في خطوة دبلوماسية لافتة، وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مساء الإثنين 6 يوليو/تموز 2026، إلى العاصمة السورية دمشق، في زيارة تُعد الأولى لرئيس فرنسي منذ 17 عاماً، ولرئيس دولة من الاتحاد الأوروبي إلى سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد نهاية عام 2024.
تزامناً مع وصوله، كتب ماكرون على حسابه على “إكس”: “أنا هنا لأعرب عن التزام فرنسا تجاه الشعب السوري، من أجل سوريا ذات سيادة، موحدة في تنوعها، وتعيش بسلام مع جيرانها. فلنفتح معاً صفحة جديدة من الاستقرار والسلام”.
وجاء في بيان قصر الإليزيه الخاص بالزيارة أنه بعد مرور عام على زيارة أحمد الشرع، الرئيس المؤقت للجمهورية العربية السورية، إلى فرنسا، تأتي هذه الزيارة – وهي الأولى لرئيس دولة من الاتحاد الأوروبي إلى سوريا منذ سقوط نظام الأسد – استكمالاً لدعم فرنسا الثابت للشعب السوري.
كما سيؤكد الرئيس الفرنسي مجدداً التزام فرنسا بوحدة سوريا، وبمرحلة انتقالية سياسية شاملة وتعددية، تضمن حقوق وأمن وتمثيل جميع فئات المجتمع السوري.
وأوضح الإليزيه أن الزيارة ستمثل أيضاً التزاماً فرنسياً ملموساً بإعادة بناء سوريا ذات سيادة ومستقرة، تعيش في سلام مع جيرانها. وستفتح فصلاً جديداً في الشراكة الفرنسية-السورية في المجالين الاقتصادي والأمني، وستدعم الجهود المبذولة لتعزيز الاستقرار الإقليمي وتنويع طرق الإمداد بين أوروبا والشرق الأوسط.
وكان في استقبال الرئيس الفرنسي، في مطار دمشق الدولي، وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، قبل أن يعقد، في وقت لاحق من المساء، لقاءً مغلقاً على مأدبة عشاء عمل مع الرئيس الانتقالي أحمد الشرع.
ومن المقرر أن تتواصل الزيارة يوم الثلاثاء 7 يوليو/تموز بسلسلة من اللقاءات، تشمل اجتماعاً مع ممثلين عن المجتمع المدني السوري، ثم مباحثات ثنائية مع الرئيس الشرع في القصر الرئاسي، تليها مشاركة في منتدى اقتصادي مخصص لإعادة إعمار سوريا ومناقشة الممرات الاستراتيجية بين أوروبا والشرق الأوسط، إضافة إلى مراسم توقيع اتفاقيات تعاون بين البلدين.
ويرافق ماكرون، خلال الزيارة، عدد من كبار رجال الأعمال الفرنسيين، من بينهم رئيس شركة “سي إم إيه – سي جي إم” رودولف سعادة، والرئيس التنفيذي لشركة “توتال إنرجي” باتريك بويانيه، في مسعى لبحث فرص إعادة إعمار البلاد واستئناف الاستثمارات، رغم استمرار حذر الشركات الفرنسية.
ووصف محيط الرئيس الفرنسي هذه الزيارة بأنها “جريئة”، مشيراً إلى أن ماكرون “يخاطر” من خلال التوجه إلى سوريا، حيث سيقضي “مساءً وليلةً ويوماً كاملاً”، دون الاكتفاء بالبقاء في المواقع المحصنة، بل سيسعى إلى لقاء مختلف مكونات الشعب السوري بمختلف توجهاتها السياسية والدينية.
ولأسباب أمنية، لم يتم الكشف عن تفاصيل البرنامج الكامل للزيارة، غير أنه من المقرر عقد لقاء غير رسمي مساء الاثنين بين الرئيسين، يليه اجتماع رسمي يوم الثلاثاء، ثم مؤتمر صحفي مشترك.
وأكد قصر الإليزيه أن “سوريا الجديدة لن تكون شريكاً لفرنسا إلا إذا احترمت التعددية بشكل كامل”، مشدداً على رفض أي شكل من أشكال الحكم الأحادي. ورغم تعهد الرئيس السوري بحماية الأقليات، فإن أحداث العنف التي شهدتها البلاد، بما في ذلك مجازر بحق العلويين في مارس/آذار 2025، والاشتباكات مع مقاتلين دروز، ما زالت تلقي بظلالها على المشهد.
ويُعد ملف مكافحة تنظيم “الدولة” من أبرز القضايا المطروحة، خاصة مع مشاركة سوريا حالياً في الجهود الدولية لمكافحة التنظيم، إضافة إلى مسألة وجود مقاتلين جهاديين فرنسيين على الأراضي السورية، في ظل الهجمات التي تعرضت لها فرنسا عام 2015.
ويرى الدبلوماسي الفرنسي السابق والخبير في العلاقات الدولية دينيس بوشار أن هذه الزيارة تعكس رغبة ماكرون في دعم استقرار النظام السوري الجديد، في وقت تسعى فيه إسرائيل، بحسب رأيه، إلى إبقاء سوريا ضعيفة ومقسمة، مع وجود مخاوف من النفوذ التركي المتزايد.
وتحمل الزيارة كذلك بُعداً ثقافياً، حيث أعاد الرئيس الفرنسي 23 قطعة أثرية إلى المتحف الوطني في دمشق، كانت قد أُعيرت إلى معهد العالم العربي في باريس عام 2010، ولم تتمكن سوريا من استعادتها بسبب ظروف الحرب. وتشمل هذه القطع فترات تاريخية تمتد من عصور ما قبل التاريخ إلى العصر العباسي، مروراً بحضارات متعددة، مثل المسمارية والكنعانية والنبطية والتدمرية والرومانية والبيزنطية والأموية. وتأتي هذه الخطوة في ظل ما تعرض له التراث السوري من دمار واسع وعمليات نهب خلال سنوات النزاع التي اندلعت عام 2011.
ويمثل هذا التقارب الدبلوماسي مرحلة جديدة في العلاقات الفرنسية-السورية، بعد قطيعة استمرت أكثر من عقد، إثر قمع النظام السابق للاحتجاجات الشعبية. ويرى مراقبون أن باريس تسعى إلى لعب دور محوري في إعادة تشكيل المشهد الإقليمي، مستندة إلى علاقاتها التاريخية مع سوريا.
وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أوائل القادة الغربيين الذين استقبلوا الرئيس السوري أحمد الشرع في مايو/أيار 2025، في إطار رهان فرنسي على دعم المرحلة الانتقالية في سوريا. وقد أثار هذا اللقاء، الذي جرى في قصر الإليزيه، جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية الفرنسية، خصوصاً من قبل بعض أطراف اليمين واليمين المتطرف، بسبب ماضي الرئيس السوري المرتبط بالجماعات الجهادية.
وجاءت زيارة الشرع العام الماضي إلى باريس قبل توجهه إلى واشنطن للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في زيارة اعتُبرت أكثر أهمية على الصعيد الاستراتيجي، تزامناً مع رفع العقوبات الأوروبية والأمريكية عن سوريا.
ومن المقرر أن يتوجه ماكرون، بعد زيارته، إلى أنقرة للمشاركة في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حيث سيلتقي بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان. كما يُتوقع أن يكون الملف السوري محوراً رئيسياً في المباحثات.

تعليقات الزوار
لا تعليقات