المغرب والجزائر: صراع الصحراء يتحول الى القبائل

IMG_87461-1300x866

الخلاف بين سلطات المغرب والجزائر من قضايا السياسة المعروفة في المغرب العربي، ومعلوم أن هناك أسبابا عديدة له، منها التاريخية، ومنها المتعلقة بالجغرافيا السياسية، ومنها ما يخص الطبيعتين المختلفتين للنظامين الملكي والجمهوري، وما يتفرع عن ذلك من طرق إدارة الحكم والرؤية إلى القضايا الداخلية والخارجية.

يعتبر موضوع الصحراء المغربية، ودعم الجزائر العسكري والسياسي والمالي لجبهة «بوليساريو» أحد أهم القضايا التي تسهم في تأجيج النزاع وإعطائه سياقا لأشكال أخرى من الخلافات، كما حصل في مارس الماضي حين أخلى الجيش الجزائري منطقة في إقليم فجيج الحدودي من فلاحين مغاربة كانوا مقيمين هناك منذ سنوات.

دخل هذا الخلاف منعطفا جديدا وذلك بعد مبارزة دبلوماسية حصلت بين البلدين خلال اجتماع افتراضي لمنظمة دول عدم الانحياز في منتصف الشهر الجاري، فبعد قيام رمطان لعمامرة الذي تحدث عن «حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره» تصدى له الممثل الدائم للمملكة المغربية في الأمم المتحدة، عمر هلال، الذي قال إن الوزير الجزائري الذي «يقف كمدافع قوي عن حق تقرير المصير، ينكر هذا الحق نفسه لشعب القبائل، أحد أقدم الشعوب في أفريقيا، والذي يعاني من أطول احتلال أجنبي». قامت الخارجية الجزائرية، بعد ذلك، بالرد على تصريحات السفير المغربي للأمم المتحدة، وبدا الرد، في مجمل فقراته، نسخة مقلوبة من الخطاب الذي ألقاه السفير المغربي، فردا على وصف سفير الرباط الدائم «البوليساريو» بـ«الجماعة الانفصالية المسلحة» اعتبرت الخارجية الجزائرية أن الرباط تقدم «دعما متعدد الأوجه لجماعة إرهابية معروفة» (المقصود هو «الحركة من أجل تقرير المصير في منطقة القبايل» التي يتزعمها فرحات مهني) وردا على اعتماد الأول على القرارات الأممية في تبرير موقف المغرب من الصحراء، ردت الخارجية الجزائرية بالقول إن التصريح المغربي «يتعارض بصفة صارخة مع القانون الدولي والقانون التأسيسي للاتحاد الافريقي».

يعتبر موقف الجزائر من «بوليساريو» وقضية الصحراء أحد الثوابت التاريخية في السياسة الجزائرية لتتبيت حكم العسكر ، فهو يعود إلى قرابة نصف قرن، أما الموقف المغربي فهو مستجد بشكل فاجأ أصدقاء وأعداء الطرفين، لكنه لم يتجاوز عمليا، حتى الآن، إطار الدبلوماسية الاستفزازية الكلامية.

قوبل هذا الهجوم الدبلوماسي برد عنيف من الخارجية الجزائرية، ومن الصعب – إذا لم تتطور الأمور نحو الأسوأ – تحول الكلام الاستفزازي إلى دعم حقيقي مغربي لدعوى انفصال القبائل في الجزائر، وبالتالي لا يمكن أخذ اتهام الخارجية الجزائرية للمغرب بـ«الاعتراف بالذنب» على محمل الجد، وينسحب الأمر على اتهام الرباط بدعم «الجماعات الإرهابية التي تسببت في إراقة دماء الجزائريين خلال العشرية السوداء».

يمكن تلمس جذور هذا التصعيد اللفظي المغربي غير المسبوق في عدة عناصر.

أحد هذه العناصر رغبة الرباط في الاستثمار دوليا بالموقف الأمريكي الذي حصلته من إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الذي يعترف (ضمن تفصيلات وشروط يعرفها الضالعون في معرفة جذور المسألة) بسيادة المغرب على الصحراء، والذي لم تحاول إدارة جو بايدن الانقلاب عليه لأسباب تتعلق بملفات اقتصادية وأمنية تتعلق بالمصالح الأمريكية في المنطقة الأفريقية، وسياسية، منها ملف التطبيع مع إسرائيل، وبالاندفاعتين الروسية والصينية في أفريقيا.

عنصر آخر في المعادلة يتمثل بقرار مغربي باعتماد سياسة هجومية في موضوع الصحراء، وهو ما تجلى بوضوح بخوض معركة مع إسبانيا بعد استضافتها لزعيم بوليساريو إبراهيم غالي، وقد أسفر الاشتباك السياسي عن تصعيد كبير مع مدريد استخدمت فيه قضيتا سبتة ومليلية المحتلتين، عبر السماح لآلاف الأشخاص بالعبور إلى سبتة سباحة (ودخول حوالى 200 شخص إلى مليلية مؤخرا).

أدت الضغوط المغربية المتصاعدة إلى إقالة وزيرة الخارجية الإسبانية أرانشا غونزاليس التي قادت المعركة ضد الرباط، ولابد أن المؤسسة السياسية المغربية لاحظت تشابها بين شخصية غونزاليس التصعيدية ضد المغرب، مع شخصية لعمامرة، الذي تعتبره الأوساط المغربية «معاديا» للمملكة ومناصرا شديدا لمنظمة بوليساريو ومطالبها باستقلال الصحراء الغربية.

ترتبط التوترات الخارجية، دائما، بتوترات داخلية، وتظهر مؤسستا البلدين السياسية والأمنية، رغم الفوارق الكبيرة بين النظامين، عسفا بالمعارضين لها، وانتهاكات حقوقية تنتقدها الجهات الأممية ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان، وتساعد التوترات الخارجية في «تصريف» حيز كبير من التوترات الاجتماعية والاحتقان الداخلي، والعكس صحيح.

يخلق هذا النزاع المستمر احتقانا كبيرا في منطقة الشمال والغرب الأفريقي تستخدمه جهات إقليمية ودولية لتسعير سباق التسلح بين البلدين، كما أنه يولد بيئة سياسية لنشوء التنظيمات المعادية للبلدين المتجاورين، ويغطي، بالتالي، على قضايا داخلية ملحة، وبذلك يؤثر سلبا على البلدين والشعبين، والخلاصة أن ما يؤذي المغرب يؤذي الجزائر أيضا، والعكس صحيح.

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. تصحيحا لما جاء في المقال أولا سلطات المغرب لا خلاف لها لا مع الجزائر ولا مع غيرها وما تعتبره خلاف سلطات البلدين هو في الحقيقة رد فعل طبيعي من السلطات المغربية على عداء دولة منذ استقلالها بدعم ومساعدة المغرب والمغاربة وهي تحاربه على جميع الجبهات حاربته عسكريا وانهزمت وحاربته ديبلوماسيا وانهزمت وحاربته اعلاميا وانهزمت.. والمغرب طيلة هذه السنوات وهو صابر على حماقة كيان مريض وضعته فرنسا بجواره لعلى وعسى أن يراجعو أنفسهم ويتخلصو من مرض جنون العظمة الذي يتملك الجزائريين جميعهم لكن بعدما فقد الأمل نهائيا فيهم كان من الضروري من تغيير سياسته من سياسة المهادنة إلى سياسة عدائية والرد بالمثل على كل آذى يلحقنا منهم ورغم أن ما صرح به سفير المغرب بالأمم المتحدة كان مجرد تصريح لم يصل للدعم المالي والتسليح ووو كما تفعل الجزائر مع عصابتها لكن لقي تصريح السفير صدى عالمي وشفنا فيديو لبرلماني كندي يعترف بحق شعب القبائل في الاستقلال وهذا كافي كي تعرف الجزائر مدى قوة المغرب الذي مجرد تصريح عن القبائل جعلها قضية عالمية فماذا لو فعل مثلها وقام بدفع الاموال لدول العالم وللمنظمات والإعلام الدولي للاعتراف بها والدفاع عنها ؟؟؟ والتصحيح الثاني ذكر المقال عن الأسباب من بينها التاريخية ! ! ! وهل للجزائر تاريخ كي يكون لها صراع تاريخي مع المغرب؟؟ الجزائر عاشت تاريخها كله تابعة ومستعمرة ولا مشكلة تاريخية لنا معها لأن لا مكان لها في التاريخ أما عن الطبيعتين المختلفتين للنظامين فالأردن الشقيقة مثلا ملكية وجيرانها فلسطين ولبنان وسوريا جمهوريات لكن لا مشكلات ولا صراعات بينهم أما الجزائر فكل جيرانها جمهوريات ماعدا المغرب لكن كلهم لها مشاكل معهم وصلت أحيانا للحرب وهذا يعني أن المشكل ليس تاريخي ولا في اختلاف النظامين وإنما المشكل في عقلية ونفسية الجزائريين المريضة والمثقلة بالعقد النفسية عاشو تاريخهم كله مستعمرين وعندما أصبحت لهم دولة اعتقدو أنهم حققو ما لم يسبقهم إليه أحد فأصيبو بجنون العظمة بأنهم الأقوى والأشجع في العالم وهذا الجنون بالعظمة يجعلهم لا يتقبلون من هو أقوى منهم خاصة بمحيطهم لأنه يشعرهم بالنقص وهذا ينطبق على المغرب البلد الذي يملك تاريخ عظيم وقوة وعراقة وموقع استراتيجي قل نظيره بالعالم ووو ولهذا يحاربون وحدته واستقراره لأنهم يريدون مغربا صغيرا وضعيفا ومنهارا بجوارهم كي يكونو لعبة بين أيديهم كباقي جوارهم الذين أصبحو يعبثون بأمنهم وسياساتهم كيفما شاءو ويريدون للمغرب أن يكون مثلهم كذلك وهذا الذي يستحيل أن يتحقق لهم والتقسيم والضعف الذي يتمنونه للمغرب سيكون مصيرهم ومصير بلادهم.. وأخيرا ما يؤذي المغرب يؤذيه وحده هو وشعبه فقط وما يؤذي الجزائر لا علاقة لنا به نحن المغاربة لكننا نتمنى من الله أن يسقطها في كل الحفر التي تحفرها للمغرب هي وكل أعدائنا

  2. Yuceff

    ".. ومن الصعب – إذا لم تتطور الأمور نحو الأسوأ – تحول الكلام الاستفزازي إلى دعم حقيقي مغربي لدعوى انفصال القبائل في الجزائر." النظام الجزائري يعرف أكثر من غيره أن الرباط لا تعطي إنذارات مجانية لمجرد الاستفزاز والتهليل الإعلامي ثم بعدها تتراجع، بل على العكس تماما، لأنه لو كان الأمر كما يظن المحلل  (الذي لا نعرف سبب خوفه من التوقيع باسمه )، لما استمرت المعركة بين المغرب واسبانيا والتي كما تابعنا جميعا، شهدت نزول الاتحاد الأوروبي بكل ثقله لإجبار المغرب على التنازل، الشيء الذي قابلته الرباط بمزيد من التصعيد تجاه مدريد وجدت معه اسبانيا نفسها عاجزة عن المناورة ومهددة بحصار اقتصادي ودبلوماسي لم ينفع معه وقوف التكتل الأوروبي خلفها، ونفس الشيء ينسحب على ألمانيا التي لم تفهم سبب عدم تأثير كل أوراق الضغط لديها على موقف الرباط الذي لا زال كما هو بل حتى وقف المساعدات المادية الضخمة التي كانت تقدم للجمعيات المدنية  (... ) لم تحدث في موقف الرباط أي خدش، وهو ما يفسر لجوء ألمانيا ومعها بعض الدول الأخرى إلى رفع وتيرة الهجوم على المغرب مستخدمين أسلحة الإعلام والمنظمات الحقوقية  (.. ) وبالتالي فالدول الأوروبية اليوم أكثر اقتناعا أن في استقلالية قرار بلد اسمه المغرب، نموذج ستتبناه دول فريقية أخرى، وستصبح معه مصالحها الاستراتيجية على كف عفريت. وأخيرا ورغم كل هذا تبقى الجزائر وحدها تعرف خطورة تحذيرات المغرب، لأنها منذ ولادتها ولِدت مصابة بمرض فتاك إسمه المغرب، كل شيء فيه يسبب لها الألم والعذاب، إسمه وتاريخه العريق وملاحمه ومعاركه التي لا تُعد على امتداد القرون وإرثه الثقاقي والحضاري الإسلامي، ووو... كل شيء تجده في المغرب يقابله نقص وإحساس بالدونية في نفوس شعب بومدين الحلوف، وهذا الهوس المزمن ببلد اسمه المغرب هو بالتحديد ما يجعل النظام القائم في الجزائر أكثر نظام يأخذ حركات وسكنات وإشارات وتحذيرات المغرب على محمل الجد، وخصوصا عنصر المبادرة لدى جُيوش المغرب، هذا العنصر هو أكثر ما يخيف الجزائر واسبانيا معا، فكلاهما لديه معه تاريخ أسود، لذلك وجب التذكير هنا بأنه لا مصلحة لدى الرباط في إثارة مسألة الشعب القبائلي إن لم يكن هناك فعلا استعداد للتعاطي الجدي مع قضية القبائل ودعمها سياسيا ودبلوماسيا في حال ما إذا قررت الجزائر التمادي أكثر في هذه المغامرة/الورطة التي أوقعها فيها القذافي، والتشبث بخازوقه الذي تركه في أحشاء بومدين ومعه أحشاء باقي شعبه إلى اليوم.

الجزائر تايمز فيسبوك