لم تمر الذكرى الثالثة لعملية «طوفان الأقصى» في موريتانيا كموعد لاستعادة أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 فحسب، بل بدت مناسبة لإعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة مع أنها لم تبارحها قط.
وتم ذلك عبر موجة جديدة من الفعاليات المتزامنة، امتدت من نواكشوط إلى الداخل، وشاركت فيها هيئات دينية وسياسية ونسائية ومدنية، واستعادت معها ذاكرة التبرعات وحملات الإغاثة التي رافقت الحرب على غزة منذ أيامها الأولى.
ففي العاصمة، نظمت نساء الرباط الوطني الموريتاني لنصرة الشعب الفلسطيني أمسية تحت شعار «نساء موريتانيا والطوفان»، بينما شهدت مقرات الرباط الوطني في العاصمة والمناطق الداخلية فعاليات تحت شعار «7 أكتوبر… مجد المقاومة ونصرة الأقصى»، تخليداً للذكرى وتذكيراً بما يصفه منظمو هذه الأنشطة ببطولات المقاومة الفلسطينية.
وفي صورة أخرى على انتقال التضامن من التعبير المعنوي إلى الدعم المباشر، أعلنت مبادرة نساء قبيلة «الأقلال: لدعم غزة» عن تقديم تبرع لأهالي القطاع بقيمة 20 مليون أوقية قديمة، في مبادرة تعيد إلى الواجهة نمطاً من التضامن عرف به المجتمع الموريتاني خلال مراحل سابقة من الحرب، عندما تحولت حملات جمع الأموال والمساعدات إلى نشاط شعبي واسع.
وتعيد هذه التحركات إلى الذاكرة أيضاً تجربة القوافل والمبادرات الإغاثية التي شهدتها موريتانيا خلال السنوات الماضية، حين لم يقتصر التضامن مع الفلسطينيين على المواقف والوقفات والبيانات، وإنما امتد إلى جمع التبرعات وتنظيم المساعدات والسعي لإيصالها إلى سكان قطاع غزة.
ومع دخول الحرب عامها الرابع، يبدو أن بعض هذه المبادرات يعود إلى الواجهة، في محاولة لإبقاء غزة حاضرة في المجال العام الموريتاني رغم تراجع زخم التغطية الدولية للحرب مقارنة بمراحلها الأولى. وفي هذا السياق، نظم المنتدى الإسلامي الموريتاني مساء الأربعاء في جامع الشرفاء بنواكشوط ندوة بعنوان «طوفان الأقصى في ذكراه الثالثة.. المكتسبات، الواجبات، التحديات»، بحضور حشد من المواطنين، وبمشاركة علماء وأئمة وسياسيين وإعلاميين، إلى جانب الدكتور محمد صبحي أبو صقر، ممثل المقاومة الفلسطينية في موريتانيا.
وعكست الندوة، التي جمعت أطرافاً متعددة من المشهد الموريتاني، رغبة منظميها في تقديم الذكرى باعتبارها مناسبة لإعادة قراءة الحرب وتداعياتها، وليس مجرد محطة لاستحضار حدث السابع من أكتوبر. وتوزعت المداخلات بين فضل الجهاد ومنزلته، وواجبات الأمة تجاه غزة، ومكتسبات «طوفان الأقصى» والتحديات التي تواجه القضية الفلسطينية.
وقال رئيس المنتدى الإسلامي الموريتاني، الشيخ محفوظ ولد الوالد، إن أهم ما يعتبره مكتسباً للعملية هو ما وصفه بإحياء الإيمان بالقضية الفلسطينية في وجدان الأمة، معتبراً أن القضية الفلسطينية والمسجد الأقصى تراجعا في الوعي العام قبل السابع من أكتوبر، قبل أن تعيد الحرب حضورهما إلى الواجهة.
وأضاف أن «الطوفان» حطم، حسب تقديره، صورة «الجيش الذي لا يقهر والدولة التي لا تغلب»، معتبراً أن قيمة الأحداث التاريخية لا تقاس فقط بعدد القتلى أو بحجم الجيوش، وإنما بآثارها على ما يأتي بعدها من أحداث وتحولات.
وركز ولد الوالد بصورة خاصة على البعد الشعبي، مشيراً إلى ما وصفه بانتفاضة امتدت في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، ومشيداً بموقع موريتانيا في هذا الحراك، حيث شهدت البلاد، وفق قوله، أشكالاً متعددة من التبرعات والتضامن مع الفلسطينيين.
ومنحت هذه النقطة الحراك الحالي دلالة تتجاوز الاحتفاء الرمزي بالذكرى، إذ إن المجتمع الموريتاني سبق أن أظهر قدرة على تحويل التعاطف مع غزة إلى مبادرات عملية.
فقد شهدت الأشهر والسنوات الماضية حملات تبرع واسعة، وفعاليات لجمع المساعدات، ومبادرات مدنية وخيرية، فضلاً عن جهود مرتبطة بالقوافل الإغاثية، في مشهد جعل القضية الفلسطينية جزءاً من النشاط المجتمعي وليس فقط من الخطاب السياسي. كما اعتبر رئيس المنتدى أن من نتائج الحرب، حسب قراءته، إعادة القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام بعد أن تراجعت، في تقديره، أمام مسار التطبيع العربي مع إسرائيل، مشيراً إلى أن الحرب أوقفت قطار التطبيع قبل وصوله إلى محطات جديدة.
وتوقف ولد الوالد كذلك عند ما وصفه بـ»المكاسب الأخلاقية» التي تحققت للقضية الفلسطينية في الغرب، معتبراً أن انكشاف حجم الانتهاكات الإنسانية والجدل القانوني الدولي حول الحرب أضر بصورة إسرائيل في المجتمعات الغربية، وهي مسألة باتت حاضرة بقوة في النقاش الدولي حول الحرب.
وشارك في الندوة إلى جانب ولد الوالد الشيخ محمد سيديا اجدود «النووي»، والشيخ الدكتور محمد الأمين مزيد، والشيخ عبد الله ولد أمين، والدكتور محمد صبحي أبو صقر، إضافة إلى رئيس حزب «حاتم» صالح ولد حننا، وممثل عن الصحافيين الموريتانيين، في حضور يعكس اتساع دائرة الفاعلين المشاركين في خطاب التضامن مع غزة.
وتزامن هذا الحضور المتعدد مع نشاط نسائي وشعبي في العاصمة والداخل، ما يوحي بأن الذكرى الثالثة لم تكن فعالية مركزية واحدة، وإنما مناسبة أعادت تنشيط شبكة واسعة من المبادرات المتضامنة مع الفلسطينيين.
وبينما تدخل الحرب عامها الرابع، يبقى السؤال المطروح هو هل كانت هذه الفعاليات ستتطور إلى موجة جديدة من حملات التبرع والإغاثة وتسيير القوافل، كما حدث في مراحل سابقة، أم ستظل في إطار إحياء الذكرى والفعاليات الرمزية.
لكن المؤكد أن غزة ما زالت تحتفظ بموقع خاص في الوجدان الشعبي الموريتاني، وأن ذكرى «طوفان الأقصى» أعادت، ولو بصورة تدريجية، تحريك الشارع وهيئات المجتمع المدني والنساء والأحزاب والعلماء والإعلاميين حول قضية لم تغب عن موريتانيا منذ عقود، لكنها استعادت مع الحرب زخماً شعبياً جعل التضامن معها ينتقل مرة أخرى من الخطاب إلى المبادرة.

تعليقات الزوار
لا تعليقات