكان، تهمة العضوية في ما تصفه أنه «تنظيم إجرامي». وفي موازاة ذلك، عبر الجدل بشأن الإجراءات حدود ألمانيا ووصل إلى مؤتمر صحافي للمستشار فريدريش ميرتس في دبلن.
وتكتسب الجلسة الجديدة أهميتها من حجم التحول الذي طرأ على القضية منذ بدء المحاكمة في 27 نيسان / أبريل.
فقد أظهر الجدول الرسمي لمحكمة شتوتغارت الإقليمية، والمحدث في السابع من آب / أغسطس، أن دائرة أمن الدولة الثامنة عشرة أضافت 28 موعدا جديدا، تبدأ في 14 آب / أغسطس وتمتد حتى 8 كانون الثاني / يناير 2027. ولا تعني هذه المواعيد أن الحكم سيصدر حتما في الموعد الأخير، لكنها تؤكد أن القضية دخلت مرحلة أطول بكثير مما كان متوقعا عند افتتاحها.

من هم «خماسي مدينة أولم»؟

يعرف الناشطون الخمسة إعلاميا بأسماء كرو ودانيال ولياندرا وفي وزو. ووفق «شبكة ZDF الألمانية»، تتراوح أعمارهم بين 25 و40 عاما، ويحملون جنسيات بريطانية وإيرلندية وإسبانية وألمانية، ويقيمون جميعا في برلين.
وينتمي الخمسة إلى خلفيات طلابية وفنية ونشاطية مختلفة، لكنهم يجتمعون حول الدفاع عن الحقوق الفلسطينية. ويقولون إنهم أمضوا سنوات في العمل بوسائل قانونية من أجل فلسطين، وإن تحركهم في مدينة أولم جاء بهدف تعطيل وصول المعدات العسكرية إلى إسرائيل، ولو بصورة مؤقتة، وتسليط الضوء على ما يتعرض له المدنيون في قطاع غزة.
واكتسبت قضيتهم أهمية متزايدة لأنها تجمع ناشطين من أربع جنسيات أوروبية في محاكمة واحدة أمام دائرة أمن الدولة، بعد أشهر طويلة من الحبس الاحتياطي. كما أثارت قضيتهم اهتمام منظمات حقوقية ونشطاء وبرلمانيين من خارج ألمانيا، وساهم وجود الناشط الإيرلندي دانيال تاتلو ديفالي بينهم في نقل القضية إلى المستوى السياسي، بعدما حضر وفد برلماني إيرلندي إحدى جلسات المحاكمة، وطرح ملفه لاحقا أمام المستشار فريدريش ميرتس.

ليلة أولم… تحرك سياسي انتهى بالاعتقال

تعود القضية إلى الساعات الأولى من 8 أيلول / سبتمبر 2025. ووفق رواية النيابة التي نقلتها «هيئة الإذاعة والتلفزيون الألمانية – SWR»، دخل الناشطون الخمسة، برفقة ستة مشاركين آخرين لم تعرف هوياتهم، إلى مقر شركة «إلبيت سيستمز ألمانيا» في حي بوفينغن بمدينة أولم.
وتقول النيابة إن المشاركين استخدموا أدوات لتحطيم شاشات وحواسيب وهواتف وتجهيزات داخل المبنى، إضافة إلى أجهزة إلكترونية وأدوات قياس في مختبر تقني، كما تضررت واجهات زجاجية ومدخل المبنى. وذكرت «SWR» أن قيمة الأضرار التي تنسبها النيابة إلى التحرك قدرت بنحو 1.04 مليون يورو.
وحسب ملف الاتهام، قدم الخمسة من برلين قبل التحرك بيومين، واستأجروا منزلا للعطلات قرب أولم، وأعدوا مقاطع مصورة لشرح دوافعهم وإعلان مسؤوليتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وعندما وصلت الشرطة، أوقفتهم داخل المبنى من دون مقاومة، ولم يصب أي شخص خلال العملية، وفق ما أكدته «SWR».

وتشكل هذه النقاط جوهر الخلاف في القضية. فالناشطون يقدمون ما فعلوه بوصفه تحركا سياسيا مباشرا استهدف ممتلكات شركة للصناعات العسكرية، ولم يستهدف أشخاصا، وكان هدفه المعلن تعطيل إمدادات عسكرية إلى إسرائيل احتجاجا على الحرب في غزة. في المقابل، تنظر النيابة إلى ما حدث بوصفه عملية جرى الإعداد لها مسبقا، وتطالب بمحاسبتهم على الأضرار المنسوبة إليهم. وبين الروايتين، يعود إلى المحكمة تحديد المسؤولية القانونية، من دون تجاهل الدافع السياسي والإنساني الذي يؤكد الناشطون أنه كان وراء تحركهم.
وفي هذه الأثناء، لم يعد السؤال المطروح مقتصرا على ما حدث داخل مقر شركة السلاح، بل امتد إلى مدى تناسب الأدوات القانونية والإجراءات الأمنية التي استخدمتها السلطات الألمانية، وإلى ما إذا كان تطبيق المادة 129 من قانون العقوبات في هذه القضية يستند إلى أدلة كافية، أم يوسع نطاقها على نحو قد يحولها إلى أداة ردع لحركة التضامن مع فلسطين. وهذه هي النقطة التي منحت المحاكمة ثقلا سياسيا يفوق بكثير هوية المتهمين قبل اعتقالهم.

ميرتس يدافع عن القضاء الألماني في دبلن

دخل المستشار الألماني على خط القضية يوم الثلاثاء 28 تموز / يوليو 2026، في دبلن، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الوزراء الإيرلندي مايكل مارتن. وكان ميرتس يزور إيرلندا في سياق رئاستها الدورية لمجلس «الاتحاد الأوروبي»، إلا أن صحافيا سأله مباشرة عن تاتلو–ديفالي وعن وصف النائب باري وورد للمحاكمة أنها «صورية».
ويظهر المحضر الرسمي المنشور على موقع المستشارية الألمانية أن ميرتس لم يناقش أدلة القضية أو قرارات القضاة تفصيلا، بل دافع عن الإطار المؤسسي للمحاكمة. وقال إن الإجراءات في ألمانيا تحكمها دولة القانون، وإن الرعاية القنصلية والدفاع القانوني متاحان للمتهمين، مؤكدا ثقته في التزام القضاء الألماني المعايير الدولية واستقلاله عن السلطة السياسية.
ويرى مراقبون أن تصريحات ميرتس تبرر ضعف الموقف الألماني الرسمي بخصوص الناشطين المتضامنين، فحين يضطر المستشار الألماني إلى الدفاع عن عدالة الإجراءات في عاصمة أوروبية أخرى، لم يعد الملف يتعلق بخمسة متهمين وشركة واحدة فقط، بل بصورة ألمانيا القانونية والسياسية في التعامل مع الاحتجاج المؤيد لفلسطين.

تعقد المحاكمة أمام دائرة أمن الدولة في محكمة شتوتغارت، داخل مبنى الجلسات شديد الحراسة في شتامهايم، وهو اسم يرتبط في الذاكرة الألمانية بمحاكمات قادة تنظيم «الجيش الأحمر» من اليسار الألماني المتطرف خلال سبعينيات القرن الماضي. لكن المحكمة تقول إن المبنى الحالي افتتح عام 2019، وإن استخدامه يعود إلى اعتبارات الأمن والسعة والاهتمام العام، لا إلى مساواة المتهمين بمتهمي قضايا الإرهاب.
وزاد حضور الناشطة السويدية غريتا تونبرغ إحدى جلسات المحاكمة من الاهتمام الدولي بالقضية. ووفق «هيئة الإذاعة والتلفزيون الألمانية – SWR»، جلست تونبرغ بين الحضور خلال الجلسة الرابعة في 22 أيار / مايو 2026، التي أدلى فيها الناشط الإيرلندي دانيال تاتلو ديفالي بإفادته أمام المحكمة. وساهم وجودها في تسليط مزيد من الضوء على قضية الناشطين الخمسة وعلى الانتقادات المتعلقة بظروف محاكمتهم وحبسهم الاحتياطي.
وفي تصريح خاص لـ»القدس العربي»، قال المتحدث الإعلامي باسم الجالية الفلسطينية في ألمانيا جورج رشماوي إن القسوة في التعامل مع «خماسي مدينة أولم» لا يمكن فصلها عن سياسة ألمانية أوسع لتضييق المجال أمام النشاط المتضامن مع فلسطين، مؤكدا أن الرد الفلسطيني لن يقتصر على البيانات، بل سيمتد إلى الشارع والإعلام والمسار القانوني.
وقال رشماوي: «من الواضح لنا أنه منذ الإعلان عما سمي وقف إطلاق النار في غزة، في 9 تشرين الأول / أكتوبر 2025، استنادا إلى خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدأت جهات رسمية في ألمانيا إعادة ترتيب أولوياتها باتجاه تشديد الخناق على الحركات الشعبية المتضامنة مع شعبنا في قطاع غزة خصوصا، ومع القضية الفلسطينية عموما».
وأضاف: «ننظر بقلق بالغ إلى ما تردد عن لقاء وزير الداخلية الألماني بمسؤولين في الاستخبارات الإسرائيلية مطلع هذا العام، وما أثير عن تنسيق يستهدف نشطاء فلسطينيين يحملون الجنسية الألمانية. كما تابعنا حالات تعرض فيها نشطاء فلسطينيون وألمان للطرد من أعمالهم أو لإجراءات عقابية تحت ذرائع واهية، من بينها إظهار صورة أو رمز مرتبط بفلسطين».
وقال رشماوي إن هذا المناخ «يفسر القسوة التي يعامل بها المتهمون في قضية أولم»، مضيفا: «التحرك المنسوب إليهم استهدف شركة تعمل في الصناعات العسكرية، في وقت تواصل فيه إسرائيل عمليات القتل والتدمير والتهجير في قطاع غزة، وتقييد دخول المساعدات الإنسانية، بينما يصعد المستوطنون، تحت حماية الجيش الإسرائيلي، اعتداءاتهم على الفلسطينيين في الضفة الغربية، من الاستيلاء على الأراضي وحرق المنازل إلى مهاجمة المدنيين، ضمن سياسات تقوم على الضم والحسم».
وتابع: «نرى أن هذه المحاكمة لا تستهدف المتهمين الخمسة وحدهم، بل تحمل رسالة تخويف إلى حركات التضامن، بهدف دفعها إلى التراجع عن مساندة الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية. لكن الرد الفلسطيني لن يكون بالصمت».
وأوضح رشماوي أن مظاهرات واعتصامات يجري التحضير لها في أولم وعدد من المدن الألمانية، من بينها ميونيخ وفرانكفورت ودويسبورغ وبون، فيما يتوقع تنظيم تحرك أكبر في برلين. كما سيشارك نشطاء ومتضامنون في وقفات بالتزامن مع استئناف المحاكمة، احتجاجا على ما وصفه بمحاولات إسكات الصوتين الفلسطيني والألماني المتضامنين مع فلسطين.
وأضاف: «وجهنا رسائل احتجاج إلى وزارة الداخلية الألمانية نطالبها بوقف الاعتداءات على حرية الرأي والتعبير، ولا سيما الإجراءات المتخذة بحق الناشطين الخمسة في قضية أولم. كما أرسلنا رسائل قراء إلى عدد من الصحف الألمانية، وقد نشرت بعض هذه الصحف رسائلنا بالفعل».
وعن المسار القانوني، قال رشماوي إن الجالية الفلسطينية تقدم الدعم من خلال التواصل مع محامين ومساندة الجهود القانونية والإعلامية. وأضاف، نقلا عن موقف فريق الدفاع، أن عددا من الإجراءات والنقاط المثارة ضد المتهمين «يفتقر إلى سند دستوري»، وأن المحامين يتوقعون صدور قرار في مصلحة موكليهم، بما قد يفتح لاحقا الباب أمام المطالبة بتعويض عن الأضرار المادية التي لحقت بهم.
وختم بالقول: «نحن جالية فلسطينية موجودة في 26 مدينة ألمانية، ولن نقف متفرجين. سنواصل العمل القانوني والإعلامي والتحرك في الشارع لفضح الممارسات التي نراها منافية لحقوق الإنسان والديمقراطية وحرية التعبير. ومحاولة جعل قضية أولم عبرة لحركات التضامن ستقابل بمزيد من التضامن، لا بالصمت أو التراجع».

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات