لعبة تدوير المناصب في الحكومة الجزائرية الجديدة

IMG_87461-1300x866

شهد تشكيل الحكومة الجديدة في الجزائر سخطا جماهيريا خاصة بعد إعادة  رمطان لعمامرة للشؤون الخارجية وعبد الحكيم بلعابد وزيرا للتربية المحسوبان على نظام بوتفليقة السابق من جهة بقاء عدد من وزراء الحكومة السابقة رغم فشل بعض الوزارات في استجابة تطلعات الشعب الجزائري ومطالب الحراك، وهو ما قد يوحي إليه موقف حركة مجتمع السلم ” التيار الاسلامي الأكثر حصولا على عدد المقاعد متفوقا على بقية التيارات الإسلامية برفضه المشاركة في الحكومة الجديدة مما يعكس حقيقة التغيير الذي لم ولن يؤمن به الشارع الجزائري في جزائر وصفت بالجديدة، لأن هذا الجديد المرتقب في كل مرة سرعان ما يسقط في “لعبة تدوير المناصب الوزارية” كموجة استفزازية أخرى تضاف إلى اخفاقات السلطة برئاسة عبد المجيد تبون مقابل استمرار الإحتجاجات وتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للمواطن الجزائري وثقل الملفات التي تنتظر الحكومة الجديدة برئاسة أيمن بن عبد الرحمان  سواء على المستوى السياسي، أو الاقتصادي، أو الاجتماعي، وهو ما يجعل مأمورية الحكومة معقدة.

رهان الأزمات الداخلية

تواجه الحكومة الجزائرية الجديدة- التي وصفت بحكومة التكنوقراط- في ظل أصعب المراحل التي تمر بها الجزائر  أمام الانقسام القائم في التوجهات والمواقف عددا من التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التنبؤ بالفشل فيها يجعل منها حكومة انتحارية، ولعل أبرز الرهانات التي تقوض نجاح  الحكومة الجديدة  هو الوضع الاقتصادي المتردي منذ تهاوي أسعار النفط بسبب انتشار وباء كورونا، أضف الى ذلك تجذر  الفساد الذي ورثته الدولة الجزائرية عن حقبة الرئيس السابق عبد العزيز  بوتفليقة وتردي الوضع الاجتماعي وتآكل احتياط الصرف، لذا يعول الرئيس تبون على أيمن بن عبد الرحمان بوصفه خبيرا اقتصاديا أن تجسد قيادته للحكومة الجديدة  حلولا ناجعة على المتوسط القريب  من أجل إنعاش الاقتصاد الجزائري على غرار تشجيع الاستثمار، و التحكم في فواتير الاستيراد التي تنخر الاقتصاد الجزائري من خلال محاربة تضخيم الفواتير والقضاء عليها، ولعل التحدي الأكبر هو تلافي الذهاب الى خيار الاستدانة الخارجية، من جهة أخرى وضع حلول  ضد تآكل القدرة الشرائية، وضعف الدخل الفردي وتنامي البطالة وكيفية تفعيل سياسات التعاون الاقتصادية و الخارجية، ومع ذلك فإن ربط الاقتصاد والميزانية المالية للدولة بسعر برميل البترول يعد من أبرز العقبات التي تصطدم بها الحكومة الجديدة  للسير قدما نحو اقتصاد بديل في انتظار  ما ستسفره الأيام القادمة.

في حين ستحمل الحكومة الجديدة على عاتقها ملفات اجتماعية وسياسية ثقيلة عجزت الحكومات السابقة في إيجاد حل يقلل من حدتها على غرار أزمة البطالة والسكن والصحة والتعليم وأزمة الحريات التي ارتبطت بالحراك الشعبي، والهجرة غير الشرعية -التي زادت نسبها مؤخرا- وتحسين القدرة الشرائية، ومشاكل التنمية، كل هذه الرهانات تنذر  على أن المرحلة القادمة بقيادة الحكومة الجديدة  لن تختلف كثيرا عن سابقتها، وأن التأكيد على مرحلة انتقالية في الجزائر قد  تصبح  مجرد إشاعة لنرجسية جوفاء، ومزايدة لفظية لم تعد تصلح  للاستهلاك الداخلي.

رهان التوازنات الاقليمية

مما لا شك فيه أن العلاقات الجزائرية الفرنسية لن تشهد انفصالا كليا، لكن يتحتم على الجزائر أن تتجه نحو توطيد علاقاتها الاقتصادية مع أطراف اقليمية ودولية قديمة وجديدة تواكب توازنات المرحلة الراهنة على غرار الصين، الولايات المتحدة الأمريكية، روسيا، ألمانيا، قطر، تركيا، ودول إفريقية ” دول غرب افريقيا” لذا فإن إعادة رمطان لعمامرة كأبرز الدبلوماسيين الجزائريين والأفارقة- رغم أنه لم يلقى ترحيبا كبيرا لدى الشارع الجزائري- جاء من أجل تعزيز مساعي الدبلوماسية الجزائرية وإعادة بعث دور الجزائر في المنطقة خاصة دورها المغاربي والافريقي  المحوري في ليبيا و منطقة الساحل الافريقي، ومع ذلك تواجه السياسة الخارجية الجزائرية عقبات جمة، إذ  لا تزال العلاقات المغربية تمثل حجر عثرة  في بث روح جديدة للاتحاد المغاربي، كما تشكل مسارات حل الأزمة الليبية، و قضايا الساحل الإفريقي، و القضية الفلسطينية حيزا كبيرا  من اهتمام الدبلوماسية الجزائرية، وتحديا يعكس مدى نجاحها أو اخفاقها، فعلى صعيدنا الشخصي نتوقع انفراجا في العلاقات المغربية في المستقبل القريب جدا رغم التوترات الأخيرة لأن نجاح الدبلوماسية الجزائرية في المرحلة القادمة  يقتضي مراجعة سياسات الجوار، ونبذ كل الخلافات العالقة في منطقة المغرب العربي، أما على صعيد الدبلوماسية الإقتصادية،  فإن انضمام الجزائر إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية  في 2019 سيحمل  دينامية جديدة  للإستثمارات الاقتصادية والتجارية الجزائرية الصينية من شأنها انعاش الاقتصاد الجزائري عبر مشاريع ضخمة تربط بين مصالح البلدين خاصة وأن الجزائر تعد البوابة الإفريقية للنفوذ الإقتصادي الصيني، بينما سنشهد على المستوى الإقليمي تقارب أكثر للعلاقات الجزائرية القطرية التركية عبر بوابة الأزمة الليبية،أما على الصعيد الأوروبي تحاول ألمانيا توسيع العلاقات مع الجزائر من خلال بعض المشاريع خاصة المتعلقة بالطاقة النظيفة، و على الصعيد الدولي ستشهد العلاقات الاقتصادية الأمريكية مرحلة جديدة تراهن عليها إدارة بايدن في إفريقيا ككل عبر بوابة شمال إفريقيا من أجل تعزيز التعاون التجاري والأمني خاصة وأن تجربة الجزائر جعلتها من أبرز الشركاء الدوليين في محاربة الإرهاب أمام انحسار الدور الفرنسي وتزايد النفوذ الروسي والصيني في المنطقة، ودخول لاعبين اقليميين جدد على غرار تركيا، وبالتالي فإن المطلوب من  السياسة الخارجية بقيادة رمطان لعمامرة ضمان تجسيد أولوياتها الإقتصادية بالدرجة الأولى وهو المعول عليه، ثم تعزيز القضايا السياسية بالدرجة الثانية من خلال لعب أكثر الأوراق الدبلوماسية ربحا إذا توفرت النية والإرادة في التغيير، لذا  المراد من الدبلوماسية الجزائرية اليوم أن تكون أكثر نضجا من ذي قبل إذا أرادت فعلا تصحيح كل  المسارات المتعثرة وعلى السلطة و الحكومة الجديدة أن تخرج من مأزق سياسة التدوير الوزاري.

سامية بن يحي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك