أبناء الجنوب في الجزائر لا يطالبون فقط بمنصب عمل بل يريدون حقهم من الثروة التي توجد تحت أقدامهم

IMG_87461-1300x866

ما يحصل في جنوب الجزائر هذه الأيام، من احتجاجات ومسيرات شعبية، ليس جديدا، لا من حيث أشكاله التعبيرية، ولا من حيث مطالبه، ولا من حيث القوى الاجتماعية الحاملة له والمدافعة عنه، رغم ذلك ما زالت هذه الاحتجاجات تثير استغرابنا ودهشتنا، كل مرة تعود فيها إلى السطح، عكس احتجاجات أهل الشمال التي تعودنا عليها، حتى وهي تصل إلى قمتها هذه الأيام، في طرحها لقضايا قديمة – جديدة، كمسألة انقطاع الماء وغيره من الهموم اليومية التي ظهرت بقوة، كما كان متوقعا، بعد أن خفت الحراك السياسي، ليزيد من عمق أزمة الانتقال السياسي، المعطل في الجزائر.

نتعجب من حراك أهل الجنوب، ذي الصبغة الاجتماعية الغالبة حتى الآن، الذي يقوده الشباب وتؤيده أغلبية الساكنة، لأننا لم نتخلص من تلك النظرة التي نحملها لأهلنا في الجنوب، بأنهم ناس طيبون هادئون تعودوا على استقبال ضيوفهم الرسميين، بالزرنة والبندير، وولائم المشوي التي عادة ما تنتهي بهدايا للوفود الزائرة، على شكل برنوس وبر لرئيس الوفد، بعد الانتهاء من لقاء بعض الأعيان وممثلي الزوايا، كجزء أساسي من الديكور، الذي ما زالت تصر عليه، هذه النظرة المستمدة من أعماق القراءة الأنثروبولوجية النيو- كولونيالية، تبنتها بعد الاستقلال المؤسسات الرسمية للدولة الوطنية ونخبها الرسمية.

صورة نمطية، يملكها أهل الشمال، تم فرضها على مؤسسات الدولة المركزية وهي تتعامل مع مواطني الجنوب، الذين يتم النظر اليهم كمجتمع ساكن، لا يتحرك، لا يتغير ولا يطالب خاصة، حتى بعد بناء الجامعات في الكثير من مدنه، وتخرج مئات الألاف من الطلبة من الجنسين، منذ عقود، وانتشار العمل المأجور، وخروج المرأة للدراسة والعمل، كما هو حاصل في الشمال، وبقية الكرة الأرضية بكل التحولات الديموغرافية العميقة التي يفرزها، تحولات لم يرها المسيّر الرسمي الذي ما زال يعتقد أن أهل الجنوب ما زالوا قبائل، تمثلهم بالضرورة زاوية ورجل دين تقليدي وأعيان، لابد من طلب تدخلهم لتهدئة الأمور، كلما ثار هؤلاء «القناديز» والمريدين، عقودا طويلة، بعد ظهور الحزب، النقابة والجمعية، في كل التراب الجزائري. الجنوب ما زال يعاني من آثار ضعفه الديموغرافي وبعده الجغرافي والنفسي، عن مراكز القرار السياسي والاقتصادي، في نظام يعقوبي شديد المركزية واقتصاد ريعي، ما جعله يزيد كل مرة، في القيمة التعبيرية لحركاته الاحتجاجية، باللجوء إلى نوع من العنف الرمزي ـ النار- كوسيلة لطلب الحوار والتفاوض، حول مطالب أبنائه القديمة. جنوب ما زال التعامل معه وكأنه وحدة متجانسة، رغم تنوعه الثقافي اللغوي والسوسيولوجي، الذي عرف كيف يتعايش معه منذ قرون، رغم الاستفزازات التي يتعرض لها، كما يحصل بشكل دوري في ولاية غرداية. جنوب بدأت ملامح التغيير في السلوك السياسي لأبنائه، منذ سنوات – لم تتم قراءة ذكية لها – ليس عن طريق الحركات الاحتجاجية المتكررة فقط، بل كذلك من خلال التغييرات الحاصلة في نمطه الانتخابي الذي تعودت مؤسسات الدولة على التعامل معه بشكل سطحي جدا، في غياب نخب سياسية فاعلة، تأخرت في الظهور، نتيجة معطى تاريخي، ثقيل مرتبط بتأخر ظهور التعليم في هذا الجنوب الواسع، مقارنة بمناطق الشمال، ما عطّل ظهور نخب عصرية فاعلة وممثلة، كان يمكن أن تؤطر هذا الحراك السياسي والمطلبي وتمنحه معاني سياسية أكثر وضوحا، كما هو الحال في الشمال. تحولات في السلوك الانتخابي، تقترب من النمط الانتخابي، لأبناء الهضاب العليا، الذي يقترب بدوره من ذلك السلوك الانتخابي لأبناء الشمال، الذي تكرس كسلوك معارض، كما بدأت تعبر عنه نتائج ولايات مثل الجلفة والأغواط، التي بدأت في اللجوء إلى المقاطعة والتصويت بلا، على مشاريع السلطة، كما كان الحال، في آخر استفتاء حول الدستور، ما يعني أن هذه التحولات الملاحظة على السلوك الانتخابي لمواطني الجنوب والهضاب العليا، سيكون هو مجال الصراع السياسي الأهم الذي سيمنح الصورة السياسية النهائية للجزائر السياسية، على المديين القصير والمتوسط، حين تلتحق بالاتجاهات الثقيلة الحاضرة في السلوك الانتخابي لأبناء الشمال. جنوب يصدق ببلاهة، الخطاب السياسي الرسمي، أن أبناءه يخرجون للتظاهر والاحتجاج الدوري، منذ سنوات فقط، من أجل الحصول على مناصب عمل، في شركة النفط، التي استولى على مقاليد السلطة فيها أبناء الشمال، يشغّلون فيها أبناء «دشرتهم» حتى عندما يتعلق الأمر بمناصب العمل الأقل تأهيلا، خطاب يتغافل عن عمق مطالب أبناء الجنوب، التي تحيل في حقيقة أمرها إلى ما هو أعمق من منصب عمل، من السهل تلبيته، بسبب الديموغرافيا الضعيفة في هذه المناطق، فما هو مطروح في الجنوب، أو هكذا على الأقل يجب النظر إليه، كمسألة المواطنة الكاملة، التي يطالب بها الجزائري في الشمال وبقية مناطق الوطن الأخرى، كما يحلو لأبناء الجنوب التعبير، وهم يقلدون الخطاب الإعلامي الرسمي، عندما يتحدث عن التوقعات الجوية التي لا تذكر أغلبية مناطق الجنوب الواسع إلا بهذه الصفة، «بقية المناطق الأخرى»، رغم أنها تمثل الجزء الأكبر من جغرافية هذا البلد الشاسع، الذي لم يعد من المعقول تسييره بهذا النمط اليعقوبي المركزي.

أكثر من نصف قرن من الاستقلال، تجلت فيه بوضوح، كل عيوب هذا النمط من التسيير الذي لا يراعي لا خصوصية جغرافية ولا ثقافية ولا اقتصادية، لم يتقلص فيها خوف النظام السياسي، من مطالب الجزائريين، وهم يلًحون على علاقات جديدة مع مؤسسات دولتهم الوطنية، التي يريدونها واحدة موحدة، عكس ما عبرت عنه سقطة المخزن المغربي الأخيرة، غير محسوبة العواقب وهي تتكلم عن «استعمار جزائري» لمنطقة القبائل، يمكن أن تنسف ما تبقى من أواصر أخوة بين الشعبين الجزائري والمغربي، في هذا الظرف الإقليمي المضطرب الذي يراد فيه للجنوب الجزائري، التحول إلى بؤرة توتر ومجال للاختراقات، من كل نوع، من قوى ليست بالضرورة إقليمية فقط، كما يظهره ما يحصل في دول الساحل، التي يفرض فيها تطور الأحداث من الجزائر قراءة عاقلة ذات بُعد استراتيجي، لا تسقط في فخ هذه اللحظة السياسية المضطربة، حتى يستمر الجنوب الجزائري بعمقه الافريقي في العمل كجسر للتواصل بين شعوب المنطقة ودولها، اعتمادا على تراث الجزائر التاريخي الذي كان دائما لصالح الشعوب.

ناصر جابي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. film

    إنها "طبونستان الجديدة" :ثورة العطش تنضاف للحراك.إرتفاع التوثر بمدينة ملوزة بولاية المسيلة.عصابة جنرالات الكوكايين الهرمة الفاشلة إهتمت بحفر آبار النفط والغاز لنهب الثروات بدل حفر آبار المياه وإيجاد حل لأزمة الماء الصالح للشرب. القوات العمومية الجزائرية تلجأ الى قمع االمتظاهرين السلميين تم تسجيل جرحى وسط المتظاهرين.عصابة جنرالات كهلة فشلت في جميع الميادين.هزمتها البطاطا والحليب المغشوش.. فهل سيشرب المواطن الثائر نفطا بدل الماء؟

  2. القمري  ( الامبراطورية المغربية  )

    السؤال المحير هو متى يسيقض سكان الصحراء الازواد والطوارق ليطالبوا باستقلالهم عن الكيان الجزائري و بقوة السلاح وارضهم تنهب بشكل فضيع وبشع وهم يعيشون عيشة البهائم في مدن اقل مايقال عنها انها مداشر في غياب ابسط مقومات الحياة الكريمة مداشر لو يعلم بها الفلسطينيون يبكون عليهم دما ---- استفيقوا يامخلوقات فعيشتكم لا تتعدى عيشة ذبابة في بطانة خروف نثنة

  3. سَتَمُوتُ دَوْلَةُ لَالِيجُو بِنَفْسِ الشَّيْئِ الذِي يُبَرِّرُ بِهِ الكَابْرَانَات تَدَخُّلَهُم السَّافِر فِي الصَّحْرَاء الْمَغْرِبِية بَعْدَمَا حَرَّرَها المَغَارِبَةُ بِمَسِيرَتِهِم الخَضْرَاءِ و الْغَرَّاءِ و المُظفَّرَة. ................................................................................................................................ ما هو مُبَرِّرُهُم ؟ جَوَابُهُمْ : قضية الصحراء المغربية مُسَجَّلَةٌ لدى الأمم المتحدة  ! ................................................................................................................................ و هذا جوابنا : شَعْبُ القَبَائِلِ يَتَشَكَّلُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ 7 ملايين نَسَمَةٍ بِمَا فيهم المليون نَسَمَة للجالية القبائلية في الخارج. فَبَعْدَ زِلْزَالِ عمر هلال الْبَطَل، لا شيئ يَمْنَعُ القبائل الذين لَهُمْ أَرْضٌ و هُوِيَةٌ و شَعْبٌ مِنْ تسجيل قَضِيَتِهِم لدى الأمم المتحدة. و هكذا سَتَمُوتُ أفاعي الكابرانات بِسُمُومِها التي تُحَاوِل بِهَا، فاشِلَةً بِالطَّبْع، تَفْكِيكَ وَحْدَتِنَا التُّرَابِيَة. ................................................................................................................................ لا مجال للمقارنة لشَعْبٍ أَصِيلٍ و مُتَأَصِّل و مُكَوَّنٍ من أكثر من 7 ملايين قبائلي بِشِرْذِمَةٍ من المُرْتَزِقَة و الشَّارِدِين الجَوْعَى جَمَعَهُم الكابرانات مِنْ كُلِّ حَدَبٍ و صَوْب في الصحراء الكبرى و الساحل و الجَزائِرِ نَفْسِهَا و سَجَنُوهُمْ كَالْبَهَائِم في مُعَسْكَرَات الاِعْتِقَال النَّازِيَة بِتِنْدُوف و سَمَّوْهم بالشعب الصحراوي لِيُتَاجِرُوا بِهِم فِي مُعَاكَسَةِ الوَحْدَةِ التُّرَابِيَة لِمَمْلَكَتِنَا الشَّرِيفَة. ..................................................................................................................................... في دَوْلَةِ الكابرانات ثَلَاثُ شُعُوبٍ فَقَطْ وَاعِيَةٌ بِنَفْسِهَا أَصْلاً وَ فَصْلاً وَ ثَقَافَةً وَ تَارِيخاً وَ انْتِمَاءً : القَبَائِل، و الطَّوَارِق و المَغَارِبَة الذِينَ مَا زَالُوا تَحْتَ احْتِلَالِ دَوْلَةِ عَسْكَر لَالِيجُو بَعْدَمَا ضَمَّهُمْ الاِسْتِعْمَار وَ أَرْضَهُمْ إلى الجَزَائِر الفَرَنْسِيَة. ..................................................................................................................................... اِفْتِكًاكُهُمْ مِنْ هَيْمَنَِة النِّظَام الدِّكْتَاتُورِي لِلْكَبْرَانَات قَرِيبٌ بِعَوِْن الله وَ بِمَشِيئَتِه. مَا ضَاعَ حَقٌّ مِْن وَرَائِهِ مُطَالِب.

  4. محمد المغارببي

    نظام الجينيرالات اشغل الجزائر على مدى 50 سنة بالعداء للمغرب وسرق الاموال وتهريبها للخارج وغيب الجزائر بشمالها وجنوبها من التنمية وحان الوقت ليتحاسب مع الشعب الجزائري شماله وجنوبه

  5. على ابناء الجنوب الجزاءري. ان يقارنو بين صحراءهم والصحراء.المغربية التي يريد نضام الكربونات فصلها عن البلد الأم و شتان بينهم من حيث الثروات ومع ذلك يوجد فرق شاسع استيقدتم روتال يا شعب الجنوب الجزاءري انطلت عليكم حيلة الشعارات الفارغة ومقولة اللنيف استحودت على مشاعركم

الجزائر تايمز فيسبوك