هل تُصلح العدالة التونسية ما أفسدته السياسة؟

IMG_87461-1300x866

شهدت تونس هذا الأسبوع حادثتين مثيرتين للجدل، تمثلت الأولى بلجوء نواب حزب “قلب تونس” باقتحام مكتب قاضي التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي للضغط عليه بهدف إطلاق سراح رئيس الحزب نبيل القروي، وهو ما دفع جمعية القضاة للتنديد بـ”احتلال” مكاتب القضاة من قبل السياسيين.

فيما تجلّت الحادثة الثانية بقرار مجلس القضاء العدلي إنهاء إلحاق القضاة برئاستي الجمهورية والحكومة، وهو ما عدّه المراقبون بمثابة “انتفاضة” لممثلي العدالة ضد الطبقة الحاكمة في البلاد.

الحادثتان -وإن بدتا مختلفتين ظاهرياً- إلا أن ما يجمعهما هو التحول النوعي في موقف القضاء التونسي والذي يبدو أنه قرر أخيراً خوض معركة استقلاله عن مؤسسات الحكم، في وقت يجتهد فيه السياسيون في تطويع القضاء لمصلحتهم.

وكانت جمعية القضاة التونسيين استنكرت  في بيان لها لجوء نواب حزب “قلب تونس”، وفي مقدمتهم سميرة الشواشي، نائب رئيس البرلمان بـ”احتلال مكاتب القضاة من قبل السياسيين وقيادة حملات الضغط والتهديد المباشرين عليهم في مظهر مس بأمنهم الشخصي وأمن القطب ومحتوياته من الملفات الحسّاسة، ومُخل بشكل فاضح ومُشين بسير القضاء وباستقلاله”، مطالبة بـ”الايقاف الفوري لكل الاعتصامات بمكتب قاضي التحقيق المتعهّد بالملف بالقطب الاقتصادي والمالي وتحمّل السلطة التنفيذية ممثلة في وزارتي العدل والداخلية المسؤولية كاملة فيما قد ينجر عن ذلك من تداعيات خطيرة”.

كما دعت المجلس الأعلى للقضاء والمشرفين على القطب الاقتصادي والمالي للتحرك السريع لـ”وضع حد حيال هذه التطورات الخطيرة، وتطبيق القانون  في نطاق الشفافية وإنارة الرأي العام حول حقيقة مستجدات المسار الإجرائي للقضية باعتباره خارج حدود مبدأ سرية الأبحاث”.

وكتب الوزير السابق مهدي مبروك على صفحته عبر فيسبوك:  “القضاء لا تُخاض معارك استقلاليته تحت الحصار،إنه يخوض معركته هذه من داخله أولاً”.

وتابع” ضمير القاضي، هياكل وجمعيات عين ساهرة، تكوين علمي متين، مكانة اجتماعية لائقة لسلطة نطمئن إليها (ليست آلهة طبعا أو خارج المجتمع أو فوقه).

مستكملاً القول” تخاض معركة استقلاليته من خارجه أيضا من خلال رقابة مجتمع مدني يؤمن أن قضاءه وهو يستقل عنه يضمن استقلال أفراده وجماعاته كمتقاضين وغير متقاضين”.

وتساءل : ما ذا يعني ان “ينصف” السيد نبيل القروي ويطلق سراحه والقضاء محاصر بالشتيمة والقذف والشعارات وجموع تتوعده القضاء الذي “ينصف” المتهم أو يتشفى منه تحت الحصار، قضاء غير مستقل حتى ولو خيل للبعض ذلك، معركة استقلالية القضاء لا تخاض تحت الحصار، القضاء غير المستقل لا يتعافى تحت الحصار، أي صورة نقدمها لأبنائنا ولعموم المواطنين والقضاء يحاصر؟”.

من جانبها، استنكرت منظمة “أنا يقظ” المتخصصة بالشفافية والتي تقدمت بقضية ضد القروي بتهمة التهرب الضريبي،”تدخّل السلطة التشريعية ممثلة في شخص سميرة الشواشي النائب الأول لرئيس مجلس نواب الشعب إلى جانب عدد من نواب كتلتي النهضة وقلب تونس في قرارات القضاء من خلال محاولات الضغط والتأثير على مجريات القضية (ملف نبيل القروي) وتسييسها مما يضرب مبدأ الفصل بين السلط واستقلاليّة القضاء”.

كما عدّت أن “إقدام نبيل القروي على الاعتصام والإضراب قصد التأثير على مسار التقاضي ما هو إلا دليل على استنزاف فريق الدفاع لكل الحجج القانونية التّي باءت بالدحض القضائي لضعفها ومجانبتها للصواب”، محذرة من “جميع محاولات تسييس الملف للضغط على القضاة المتعهدين بالقطب القضائي المالي والحال أن الإشكال قانوني وأن نبيل القروي ليس سجينا سياسيا وإنما متهم في قضايا غسل أموال”.

من جانب آخر، أصدر مجلس القضاء العدلي بلاغاً أعلن فيه “إنهاء إلحاق السادة القضاة العدليين الشاغلين لمناصب برئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والوزارات والهيئات التي لا يفرض القانون وجوبية وجود قاض عدلي ضمن تركيبتها وإصدار مذكرات تعيين وقتية في شأنهم”.

قرار مجلس القضاء العدلي جاء بعد ساعات من قرار حكومي مثير للجدل يتلخص بإقالة القاضي عماد بوخريص، رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وتعيين القاضي عماد بن الطالب خلفاً له، وهو ما دفع الرئيس قيس سعيد لانتقاد القرار، متهماً رئيس الحكومة هشام المشيشي بـ”إعاقة” مسار مكافحة الفساد في تونس.

وقوبل قرار مجلس القضاء العدلي بردود فعل سياسية وحقوقية متباينة، حيث عدّ الوزير السابق كمال العيادي أنه قد يساهم في تخفيف حدة الأزمة بين رئيسي الجمهورية والحكومة، خاصة أن رئيسا هيئة مكافحة الفساد (السابق والجديد) يخضعان أساساً لمجلس القضاء العدلي.

وكتب العيادي على صفحته في موقع فيسبوك “بعد قرار مجلس القضاء العدلي بإنهاء إلحاق القضاة العدليين لدي أجهزة السلطة التنفيذية، يصبح التعيين الأخير علي رأس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد قراراً غير قابل للتنفيذ وتصبح الإقالة أمراً واقعاً. ربما، ومن حسن الطالع، يكون قرار المجلس الأعلي مخرجا لإنهاء الجدل بين رأسي السلطة التنفيذية بخصوص هذه المسألة”.

فيما أشاد القاضي عمر الوسلاتي بقرار مجلس القضاء العدلي، الذي قال إنه جاء “بعد طول انتظار وجدل حول إلحاق القضاة لممارسة وظائف سياسية، وما لحق ذلك من خسارة كبيرة اهتزت لها ثقة عموم الناس في قاض تخلى عن جبته معتقداً أن السلطة السياسية أكثر إغراء وجاذبية”.

وأضاف “القرار تاريخي، باعتبار أن التجاء الأحزاب للقضاة في مناصب سياسية في الصف الاول وما في ذلك من مجازفة تسعى من وراءها الأحزاب الى تحقيق المصالح الضيقة بمصاهرة القضاة وترويضهم، بعد أن عرفت السلطة السياسة أزمة ثقة مزمنة من خلال قراءة نتائج الانتخابات الأخيرة”.

وتابع بقوله “ولأول مرة وبرغم الهزائم التي تكبدها القضاة الذين مروا بوزارة الداخلية من ملاحقات وتهديدات حقيقية لحياتهم، فإن الدفع بالقضاة في كل مرة لواجهة السلطة بطلب من الأحزاب التي لا تربد أن تمارس السلطة مباشرة، وتهرب من نعتها بالفساد لذلك كانت تحتاج إلى (عذرية) جديدة لتثبت للشعب عفتها المصطنعة ولتتجنب كل الأزمات التي تطُل برأسها ليجد في النهاية جسماً طرياً (سياسياً) ليعلق عليه الفشل الذي حصل وتظهر الأحزاب من جديد في ثوبها الأبيض الناصع ولا تتحمل مسؤوليتها في قبول الحكم من خلال التفويض الشعبي وتتجنب إعلان الفشل في كل مرة!”.

وكتب عصام الشابي، الأمين العام للحزب الجمهوري “كان يمكن تفهم دواعي قرار مجلس القضاء العدلي بإنهاء إلحاق القضاة لشغل مناصب في رئاسة الجمهورية والوزارات والهيئات، واعتباره محاولة للنأي بالقضاء عن الصراعات السياسية. لكن التوقيت والصفة الاستعجالية للبلاغ الصادر في هذا الشأن يعزز الشكوك حول واقع الزج بالقضاء كباقي المؤسسات في معركة النفوذ والاصطفاف الذي أنهك الدولة”.

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك