مأساة عهد بوتفليقة هي الأقرب إلى مأساة الجزائر بامتياز

IMG_87461-1300x866

لم يكن عبدالعزيز بوتفليقة شخصيّة سياسية جزائريّة عاديّة. بل هو، بعد هواري بومدين مؤسس النظام الأمني – العسكري القائم منذ خريف العام 1965، ثاني أهمّ شخصيّة في تاريخ الجزائر الحديث منذ استقلاها في العام 1962. يكفي أن مرضه في العام 2013 وتحوّله إلى رئيس مقعد لا يستطيع حتّى الكلام، كشف عمق الأزمة التي يمرّ فيها النظام الجزائري… بل الجزائر نفسها.

أمضى بوتفليقة عشرين عاما رئيسا للجمهوريّة في بلد ما زال يبحث منذ الاستقلال عن أدوار تتجاوز حدوده من أجل التغطيّة على أزماته الداخلية التي لن يستطيع الخروج منها يوما في غياب تغيير جذري في تركيبة النظام. لن يستطيع ذلك نظرا إلى أن النظام الذي أسّسه هواري بومدين كان، ولا يزال، نظاما غير قابل للحياة على الرغم من أن بوتفليقة نجح في مرحلة معيّنة، من موقع وزير الخارجيّة، في تلميع صورته في العالم. كان بوتفليقة طوال سنوات الوجه المضيء للجزائر، على الرغم من كلّ الأدوار السلبيّة التي لعبها، خصوصا في ما يخصّ قضيّة الصحراء المغربيّة، وهي قضيّة مفتعلة تعكس في جانب منها أزمة النظام البومديني الذي لا يزال قائما إلى اليوم. قد يكون ذلك عائدا إلى العقدة التي تملّكت بوتفليقة نظرا إلى أنّه ولد في المغرب وليس في مكان آخر.

توفّى بوتفليقة، الذي أبصر النور في مدينة وجدة المغربية القريبة من الحدود الجزائرية ومن مدينة تلمسان التي أتت منها عائلته، عن 84 عاما. عرف بوتفليقة حلو الحياة ومرّها، بما في ذلك النفي والملاحقة القضائيّة. أمضى سنوات عدّة بين جنيف وباريس وأبوظبي بعد رفع قضايا قانونية ضدّه وصدور أحكام في حقّه في عهد الشاذلي بن جديد الذي امتد من 1979 إلى 1992.

عاش بوتفليقة حياة سياسيّة طويلة في ظلّ هواري بومدين الذي جعل منه وزير خارجيته. في الواقع من عيّن بوتفليقة وزيرا للخارجية في العام 1963، كان أحمد بن بلّة، أول رئيس للجزائر بعد الاستقلال. كانت إقالة بن بلة لبوتفليقة بين الأسباب المعلنة للانقلاب الذي نفّذه بومدين في تشرين الثاني – نوفمبر 1965 ليصبح رئيسا ومهيمنا على كلّ مفاصل السلطة في الجزائر، عبر المؤسّسة العسكريّة وأجهزتها الأمنيّة… والدولارات التي مصدرها النفط والغاز. استخدمت هذه الدولارات في خدمة الدبلوماسيّة الجزائرية والترويج لشعارات من النوع المضحك المبكي عن التحرّر من الاستعمار وحقّ تقرير المصير للشعوب. حدث ذلك كلّه في وقت، كانت الجزائر تعيش في ظلّ نظام ستاليني (نسبة إلى ستالين) والانتقال من فشل إلى آخر في كلّ مجال من المجالات، بدءا بالزراعة والصناعة وانتهاء بالتعليم والتعريب.

لم يكتشف بوتفليقة الذي عاش في عالم خاص به، عالم وزارة الخارجيّة والدور الجزائري في المنطقة والعالم، طبيعة النظام الجزائري إلّا بعد فوات الأوان. كان يعتبر نفسه بعد وفاة بومدين في أواخر العام 1978، الخليفة الشرعي للرئيس الراحل. فوجئ بأنّ الجيش وأجهزته هو من يقرّر من سيكون الرئيس المقبل. اختار الجيش الشاذلي بن جديد ليخلف بومدين بصفة كونه الأقدم في حمل رتبة عقيد بين الضباط.

كان على بوتفليقة الانتظار سنوات طويلة قبل إعادة الاعتبار إليه. رفض في البداية شروط المؤسسة العسكريّة التي عرضت عليه الرئاسة في العام 1995. لم يكن بعد مستعدا لصفقة مع العسكر والأجهزة الأمنيّة، لكنّه عاد وغيّر رأيه في أواخر العام 1998 كي ينتخب رئيسا في نيسان – أبريل 1999 خلفا لليمين زروال الذي فضّل الاستقالة على البقاء رئيسا.

أمضى بوتفليقة عشرين عاما رئيسا. من أهمّ الإيجابيات التي تميّز بها عهده الطويل تحقيق المصالحة الوطنيّة وذلك بعد عشر سنوات من الحروب الداخلّيّة التي بدأت في تشرين الأوّل – أكتوبر العام 1988 لدى انتفاض الجزائريين على حكم الشاذلي بن جديد. أخذت الأحداث بعدا آخر أكثر خطورة بعد الانقلاب العسكري الذي أزاح بن جديد عن الرئاسة مطلع العام 1992 إثر تجاوبه مع فوز الإسلاميين في الانتخابات العامة.

تكمن مأساة عهد بوتفليقة، وهي مأساة جزائرية بامتياز، في أنّه بقي رئيسا طوال ست سنوات، بين 2013 و2019 على الرغم من عجزه عن ممارسة مهمّاته إثر اصابته بجلطة في الدماغ. وجد من يشغل موقع الرئيس مكانه. في الواقع وجدت مجموعة، على رأسها شقيقه سعيد، تمارس دور رئيس الجمهوريّة بغطاء وفّره الجيش ممثلا بالراحل أحمد قايد صالح. عندما وجد الجيش أن ورقة بوتفليقة لم تعد صالحة، أجبره على الاستقالة في نيسان – أبريل 2019 ومنعه من الترشّح لولاية خامسة مستوعبا بذلك الغضب الشعبي. أتت المؤسسة العسكرية برئيس مطيع هو عبدالمجيد تبّون لا يمتلك أيّ شرعيّة من أيّ نوع ليكون واجهة جديدة لها.

لعب الجنرال المتقاعد العربي بلخير في العام 1998 دورا كبيرا في إيجاد تسوية بين بوتفليقة والمؤسسة العسكرية مهدت لانتخاب الأوّل رئيسا في 1999 بعد استبعاد مسبق لمنافسيه. كان في مقدّم هؤلاء أحمد طالب الإبراهيمي وحسين آيت أحمد ومولود حمروش. ما ساعد بوتفليقة في السنوات الأولى من عهده ارتفاع سعر برميل النفط. مكن ذلك الجزائر من تسديد ديونها وبناء احتياطي من العملة الصعبة. لكن أمرين لم يتغيّرا هما الفشل المستمرّ في بناء قاعدة اقتصادية قويّة مستقلّة عن النفط والغاز من جهة والتمسّك بوهم القوّة الإقليميّة من جهة أخرى.

هذان الأمران اللذان لم يتغيّرا، إلى الآن، يمثلان ما تؤمن به المؤسسة العسكرية الحاكمة في الجزائر التي استفادت من عبدالعزيز بوتفليقة كي تعيد تأهيل نفسها. قبض بوتفليقة ثمن الغطاء الذي وفّره للمؤسسة العسكرية التي كانت في حاجة ماسة إليه في مرحلة معيّنة، لكنه سقط في امتحان الانسحاب من السلطة عندما تحوّل إلى رجل عاجز. انتهى نهاية لا يستحقها بعدما صار أسيرا لمحيطين به، بل رهينة لديهم. على رأس هؤلاء شقيقه سعيد، وكان بين الذين اعتقدوا أن عبدالعزيز بوتفليقة شخص لا يمكن الاستغناء عنه حتّى لو كان مقعدا.

لم يدركوا أن مأساة هذا الرجل أقرب ما تكون إلى مأساة الجزائر التي يرفض النظام فيها الاعتراف بأنّه في أزمة عميقة لا يخرجه منها الهرب إلى خارج الحدود الجزائرية.

خيرالله خيرالله

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. ابو نووووووووووووووح

    نددت منظمات غير حكومية شاركت في ندوة افتراضية، ن ظمت في جنيف على هامش الدورة الـ 48 لمجلس حقوق الإنسان، بالإفلات من العقاب الذي يستفيد منه المسؤولون عن جرائم التعذيب وحالات الاختفاء والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في مخيمات تندوف. وسلط المتدخلون، خلال هذه الندوة التي نظمت أمس الأربعاء، الضوء على أسوأ الانتهاكات التي ارتكبتها مليشيات "البوليساريو" في مخيمات تندوف، مستنكرين بشكل خاص حالات الاختفاء القسري والمعاملة القاسية واللا إنسانية للمعارضين في السجون، والاضطهاد المتواصل للمدافعين عن حقوق الإنسان، واختلاس المساعدات وتجنيد الأطفال، وحظر حرية التنقل. ودعوا المجتمع الدولي والمنظمات الدولية ومحبي السلام إلى التدخل لوضع حد للانتهاكات والممارسات اللا إنسانية الأخرى التي ت رتكب في حق الساكنة الصحراوية المحتجزة في صحراء تندوف، بهدف خنق الاحتجاجات والغضب الشعبي في المخيمات بكل الوسائل، مطالبين بالكشف عن مصير المفقودين ومحاكمة المسؤولين عن هذه الجرائم. وعرفت الندوة، التي أدارها رئيس منظمة ACI لحقوق الإنسان  (تتمتع بصفة استشارية لدى الأمم المتحدة )، ديانكو لمين، تقديم شهادات لضحايا سابقين لـ "البوليساريو" حول المعاملة اللا إنسانية والعنف والإهانة والقمع التي يتعرض لها المحتجزون في مخيمات تندوف وعمليات الخطف والتعذيب الجسدي والنفسي التي يرتكبها الانفصاليون في هذه المخيمات. من جانبه، ندد رئيس الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان مولاي لحسن ناجي باستخدام ميليشيات "البوليساريو" للعنف والقمع لحظر ممارسة حرية التجمع وتكوين الجمعيات والتهجير في مخيمات تندوف. أما رئيسة مؤسسة الجيل الجديد للتنمية البشرية، السيدة نور بوحنانة، فأعربت عن قلقها البالغ إزاء التجنيد المكثف للأطفال كجنود في ميليشيات "البوليساريو"، مشيرة إلى أن هؤلاء الأطفال "يجندون عقائديا بلا رحمة وبدون أي مسؤولية أخلاقية". من جهته، دعا السيد زين العابدين الوالي، رئيس المنتدى الإفريقي للبحوث والدراسات حول حقوق الإنسان، المجتمع الدولي إلى التدخل لفضح التعتيم على الانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان في مخيمات تندوف التي تتحكم فيها عصابة من الجلادين بقبضة من الحديد والنار. من جانبه، ندد المدافع الصحراوي عن حقوق الإنسان والمعتقل السابق في سجون "البوليساريو"، فاضل بريكة، بأجواء الترهيب والقمع في مخيمات انفصاليي "البوليساريو"، داعيا المجتمع الدولي للتدخل لوضع حد للفوضى السائدة في هذه المخيمات ولعمليات الخطف والتعذيب في مراكز الاعتقالات. بدورها، نددت رئيسة الجمعية الصحراوية لمناهضة الإفلات من العقاب في مخيمات تندوف، لمعدلة محمد سالم الكوري، بحالات الاختفاء القسري والانتهاكات التي ترتكبها مليشيات "البوليساريو" المسلحة؛ وقدمت شهادة مؤثرة عن قضية والدها المفقود في مخيمات تندوف. كما عبرت عن استنكارها الإفلات من العقاب الذي يستفيد منه الجلادون ومرتكبو الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وأعمال الخطف في مخيمات الانفصاليين

  2. الجزائر الا معتوه مدمن هذا هو قدرها حكمها واحد على كرسي والا مدمن كوكايين لا تنتظروا الخراب كلامهم عن ليس لاذر رماد في العيون الا يجدوا يقلون ويلهوا الشعب وهم تركتهم ينهبون مال الشعب

الجزائر تايمز فيسبوك