بتعيين العاهل المغربي الملك محمد السادس، فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، دخل المغرب مرحلة سياسية جديدة بعد الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 سبتمبر/أيلول. الحدث تاريخي لأن امرأة ستقود الحكومة للمرة الأولى، لكنه يأتي أيضا في سياق دستوري وسياسي واضح حافظ فيه الملك على المنهجية التي أطّرت تعيين رؤساء الحكومات منذ دخول دستور 2011 حيز التنفيذ.
أفرزت الانتخابات تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بحصوله على 97 مقعدا في مجلس النواب، وبعد ستة أيام استقبل الملك محمد السادس المنصوري، بصفتها منسقة القيادة الجماعية للحزب، وعينها رئيسة للحكومة بمقتضى الفصل 47 من الدستور، كما جاء صراحة في بلاغ وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة.
جاء ذلك بعد عملية انتخابية جرت تحت مراقبة وطنية ودولية واسعة، بعدما اعتمدت اللجنة الخاصة لاعتماد ملاحظي الانتخابات أكثر من ثلاثة آلاف ملاحظ وملاحظة يمثلون المجلس الوطني لحقوق الإنسان وجمعيات مغربية، إلى جانب هيئات ومنظمات دولية وإقليمية وتمثيليات دبلوماسية. وكانت لجان تتبع الانتخابات قد عملت بدورها على مواكبة مختلف مراحل العملية وضمان احترام القانون ونزاهة الاقتراع.
الملك يحافظ على منهجية التعيين
ينص الفصل 47 على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها. ولا يفرض النص الدستوري تعيين الأمين العام أو رئيس الحزب تحديدا، بل يترك للملك صلاحية اختيار رئيس الحكومة من داخل الحزب المتصدر.
ومع ذلك، حافظ الملك محمد السادس مرة أخرى على المنهجية السياسية التي استقرت منذ انتخابات 2011، والمتمثلة في إسناد رئاسة الحكومة إلى الشخصية التي تقود الحزب المتصدر. فقد عين عبدالإله بنكيران بعد تصدر حزب العدالة والتنمية انتخابات 2011 و2016، ثم عين سعدالدين العثماني سنة 2017 بعد تعذر تشكيل الحكومة من طرف بنكيران، قبل أن يعين عزيز أخنوش، رئيس التجمع الوطني للأحرار، إثر تصدر حزبه انتخابات 2021.
وكانت انتخابات 2026 مختلفة من حيث إن حزب الأصالة والمعاصرة تقوده قيادة جماعية تتولى المنصوري تنسيقها. ومع إعلان النتائج، انتشرت تكهنات بشأن إمكانية تعيين شخصية أخرى من الحزب المتصدر، وذهبت بعض الصفحات والمواقع إلى اختلاق أخبار غير موثوقة تبين زيفها لاحقا. لكن التعيين الملكي أعاد الأمور إلى منطقها الدستوري والسياسي، فالحزب الذي وضعه الناخبون في المرتبة الأولى هو الذي كُلفت الشخصية التي تقوده بتشكيل الحكومة.
بهذا الاختيار حافظ الملك على تقليد سياسي يمنح نتائج الاقتراع امتدادها الطبيعي في رئاسة الجهاز التنفيذي، من دون أن يتنازل عن الاختصاص الذي يمنحه له الدستور. فالناخب يحدد موازين القوى داخل مجلس النواب والحزب المتصدر، والملك يعين رئيس الحكومة وفق الفصل 47، ثم تبدأ مرحلة تشكيل الأغلبية واقتراح أعضاء الحكومة قبل عرض البرنامج الحكومي على البرلمان.
امرأة تصل إلى رئاسة الحكومة من قلب المسار السياسي
وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى هذا الموقع لم يأت من فراغ. فهي محامية راكمت تجربة طويلة في العمل السياسي والحزبي والتدبير المحلي والحكومي، وبدأ اسمها يبرز وطنيا عندما انتخبت سنة 2009 رئيسة للمجلس الجماعي لمراكش، لتصبح أول امرأة تتولى رئاسة إحدى كبريات المدن المغربية.
عادت لاحقا إلى رئاسة مجلس مراكش، وتولت حقيبة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، قبل أن تصبح منسقة للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة. وفي انتخابات سبتمبر/أيلول 2026 قادت الحزب الذي أنهى الاقتراع في المرتبة الأولى، لتنتقل بعد سنوات من المسؤوليات المحلية والحكومية والحزبية إلى رئاسة الحكومة.
هذا التدرج يمنح التعيين ثقله السياسي إلى جانب رمزيته التاريخية. فأول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في المغرب سبق لها أن أدارت مدينة كبرى، وشاركت في الحكومة، وتحملت مسؤولية حزبية في الصف الأول، قبل أن يقود الحزب الذي تنسق قيادته نتائج الانتخابات التشريعية.
مسار ملكي حافل عزز حضور المرأة في مواقع القرار
لا يبدو وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة منفصلا عن التحولات التي عرفها المغرب منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش. فقد توسع حضور المرأة خلال هذه المرحلة في المؤسسات المنتخبة والحكومة والإدارة ومختلف مواقع المسؤولية، بالتوازي مع إصلاحات قانونية ومؤسساتية غيرت وضعها داخل المجتمع والدولة.
وشكل إصلاح مدونة الأسرة وتعديل قانون الجنسية محطتين بارزتين في هذا المسار، قبل أن يأتي دستور 2011 ليكرس المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والحريات وينص على سعي الدولة إلى تحقيق المناصفة. ومع مرور السنوات، اتسعت مشاركة النساء في البرلمان والحكومة والمجالس المنتخبة، كما عين الملك نساء في مسؤوليات عليا داخل مؤسسات الدولة والسلك الدبلوماسي والإدارة الترابية ومجالات كانت لسنوات حكرا على الرجال.
لذلك لا يمثل تعيين المنصوري تحولا مفاجئا بقدر ما يواصل مسارا بدأ منذ سنوات وتقدم بالتدرج. المرأة التي دخلت المجالس المنتخبة وأدارت المدن وتولت الحقائب الوزارية والمسؤوليات العليا أصبحت اليوم على رأس الحكومة، ضمن القواعد الدستورية نفسها التي نظمت انتقال رئاسة الحكومة بين الأحزاب والشخصيات السياسية منذ 2011.
والأهم أن هذه السابقة تحققت من داخل المسار الانتخابي نفسه. فقد أفرزت صناديق الاقتراع حزبا متصدرا تقوده امرأة، ومارس الملك اختصاصه الدستوري بتعيينها رئيسة للحكومة، لتصبح أول مغربية تتولى هذا المنصب وهي تحمل وراءها تجربة سياسية وحكومية ومحلية متراكمة.
هكذا يبدأ المغرب مرحلة جديدة من دون قطيعة مع قواعده الدستورية. فالاختيار الشعبي أخذ طريقه من صناديق الاقتراع إلى تشكيل السلطة التنفيذية، والمنهجية التي رسخها الملك محمد السادس منذ دستور 2011 استمرت مع أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة، فيما بلغ مسار تمكين النساء موقعا لم يسبق لامرأة مغربية أن بلغته من قبل.
الملك محمد السادس يكرس المنهجية الديمقراطية بأول رئيسة للحكومة

تعليقات الزوار
لا تعليقات