يواصل مشروع تعديل قانون العقوبات المتعلق بالإعدام في الجزائر رحلته التشريعية عبر عرضه في مجلس الأمة، ثاني غرفة في البرلمان الجزائري، موازاة مع صدور أولى أحكام الإعدام وفق قانون مكافحة المخدرات الجديد، في وقت يشتد الجدل حول عقوبة الإعدام بعد أكثر من ثلاثة عقود من تجميد تنفيذها.
وعرض وزير العدل حافظ الأختام، لطفي بوجمعة، الثلاثاء أمام أعضاء مجلس الأمة مشروع القانون المعدل والمتمم لقانون العقوبات، الذي يقترح توسيع نطاق عقوبة الإعدام لتشمل جرائم محددة تتعلق بإضرام الحرائق عمدا واختطاف الأطفال. وجاء العرض بعد أيام قليلة من صدور أول أحكام بالإعدام بموجب قانون مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية الجديد.
وكانت محكمة الجنايات لدى مجلس قضاء الجزائر قد أصدرت، الاثنين، أول أحكام بالإعدام تطبيقا للقانون رقم 25-03 المؤرخ في 1 يوليو 2025، والمتعلق بالوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية وقمع الاستعمال والاتجار غير المشروعين بها.
وشملت الأحكام تسعة متهمين، ثلاثة منهم حضوريا وستة غيابيا، في قضايا تتعلق بالاتجار بالكوكايين بكمية بلغت 113 كيلوغراما، إضافة إلى 225030 قرصا من مادة البريغابالين. وتابع القضاء المتهمين بجنايات الاستيراد والنقل والشحن والتخزين والحيازة قصد البيع للمخدرات الصلبة والمؤثرات العقلية في إطار جماعة إجرامية منظمة، إلى جانب التهريب وانتحال صفة الغير والهجرة والإقامة غير الشرعيتين وتبييض الأموال.
وخلال عرضه أمام مجلس الأمة، ركز وزير العدل على ما وصفه بـ”الاكتشاف الخطير” الذي أظهرته التحقيقات الأمنية والقضائية في قضايا الحرائق. وقال إن التحقيقات أثبتت، حسبه، وجود أساليب متطورة لإشعال النيران عمدا، مشيرا إلى تورط جزائريين وأجانب في ارتكاب هذه الأفعال.
وأوضح بوجمعة أن تفعيل عقوبة الإعدام في جرائم إضرام النار عمدا في الغابات والحقول، إلى جانب اختطاف الأطفال، جاء تنفيذا لتعليمات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، بالنظر إلى خطورة هذه الجرائم وحجم الأضرار البشرية والمادية التي خلفتها.
وأكد الوزير أن قرار تفعيل العقوبة جاء بمبادرة من رئيس الجمهورية، بصفته القاضي الأول في البلاد، واصفا القرار بأنه “دستوري”، ومشيرا إلى أن الدولة رأت ضرورة إقرار هذه العقوبة بالنظر إلى الأضرار التي طالت أملاكها وأبناءها.
كما شدد على أن الجزائر، رغم قرارها المتعلق بتوسيع عقوبة الإعدام، ملتزمة بالعهود الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، معتبرا أن الأمر يتعلق بقرار سيادي للدولة يهدف، وفق تعبيره، إلى حماية أبنائها. وردا على الانتقادات الخارجية، قال إن من يتحدث عن حقوق الإنسان عليه الالتزام بها أولا.
وتحدث بوجمعة أيضا عن الضمانات القضائية التي تحيط بأحكام الإعدام، موضحا أن العقوبة لا يمكن تنفيذها إلا بعد صدور حكم نهائي ورفض طلب العفو. وأشار إلى أن المادة 155 من قانون تنظيم السجون تجعل رفض العفو من طرف رئيس الجمهورية شرطا قبل الشروع في تنفيذ الحكم.
وأضاف أن المتهمين يستفيدون من مختلف الضمانات التي يقرها القانون، من التحقيق الوجوبي، وتشكيلة محكمة الجنايات، ورقابة غرفة الاتهام، والخبرة العقلية والبحث الاجتماعي، إلى تعدد درجات التقاضي من الجنايات الابتدائية إلى الاستئنافية ثم الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا.
وبشأن التحقيق في الجرائم المرتبطة بالحرائق، قال الوزير إن الضبطية القضائية تملك الآليات القانونية اللازمة، بما فيها الخبرات العلمية والمعاينات والأبحاث، مشيرا إلى أن نتائج هذه الإجراءات تكون ضمن الملفات القضائية ومتاحة للدفاع للاطلاع عليها وتقديم الملاحظات والطلبات والطعون.
وكان الرئيس عبد المجيد تبون قد تحدث بدوره عن خلفيات العودة إلى تفعيل عقوبة الإعدام في جرائم من بينها إضرام الحرائق عمدا واختطاف الأطفال. وقال، ردا على رفض بعض الأحزاب لهذه الخطوة، إن “من يستنكر هذا القرار عليه مواجهة الشعب الجزائري”، مشيرا إلى أن العقوبة “متبناة من قبل عدة دول ديمقراطية”، وأنها لا تتعارض، بحسب قوله، مع التقاليد والمعتقدات في الجزائر.
وأشار الرئيس إلى أن التحقيقات أظهرت، حسب ما أعلن، استخدام أساليب من بينها “إشعال النيران عن بعد” وافتعال بؤر للحرائق باستعمال الشموع، كما تحدث عن استغلال أشخاص مختلين عقليا لإضرام الحرائق، قائلا إن الوقت المناسب سيأتي لكشف تفاصيل هذه الملفات.
تعديل قانون العقوبات
وبموجب مشروع تعديل قانون العقوبات، تقترح الحكومة تتميم المادة 291 بالنص على عقوبة الإعدام لكل من يخطف طفلا بأي وسيلة كانت و/أو يقوم بتعذيبه و/أو الاعتداء عليه جنسيا و/أو التنكيل به، مع حرمان المدانين بهذه الأفعال من الاستفادة من الظروف المخففة.
وفي ما يتعلق بالحرائق، يقترح المشروع استحداث المادة 395 مكرر، التي تنص على الإعدام لكل من يضع النار عمدا في الغابات أو الغيضات أو الحقول والأشجار ومقاطع الأشجار والأخشاب الموضوعة في أكوام داخل الغابات.
كما يقترح استحداث المواد 396 مكرر 1 و396 مكرر 2 و396 مكرر 3، التي توسع العقوبة لتشمل حالات إضرام النار عمدا في أملاك عمومية أو خاصة إذا تم ذلك بإيعاز أو لصالح دولة أجنبية أو طرف أجنبي، أو في إطار جرائم الخيانة والتخابر مع دولة أجنبية أو جماعة إجرامية منظمة.
وتشمل الحالات أيضا الحرائق التي تستهدف الأمن والنظام العموميين أو الوحدة الوطنية أو استقرار المؤسسات وسيرها العادي أو الاقتصاد الوطني، فضلا عن الأفعال التي تهدف إلى الإضرار بالبيئة والتوازن البيئي والثروة الغابية أو النباتية أو الحيوانية أو الزراعية.
ويمد المشروع المسؤولية إلى المحرضين والمشجعين والممولين والمدبرين والمساهمين والمشاركين في الإعداد لهذه الأفعال أو تسهيلها، بما في ذلك باستخدام تكنولوجيات الإعلام والاتصال ومواقع التواصل الاجتماعي، مع حرمان المدانين من الاستفادة من الظروف المخففة.
وفي المقابل، يبقي المشروع على عقوبات الحبس من عشر إلى عشرين سنة في بعض حالات إضرام النار عمدا في أملاك محددة، بينما يجعل عقوبة الإعدام سارية في الحالات المنصوص عليها إذا أدى الحريق العمدي إلى وفاة شخص أو عدة أشخاص.
وقد أظهر النقاش داخل المجلس الشعبي الوطني، الذي صادق على النص قبل إحالته إلى مجلس الأمة، تباينا في المواقف بين الكتل البرلمانية. فقد أيدت جبهة التحرير الوطني، وجبهة المستقبل، والتجمع الوطني الديمقراطي، وحركة البناء الوطني وصوت الشعب المشروع، معتبرة أن تشديد العقوبات يمكن أن يشكل رادعا أمام ارتكاب هذه الجرائم.
أما حركة مجتمع السلم فأعلنت تأييدها لحماية الأرواح والممتلكات والأطفال، مع مطالبتها الحكومة بتقديم حصيلة شاملة حول أسباب الحرائق ومدى جاهزية وسائل الوقاية والإنذار المبكر والتدخل. ودعت الحركة إلى عدم اختزال المسألة في تشديد العقوبة، وإنما ربط الردع بالتجريم الدقيق والعدالة الناجزة والتنفيذ الفعلي للأحكام النهائية.
في المقابل، رفضت جبهة القوى الاشتراكية العودة إلى تنفيذ عقوبة الإعدام، مؤكدة أن موقفها من العقوبة مبدئي وتاريخي. واعتبر رئيس كتلتها البرلمانية عبد النور درقيني أن الملف كان يستحق نقاشا وطنيا واسعا، بعيدا عن الاستعجال، مؤكدا أن رفض الإعدام لا يعني التساهل مع الجريمة أو إفلات مرتكبيها من العقاب.
كما عارض التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية توسيع تطبيق عقوبة الإعدام، ودعا ممثله محمد لبدوسي إلى نقاش وطني معمق، مستندا إلى مواقف سابقة للحزب بشأن إلغاء العقوبة، وإلى حالات قضائية صدرت فيها أحكام بالإعدام ثم نقضت لاحقا.
ويضع مشروع القانون بذلك مسألة عقوبة الإعدام في الجزائر أمام مرحلة تشريعية جديدة، بعدما ظل تنفيذها مجمدا منذ 1993، رغم استمرار المحاكم في إصدار أحكام بالإعدام في عدد من القضايا.

تعليقات الزوار
لا تعليقات