ماذا لو قطعت فرنسا علاقاتها مع الجزائر؟

IMG_87461-1300x866

 لو كان المسؤولون الجزائريون في أعلى المستويات مقتنعين بأن ما صدر عن الرئيس إيمانويل ماكرون بخصوص الجزائر خطير ومسيء ويستحق الرد، وأن عليهم أن يثأروا لكرامتهم وكرامة بلادهم وشعبهم، فكان عليهم أن يذهبوا إلى خيارات مشددة مثل إنزال العلاقات الدبلوماسية إلى أدنى مستوياتها. ولو كانوا مقتنعين بأن لا أمل في تطبيع صادق ودائم للعلاقات، يضمن للجزائر الاحترام والكرامة، فعليهم أن يذهبوا أيضا نحو مراجعة العلاقات الدبلوماسية إلى أدنى مستوياتها. ثم اتباع تخفيض التمثيل الدبلوماسي بإجراءات عقابية على صعيد العلاقات الاقتصادية بالخصوص، ثم التعاون الأمني.

سيقول قائل إن الأمور ليست بهذه السطحية والبساطة، وإن البلدان لا تُدار مثل البقَّالات. أقول، بلى، الأمور بأكثر من هذه السطحية، والبلدان تُدار بأنانية ووفق المصلحة أولاوأخيرا، يعني بقَّالات بشكل من الأشكال.

رد فعل الجزائر الرسمية غير مؤثر ولا يتناسب مع خطورة ما قال ماكرون الذي كان يعبّر بصوت عال عمّا يتداوله طيف واسع من السياسيين والمثقفين الفرنسيين بصوت منخفض. استدعاء السفير للتشاور إجراء قويّ لكن لا يكفي. تعليق عبور الطائرات العسكرية الأجواء الجزائرية مسألة رمزية، فأغلب الطائرات الفرنسية التي تنفذ عمليات في مالي والساحل الإفريقي أو تنقل عتادًا ومؤونة للقوات هناك، تنطلق من جيبوتي وتشاد ودول إفريقية أخرى، ولا تحتاج بشدة للمجال الجوي الجزائري. هذا علاوة على أن فرنسا بصدد إعادة ترتيب وجودها في مالي باتجاه تقليص عدد جنودها وعتادها، وذلك يرافقه حتما تراجع الحاجة إلى المجال الجوي الجزائري. إطلاق العنان لمسؤولي أحزاب لا مصداقية لها، مثل جبهة التحرير والتجمع الوطني الديمقراطي وحركة مجتمع السلم وغيرها، لمعايرة فرنسا وسَبِّ رئيسها، تفكير قديم وبائس. وأكثر بؤسا منه فسح وزير في حكومة الجزائر المجال لنفسه ليخاطب ماكرون بأن الفرنسيين كانوا يأكلون الجرذان عندما كانت الجزائر إمبراطورية بحرية!

لو تجرأت السلطات الجزائرية في الساعات التالية لصدور تقرير «لوموند» وأمهلت فرنسا 24 ساعة لتقديم توضيحات رسمية وعلنية، كان الأمور أخذت مسارا آخر، استجابت فرنسا أم لم تستجب. لو أخذت قرارا بعد 24 ساعة باستدعاء سفيرها وطرد السفير الفرنسي والإبقاء على التمثيل الدبلوماسي في مستوياته الدنيا، كان موقعها في الأزمة اليوم سيكون أفضل. لو ألغت عقود 200 شركة فرنسية من مجموع 400 مئة عاملة في الجزائر، بعضها في مجالات استراتيجية، وهدّدت بإلغاء المزيد بعد شهر، لجعلت السلطات الفرنسية في وضع أقلّ راحة وثقة في النفس مما هي اليوم.

على الجزائريين أن يُدركوا أن مكامن ضعف الدول الأوروبية، ووجعها الأكبر، اقتصادي ثم أمني. في سبيل صفقة اقتصادية تافهة لا تتورع أي حكومة أوروبية على الدوس على أقرب حلفائها وجيرانها في الفضاء الأوروبي وخارجه. التداخل العميق والمتعدد الأشكال الذي يشهده العالم في العقود الأخيرة أفقدَ البلدان القوية تميزها الاقتصادي وحمايتها، وجعلها هشّة وبحاجة للآخرين بغض النظر عن حجمهم وطغيانهم السياسي وتاريخهم وجغرافيتهم وأيديولوجيتهم.

هذا الواقع الجديد ألغى قدسية التحالفات وقيَم الجوار والتقارب. تأملوا السهولة التي باعت أستراليا فرنسا في صفقة «أوكوس» لصالح أمريكا وبريطانيا لتتأكدوا أن العالم أمسى بلا قدسية وبلا أخلاق. لو هددت الجزائر بإلغاء عقود شركات فرنسية، كانت ستأتيها مقابل كل شركة عشرة عروض، تحت الطاولة وفوق الطاولة، من أقرب الأقربين لفرنسا.. ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا ثم تركيا وماليزيا. الحكومات الغربية مأزومة ومستعدة للتنازل عن مبادئها والتزاماتها الأخلاقية مقابل مصلحتها ولقاء صفقات من شأنها أن تحفظ لها بضعة مئات من الوظائف لبضع سنوات إلى الأمام. ضمن هذا الإطار يجب تفسير تغوّل الديكتاتوريات العربية والعالمثالثية على أكبر الديمقراطيات واستهتارها بها. وضمن ذات الإطار يجب تفسير إصرار السلطات الفرنسية على ملاحقة كل مسؤوليها المتهمين بالفساد ومحاكمتهم وبهدلتهم (ساركوزي فرانسوا فيون وغيرهما) مقابل الترحيب بكبار الفاسدين من مسؤولين ووزراء أجانب، وبينهم جزائريون، ليودعوا ما نهبوا من ملايين من أموال شعبهم في المصارف الفرنسية.

لو أعلنت الجزائر على لسان رئيسها وقف التعاون الأمني والاستخباراتي مع فرنسا في يوم صدور كلام ماكرون، كان الأخير سيرد شخصيا في نفس اليوم مفسِّرًا أو معتذرا.

التجارب كثيرة وصارخة حاضرا وماضيا: لم يكسب السيسي ودّ الغرب بعد انقلاب 2013 وما تبعه من تنكيل بالمصريين إلا بفضل صفقات التعاون الأمني والعسكري مع الغرب، بتمويل خليجي سخيّ. لم تصمت السلطات الإيطالية على قضية مواطنها الطالب جوليو ريجيني، الذي تُتَّهم الأجهزة الأمنية المصرية باغتياله بداية 2016 في القاهرة، إلا حفاظا على صفقات سلاح مع القاهرة كانت روما تدرك أن ضغطها الشديد يقود إلى إلغائها لصالح حلفاء أوروبيين كانوا يتربصون الفرصة. لم تصمت الديمقراطيات الغربية عن تطرف رئيس الحكومة الهندي نراندرا مودي الديني والعقائدي، إلا لأنه فتح أبواب بلاده لصفقات التسلح مع كل مَن له قطعة سلاح للبيع.

معمر القذافي، الذي قال عنه العالم إنه مجنون، جلب رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق سيلفيو برلسكوني صاغرا إلى خيمته ليقنعه بأن تطبيع العلاقات في الحاضر في حاجة إلى تسوية الماضي التاريخي عبر تعويض مالي ومادي. ثم أملى عليه شروطا قبلها الإيطالي رغم احتجاج المجتمع السياسي في بلاده وذهول الحلفاء الأوروبيين. لم يبق للغرب المنافق من دول يستأسد عليها إلا بورما وفنزويلا وكوبا، لأنها فقيرة وبعيدة ولا مصالح كبرى له عندها، رغم أن هذه البلدان ليست أكثر دوسا على الحقوق والحريات من أخرى على أبواب أوروبا يصرخ مواطنوها المظالم والفساد ليلا ونهارا.

غير أن الكلام السابق كله يصطدم بحقيقة أن منظومة الحكم الجزائرية غير مؤهلة اليوم لتلقين فرنسا دروسا. وإنْ وُجد فيها من يريد فلن يستطيع لأن كثيرا من المسؤولين الجزائريين، في كل الأزمان، أودعوا لدى فرنسا من الأسرار الشخصية والسياسية والأخلاقية والمالية، أكثر مما أودعت فرنسا من مصالح اقتصادية في الجزائر. باختصار، لدى المسؤولين الجزائريين من دواعي الخوف أكثر مما لدى فرنسا.

توفيق رباحي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. Azul

    صراحة حزنت كثيرا برمي السيد سلآل في السجن لانه كثيرا يضحكنا بخرجاته ولكن الله عوضنا بعمو طبون روعة في الكوميديا يا ريت نسعه كل يوم مساء

  2. يالمروكي تبون اسم الراءيس الجزاءيري اما الطبون هو وقود اقتصاد المملكه الشريفه في مملكه امير الموءمنين

  3. يا كرغلي تسمية التي كان الاتراك العثمانيين يسمونك بها اثناء الاستعمار العثماني للجزائر هل يمكنك الجواب على السؤال التالي. Est-ce que tu peux nous parler des aggressions des viols et tortures sexuelles commises de manière quasi systématique par des soldats français sur les milliers de femmes algériennes et que la vérité demeuré tabou et un angle mort des recherches historiques dans votre pays la grande force frappante et qui ont donné naissance à des milliers de batards comme votre imminence C’est l’histoire d’un tabou algérien qui n’aurait jamais dévoilée ».

  4. المروكي رئيسه ملك وأنت رئيسك طبون ومزور

  5. Ali

    لقد تغيرت الكذبة و أصبحت حقيقة. مع فرنسا ظالمة او مظلومة .

  6. سام

    اعتراف الولايات الامريكية المتحدة بمغربية الصحراء بعثر بسياسة فرنسا الاستعمارية و اسقطها من عرش هيمنتها على شمال افريقيا و للحديث بقية

الجزائر تايمز فيسبوك