أخبار عاجلة

موريتانيا تدخل مرحلة الشراكة الاستراتيجية مع روسيا

لم تعد العلاقات الموريتانية الروسية تقتصر على المجاملات الدبلوماسية أو اللقاءات البروتوكولية التي تتكرر على هامش المحافل الدولية، بل بدأت تكتسب ملامح شراكة عملية تتسع تدريجياً لتشمل قطاعات ذات طابع سيادي واستراتيجي، في مقدمتها الطاقة والعدالة والأمن السيبراني، بما يعكس رغبة متبادلة في الانتقال من مرحلة الحوار السياسي إلى مرحلة تنفيذ المشاريع.ويأتي هذا الحراك في توقيت دولي بالغ الحساسية، حيث تعيد موسكو رسم شبكة علاقاتها في إفريقيا بعد سنوات من العقوبات الغربية، بينما تسعى موريتانيا إلى تنويع شركائها الاقتصاديين والتقنيين دون الإخلال بسياسة التوازن التي تنتهجها مع مختلف القوى الدولية.
فخلال أقل من أسبوعين، شهدت العلاقات بين البلدين سلسلة من الاجتماعات والاتفاقيات التي اعتبرها مراقبون الأسرع منذ سنوات، وهو ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت نواكشوط وموسكو بصدد بناء شراكة استراتيجية جديدة تتجاوز الطابع التقليدي للعلاقات الثنائية.
وكان أبرز مؤشرات هذا التقارب هو الاتفاق على تسريع العمل في مشاريع التعاون بمجال الطاقة، خلال مباحثات عقدها في موسكو نائب وزير الطاقة الروسي رومان مارشافين مع السفير الموريتاني إسماعيل ولد عبد الفتاح، حيث اتفق الطرفان على الانتقال إلى مرحلة دراسة وتنفيذ المقترحات الاستثمارية بصورة أسرع.
وجاء هذا اللقاء امتداداً للاجتماعات التي عقدها وزير الاقتصاد والتنمية المستدامة الموريتاني عبد الله ولد الشيخ سيديا مع المسؤول الروسي نفسه على هامش منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي، بحضور مسؤولين من السفارة الموريتانية وممثلين عن شركات روسية مهتمة بالاستثمار في موريتانيا.

وتكشف الملفات المطروحة للنقاش عن طموح يتجاوز مجرد الاستثمار في النفط والغاز، ليشمل الاستكشاف الجيولوجي وتقييم الاحتياطيات المعدنية، وتطوير حقول النفط والغاز، وإنشاء وتحديث محطات إنتاج الكهرباء الحرارية والكهرومائية، والاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة، خصوصاً طاقة الرياح، ونقل الخبرات والتكنولوجيا الروسية إلى المؤسسات الموريتانية المتخصصة.وتنسجم هذه المشاريع مع التحولات الاقتصادية التي تشهدها موريتانيا، خاصة بعد دخولها نادي الدول المصدرة للغاز، وما يتطلبه ذلك من بنية تحتية للطاقة أكثر تطوراً.
ومن أبرز ما لفت الانتباه في المحادثات الأخيرة إدراج الأمن السيبراني ضمن مجالات التعاون.
فقد عرض الجانب الروسي خبراته في حماية البنى التحتية الحيوية وأنظمة التحكم الصناعي، وهي المجالات التي أصبحت تمثل أحد أهم عناصر الأمن القومي للدول مع توسع الرقمنة في قطاعات الطاقة والمياه والنقل والاتصالات.
ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لدى نواكشوط بأن حماية المنشآت الاستراتيجية لم تعد تقتصر على الجوانب العسكرية، وإنما أصبحت تشمل أيضاً الأمن الرقمي، خصوصاً مع التوسع في مشاريع الغاز والطاقة والتحول الرقمي للإدارة.وبالتوازي مع التعاون الاقتصادي، وقعت موريتانيا وروسيا في سانت بطرسبورغ مذكرة تعاون قانوني وعدلي بين وزارة العدل الموريتانية والنيابة العامة الروسية، تهدف إلى تعزيز التعاون القضائي وتبادل الخبرات والتجارب وتطوير المنظومة العدلية.
وتشمل هذه المذكرة التعاون في مجالات تحديث السياسات العدلية، تطوير نظم المعلومات القانونية، ورقمنة الخدمات القضائية، وحماية الحقوق والمصالح المشروعة للمواطنين، وتعزيز المساعدة القانونية الدولية، وتبادل الخبرات في تحديث السجلات والوثائق القضائية.
وجرى توقيع الاتفاق خلال المنتدى القانوني الدولي الرابع عشر في سانت بطرسبورغ، الذي شارك فيه وزير العدل الموريتاني محمد ولد اسويدات بدعوة من نظيره الروسي، في مؤشر على اتساع قنوات التواصل بين المؤسسات الحكومية في البلدين.
الدبلوماسية أيضا
ولم يقتصر التقارب الموريتاني الروسي على الملفات الاقتصادية والقضائية، بل امتد أيضاً إلى الجانب الدبلوماسي، حيث وقع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والموريتانيين في الخارج، محمد سالم ولد مرزوك، ونظيره الروسي سيرغي لافروف، اتفاقاً للإعفاء المتبادل من التأشيرة لحاملي الجوازات الدبلوماسية وجوازات الخدمة بين البلدين، وذلك على هامش الدورة الوزارية الثانية لمنتدى الشراكة الروسية–الإفريقية المنعقدة في القاهرة.
ويُعد هذا الاتفاق مؤشراً عملياً على تنامي الثقة السياسية بين نواكشوط وموسكو، إذ يسهل تنقل المسؤولين والوفود الرسمية، ويختصر الإجراءات الإدارية أمام الزيارات المتبادلة، بما يدعم تسريع تنفيذ الاتفاقيات والمشاريع المشتركة، ويعكس رغبة الطرفين في إضفاء طابع مؤسساتي ومستدام على علاقاتهما الثنائية، بعد أن انتقلت خلال الأشهر الأخيرة من مستوى التشاور إلى مستوى بناء شراكات في قطاعات حيوية ذات أبعاد استراتيجية.
لماذا الآن؟
يصعب فصل هذا التقارب عن التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم.
فروسيا، التي عززت حضورها السياسي والاقتصادي في عدد من الدول الإفريقية، تبحث عن شركاء جدد في غرب إفريقيا، خصوصاً في الدول التي تمتلك موارد طبيعية واعدة وموقعاً استراتيجياً على المحيط الأطلسي.
أما موريتانيا، فتتبنى منذ سنوات سياسة خارجية تقوم على تنويع الشراكات وعدم الارتهان لمحور دولي واحد، وهو ما مكنها من الاحتفاظ بعلاقات متوازنة مع الغرب، والصين، ودول الخليج، وتركيا، والجزائر، وروسيا في الوقت نفسه.
وتمنح هذه السياسة لنواكشوط هامشاً أوسع للاستفادة من الخبرات والاستثمارات الدولية دون الانخراط في الاستقطابات الدولية الحادة.
بين الاقتصاد والجغرافيا السياسية
ويلاحظ أن التركيز الروسي ينصب على القطاعات المرتبطة بالطاقة والمعادن، وهي المجالات التي تشهد في موريتانيا طفرة متسارعة مع مشاريع الغاز الكبرى، وتزايد الاهتمام العالمي بالمعادن الاستراتيجية المستخدمة في الصناعات الحديثة والتحول الطاقوي.
كما أن الموقع الجغرافي لموريتانيا، بوصفها بوابة بين المغرب العربي وإفريقيا جنوب الصحراء والمحيط الأطلسي، يمنحها أهمية متزايدة في الحسابات الاقتصادية واللوجستية للقوى الكبرى.
وفي المقابل، تبدو نواكشوط حريصة على أن يبقى هذا التعاون في إطاره الاقتصادي والتقني، دون أن يتحول إلى اصطفاف سياسي قد يؤثر في شبكة علاقاتها التقليدية مع شركائها الأوروبيين والأمريكيين.
شراكة تتشكل بهدوء
تشير الوقائع إلى أن العلاقات الموريتانية الروسية تمر بمرحلة جديدة تختلف عن السنوات الماضية، إذ لم تعد تقتصر على اللقاءات الدبلوماسية، بل أصبحت تنتج اتفاقيات ومشاريع محددة في مجالات الطاقة والعدالة والأمن السيبراني ونقل التكنولوجيا.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام الجانبين هو تحويل هذه التفاهمات إلى مشاريع ملموسة على الأرض، وهو ما سيحدد ما إذا كان التقارب الحالي يمثل مجرد نشاط دبلوماسي ظرفي، أم بداية لشراكة استراتيجية طويلة الأمد قد تضيف بعداً جديداً إلى السياسة الخارجية الموريتانية، وتفتح أمام الاقتصاد الوطني فرصاً أوسع للاستفادة من المنافسة الدولية على الاستثمار في إفريقيا.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات