محافظة أدرار نقطة تواصل تجاري بين شمال القارة الافريقية وجنوب الصحراء

IMG_87461-1300x866

أدرار محافظة اقترن اسمها بالقصور والواحات وعلماء الدين ومربط قوافل التجار والعُباد، وعلاقة الإنسان بأرضها قائمة منذ فجر التاريخ حيث ترك لمساته على صخورها منذ عشرات الآلاف من السنين. واكتسبت أدرار شهرتها وأهميتها تاريخيا بحكم موقعها الاستراتيجي، ما جعلها تكون نقطة تواصل تجاري بين شمال القارة وجنوب الصحراء ومركزا دينيا مشعا ما زال قائما إلى اليوم.

تقع  أدرار في جنوب غرب الجزائر وتبعد عن العاصمة الجزائر بحوالي 1440 كلم كيلومترا، وتعد ثاني أكبر محافظة جزائرية مساحة وتقدر بـ 427.968 كيلومتر مربع بعد محافظة تمنراست في أقصى  جنوب البلاد، وهي محافظة حدودية مع كل من موريتانيا بجنوب غرب البلاد ومع مالي بالجنوب، وتنقسم إلى ثلاثة أقاليم وهي إقليم توات وتنزروفت وتاديكلت.

أصبحت أدرار تحمل هذا الاسم خلال الفترة الاستعمارية مع بداية القرن الماضي، وترتبط تسميتها بالكلمة الأمازيغية «أدرار» أي الجبل، وكانت تعرف سابق هذا العهد بمنطقة توات الشهيرة التي تحدث عنها الرحالة والمؤرخون في كتبهم، من بينهم الرحالة ابن بطوطة الذي ذكرها في كتابه «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار» وجاء فيه:» وقصدت السفر إلى توات ورفعت زاد سبعين ليلة. ودخلنا بودة وهي من أكبر قصور توات وأرضها رمال وسبخة وتمرها ليس كثيرا».

وذكرها العلامة ابن خلدون في كتابه «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» قائلاً: «وفواكه بلاد السودان تأتي من توات وتيكوارين» وخص تمنطيط وهي منطقة بأدرار بقوله «وطن توات وفيه قصور متعددة تناهز المئين آخذة من الغرب إلى الشرق وآخرها من جانب الشرق يسمى تمنطيت وهو بلد مستبحر في العمران وهو ركاب التجار المترددين من المغرب إلى بلد مالي من السودان لهذا العهد ومن بلد مالي إليه بينه وبين ثغر بلد مالي المسمى غار المفازة المجهلة لا يهتدى فيها للسبل ولا يمر الوارد إلا بالدليل من الملثمين الظواعن بذلك القفر، يستأجره التجار على البذرقة بهم بأوفى الشروط‏».

وفي موطن آخر يتحدث ابن خلدون عن المكانة والأهمية التي تحتلها هذه المنطقة في النشاط الاقتصادي حيث يقول: «ومنها انطلق نشاطهم الحضاري إلى أوروبا والسودان مثل توات وبودة وتمنطيط وورجلان وتيقورارين شرقا».

كما يبين حسن الوزان هذا الدور في حديثه عن تسابيت أحد قصور توات فيقول: «إقليم مأهول في الصحراء يضم أربعة قصور وقرى عديدة في تخوم ليبيا على الطريق المؤدية بين فاس وتلمسان إلى مملكة أكدّس – هي الآن إحدى مدن النيجر- في بلاد السودان وتيقورارين، وسكان هذه  المنطقة أغنياء لأنهم اعتادوا الذهاب كثيرا إلى بلاد السودان، وهنا مجمع القوافل، لان تجار بلاد البربر ينتظرون تجار بلاد السودان، ثم يذهبون جميعا».

غابات متحجرة

ويقول الكاتب الدكتور عبد الله عباس في دراسته المعنونة «دور إقليم توات في المبادلات التجارية بين بلدان المغرب الإسلامي والسودان الغربي» بأن واحات منطقة توات خلال القرن الخامس عشر الميلادي من أكثر المناطق نشاطا في تسيير القوافل التجارية بين السودان وبلدان الشمال، فقد زارها سنة851ه/1447م، الرحالة الجنوي مالفانت وكان هدفه الوصول إلى السودان الغربي، للتعرف على بلد الذهب التي يجني منها التجار المغاربة أرباحا كثيرة. وربما يكون قد ذهب عن طريق تلمسان، فقد كان مرفأ هنبن في ذلك الوقت يشهد نشاطا كبيرا للتبادل التجاري بين أوروبا ومملكة تلمسان ومنه كانت تنتقل الكثير من البضائع التي تأخذ طريقها إلى بلاد السودان عن طريق توات.

وتاريخ المنطقة يعود إلى عصور ما قبل التاريخ وتشهد على ذلك غاباتها المتحجرة بمنطقة أولف وبهضبة تادميت وبالعرق الكبير. ويرجع تاريخها إلى العصر الحجري القديم الأوسط بحدود 40 إلى 60 ألف سنة قبل أن يتعرف الإنسان على الكتابة، ما يؤكد بان أدرار كانت منطقة رطبة تقطعها العديد من الأنهار والأودية التي كانت تمتد إلى غاية النيجر كما كانت منطقة آهلة بالسكان. وهو ما تشهد عليه النقوش الحجرية المنتشرة عبر العديد من المواقع في المحافظة على الحياة اليومية لإنسان ما قبل التاريخ بالمنطقة وما كان يحيط به من حيوانات وغابات. كما توجد آثار للأدوات الحجرية التي مهدت لبناء حضارة ما قبل التاريخ بالصحراء (الهقار، الطاسلي، توات، قورارة والساورة إلى غاية الأطلس الصحراوي ومنطقة القصور، النعامة والبيض).

أسوار تحكي تاريخ المنطقة

اشتهرت محافظة أدرار بقصورها الصحراوية العديدة، والتي تعد من أشهر المعالم التاريخية والسياحية بالمنطقة، ويناهز عدد القصور في المنطقة حوالي 300 منها ما بني قبل التاريخ، ومنها ما أنجز في بداية التاريخ، وأخرى بُنيت بعد دخول الإسلام للمنطقة، وتأثرت هندستها بالعمارة الإسلامية لكنها حافظت على نمطها التقليدي في البناء، ما جعلها تحمل لمسات عربية أمازيغية أفريقية.

والقصور مشيدة من الطين وبنيت على شكل حصون حسب شكلها الخارجي، وتشير الدراسات التاريخية إلى أن هذا الصرح الشامخ يعود إلى عصور قديمة نسبت إلى القبائل البربرية الأولى التي قدمت واستقرت بالمنطقة خلال القرن السابع ميلادي مثل قصور تاوريرت.

وتمتاز قصور توات بالتشكيل الفني والتكوين الهندسي، واعتمد مهندسوها في تشييدها على الأحجار، والطوب والطين ويغلب عليها الطابع الحربي، فقد كانت تعتبر حصنا منيعا يردع الأعداء من التقرب آنذاك ولذلك شيدت على مكان مرتفع ويوجد خندق بحافتها به ماء يسمى أحفير، بها أربعة بروج مرتفعة العلو حتى يتسنى للمراقب لمح العدو وبها باب واحد من الخشب، وتتميز بلونها الأحمر. وفي داخل القصور توجد المساكن والأزقة إلى جانب المساجد والأضرحة، ما جعلها تلعب دورا دفاعيا واجتماعيا ودينيا.

ومن بين أشهر القصور في المنطقة نجد قصر لحمر، وقصر تماخت، وقدور، واسبع، وآدغاغ، وتعد من أروع القصور التاريخية في المنطقة التي تروي حضورها عبر حقب تاريخية متعددة وإبداعات الإنسان الذي عاش في هذه البيئة الصحراوية وتأقلم معها.

الفقارة نظام سقي فريد

تشتهر أدرار بواحاتها وترتبط بثنائية النخلة و«الفقارة» وهو نظام سقي فريد ابتدعه أبناء المنطقة والتي ساهمت في استقرار سكان الصحراء في الجزائر. ويرجع القاضي سيدي محمد بن عبد الكريم البكراوي نشأة الفقارة للقبائل الزناتية الأمازيغية التي استوطنت المنطقة في القرن الرابع هجري. وكانت فقارة أسمها «هنو» هي الأولى بقصر تمنطيط، ويحيل البعض إلى ان تكون القبائل الزناتية هي المسؤولة عن تطورها، لأن بعض الفقارات تحمل مسميات اللغة الزناتية، التي يتحدث بها بعض سكان المنطقة، مثل أرمول ومزز، وتكرزيت، والتغجم.

ويعمل نظام الفقارة بشكل دقيق، حيث يضمن وصول مياه السقي إلى جميع البساتين بالعدل، كما يجسد النظام مبدأ التعاون الاجتماعي والتضامن بين الشركاء، ويتجسد ذلك في التعاون أثناء عمليات الحفر أو الصيانة التي يشارك فيها الجميع في عملية تعرف بـ «التويزة». بالإضافة إلى هذا، يحافظ الفلاح على حقوقه من المياه تبعا لأدائه لواجباته ولقدرته على العمل الزراعي وفقا لمعايير حسابية دقيقة تحقق مبدأ المساواة والعدل، وضمن هذا عبر مئات السنين استمرار الحياة الفلاحية بمنطقة أدرار التي عرفت بها هذه التقنية، وانتشرت بمناطق غرداية وبسكرة وباقي المدن الصحراوية بالجزائر.

السبوع احتفالات مميزة

 تعتبر احتفالات المولد النبوي، حدثا مميزا في الجزائر، لكن الاحتفالات في أدرار لها خصوصيتها جعلتها مقصدا من كل أنحاء البلاد وحتى من الخارج لحضورها والمشاركة فيها، ويدوم الحدث أسبوعا كاملا، ومنه يطلق عليه اسم السبوع، وتقام أكبر الاحتفالات بزاوية كنتة عاصمة إقليم توات الوسطى.

وتبدأ الاحتفالات مع بداية شهر ربيع الأول، وتصل إلى الذروة في اليوم السابع، بعد تاريخ ميلاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم المصادف يوم 12 من الشهر من كل سنة هجرية، من خلال أنشطة فولكلورية متنوعة، تشمل كافة قصور المنطقة وقراها، يكون مركزها زاوية كنتة التي أسّسها الولي الصالح محمد سيد المختار الكنتي.

حيث تقرأ القصائد الوترية ومتون المديح النبوي بمختلف المساجد وتنظم ندوات دينية ومحاضرات حول صفات النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الزوايا الصوفية والمدارس القرآنية بمختلف مناطق أدرار خاصة في مدرسة البكرية بتمنطيط وزاوية الشيخ سيدي الحاج الحسن بأنزجمير وزاوية كنتة، ما يضفي عليها أجواء روحانية خالصة، ويعكس البعد الصوفي الذي تشتهر به أدرار.

خلال هذا الأسبوع يكون طبق الكسكسي التقليدي سيد الموائد في البيوت والموائد التي تنصب في الساحات التي تشهد مظاهر الاحتفال لإطعام الزوار الذين يقصدون أدرار للمشاركة في الاحتفال بالآلاف، تغص بهم المساجد والزوايا الصوفية والمدارس القرآنية، ويوجد تقليد معروف بالمدينة وهو استقبال الضيوف أو كما يعرف محليا بدخول الضيافين، من أجل استقبال ضيوف المدينة عشية انطلاق احتفالات السبوع، وتسهر نسوة المدينة على تحضير الأطباق والتي تكون عبارة عن الكسرة في فطور الصباح والكسكسي في الغذاء والعشاء إلى جانب الشاي المجمر الذي يشتهر به الجنوب الجزائري.

كما تشهد الساحات الكبرى احتفالات فولكلورية تتقدمها ألعاب البارود وتأدية رقصات متنوعة ومتناغمة في حلقات تؤدى من طرف فرق شعبية ترتدي أزياء خاصة، تختتم بقراءة سورة الفاتحة وإلقاء خطبة من طرف شيخ مشهود له بالتقوى والصلاح حول صفات النبي محمد وفي حبه والعمل بسننه ويختم بالدعاء أو المعروف، يتمنى فيه الخير والبركة والأمن والسلام للبلاد. هذه الاحتفالات تحولت مع الزمن إلى مظهر اجتماعي يميز محافظة أدرار، وصنفت ضمن التراث العالمي اللامادي من طرف «اليونسكو».

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. LES TOUAREGS DEM ANDENT L INDEPENDANCE COMME LES KABILIENS

  2. سيسجل التاريخ أنه في نهاية اكتوبر من عام 2021 قطع النظام الجزائري الغاز عن المغرب  (مع تحياتنا للشعب الجزائري الذي لا دخل له في القرار )، وكان قطع الغاز في فصل الشتاء وان المغرب والمغاربة لم يموتوا من البرد ولم يسجل خصاص في بيوت المغاربة من الغاز، لكن الجميل انه بعد ذلك بشهر ستكتشف شركة بريطانية حقل من الغاز في المغرب وسيبدأ العمل به بعد ثلاثة شهور من الان، شكرا لرب العالمين على نعمه وشكرا لرجالات الدولة المغربية على عملهم وعلى رأسهم جلالة الملك حفظه الله. صورة من بداية الأشغال في حقل الغاز المغربي:

  3. عابر سبيل

    ستعود منطقة توات حتما لمغربها كما كانت قبل أن تضمها فرنسا لمقاطعتها الجزائر ولكن بعد أن ينتهي المغرب ظن الخطوة الأولى التي بدأها ببيان السيد عمر هلال : عداء كابرانات الجزائر للمغرب وقطعهم العلاقة معه لن تمرّ أبدا دون عقوبة : العقوبة الأولى ستكون هي دعم استقلال جمهورية القبائل وحشد دعم واعتراف حلفاء وأصدقاء المغرب وأكبر عدد ممكن من دول العالم إى أن يتم حصول الجمهورية القبائلية على عضوية الأمم المتحدة وبعد هذه العقوبة ستتوالى العقوبات التالية وأولها رفع ملف الصحراء الشرقية إلى مجلس الأمن والأمم

الجزائر تايمز فيسبوك