في ذكرى إسقاط طائرة محمد صديق بن يحيى

IMG_87461-1300x866

كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة مساء يوم الاثنين الثالث من مايو 1982عندما دق جرس الهاتف الخاص الذي كان يربطني برئاسة الجمهورية وسمعت صوت مولود حمروش يكلمني بصوت كأنه يخرج من بين الأضراس : فلان ؟ هل باستطاعتك الحضور بسرعة ؟، وأجبته بأنني قادم على الفور.

وتساءلت وأنا أرتدي ملابسي عن سبب الدعوة المفاجئة، وكان من أهم ما حيرني هو الأسلوب الجاف الذي استعمله مولود، إذ كنا دائما، ونحن نتحدث هاتفيا، نتبادل بعض التحيات أو المُجاملات أو المداعبات، وعندما يتطرق الأمر إلى الرئيس كنت أستعمل لقب "زيد".
وطاف بذهني أكثر من احتمال كانت كلها توحي بالقلق، فوضعت مسدسي في جيبي الداخلي بعد اطمئناني إلى أنه جاهز للإطلاق، لكنني لم أجد شيئا يثير الريبة عند مروري بمدخل الرئاسة، وكان أول ما لاحظته على وجه مولود عندما دخلت إلى مكتبه قناع الحُزن الشديد على وجهه، وقبل أن أسأله عن الأمر قال : "إنه بن يحيى ثانية"، ولعلي تساءلت بصوت اختلطت فيه الدهشة بالإنكار فقال :"لقد سقطت به الطائرة ثانية.
كانت الجزائر، في عهد الرئيس الراحل هواري بو مدين، قد لعبت دورا بالغ الأهمية، وبطلب من القيادة العراقية، لتهدئة الأوضاع بينها وبين إيران، ووفرت الظروف المناسبة لاجتماع شاه إيران مع رجل العراق القوي صدام حسين، نائب الرئيس، وهو ما أدى إلى عقد اتفاق الجزائر عام 1975.
لكن الفتور بدأ يسود العلاقات بين الجزائر والعراق بعد تراجع العراق عن الاشتراك في الجبهة القومية للصمود والتصدي التي أنشئت في طرابلس في نوفمبر 1977، كرد فعل على زيارة الرئيس المصري أنور السادات للقدس المُحتلة، بحجة أن سوريا توافق على قرار مجلس الأمن 242.
وربما ضاعف من الفتور إحساس العراق بالنوعية المتميزة للعلاقات الجزائرية السورية، والتي أخذت بعدا متزايدا إثر موقف الرئيس الجزائري الداعم لسوريا في حرب أكتوبر 1973.
وتزايد الفتور في العلاقات بين الجزائر وبغداد بعد رفض الجزائر المُهذب لفكرة الميثاق القومي العراقي كما سبق أن قلت، وترك الفتور مكانه لنوع من الغضب والمرارة إثر اندلاع الحرب بين العراق وإيران في سبتمبر1980، حين تمسكت الجزائر بوقف الحياد الإيجابي ورفضت الانحياز العِرقي لوجهة النظر العراقية، مفضلة التزام موقف متفهم للطرفين.
وربما غاب عن النظر آنذاك بأن إشعال الحرب كان يندرج في إطار جهنمي لعله يعني من بين ما يعنيه أن الذين أشعلوا نارها لن يسمحوا بأن يخمد اللهيب إلا بإشارتهم، وبعد أن تحقق كل الأهداف المطلوبة منها وأهمها استنزاف الطرفين، وبالتالي كان كل مسلم يريد للحرب أن تتوقف.
ومن هذا المنطلق كان موقف الشاذلي بن جديد وفي هذا الإطار اندرج تحرك الوفد الجزائري، الذي كان يضم عددا من خيرة إطارات وزارة الخارجية الجزائرية برئاسة بن يحيى، استقل الطائرة الرئاسية الجديدة من نوع غرومان، والتي حملت رقم : 7-TVHBووضع في رقمها الحرفان (HB) لتخليد اسم الرئيس الجزائري الراحل، وأقلعت الطائرة من مطار الجزائر باتجاه طهران التي لم تبلغنا، كما هو منتظر، بوصول الطائرة في التوقيت المُرتقب، ويؤكد اتصال مع وزارة الخارجية التركية بأن الطائرة سقطت على الأرض الإيرانية في منطقة كوتور (Quottour) على بعد نحو عشرة كيلومترات من الحدود التركية وحوالي 130 كيلومترا من العراق.
كانت هذه هي المعلومات التي جاءتنا وكنا لا نزال نعيش عقدة سقوط "المستير" في باماكو العام الماضي، وما ارتبط بها من تصرفات متسرعة ومن سوء تقدير، ومن هنا كنا بالغي الحذر والدقة ونحن نتحرى الأخبار، وأعطيتُ المعلومات كاملة كما وصلتنا في اليوم التالي، وبعد أن تم الاتصال بأسر الضحايا جميعا، وأرسلت طائرة جزائرية خاصة لإحضار الجثامين، وتقرر أن يُبث الوصول يوم السادس من مايو على الهواء مباشرة عبر التلفزة الجزائرية.
ودخلت مكتب مولود صباح اليوم السابق لوصول الطائرة لأبحث معه بعض التفاصيل، فوجدته يحمل في يده برقية قال إنها من سفارتنا في إيران وتعطي بيانات عن وصول الطائرة الجزائرية الخاصة، وكان مولود، الذي أخذ منه الحُزن كل مأخذ، يُحدق في البرقية وكأنه يُحاول قراءة رسالة مشفرة لم يتم حل رموزها بعد، ثم أعطاني البرقية وهو يقول : "ماذا تفهم من هذا ؟"
كانت البرقية بتوقيع سفيرنا في طهران، وتقول، من بين ما تقوله بعد الإشارة إلى موعد وصول الطائرة، بأن جثمان بن يحيى موضوع في تابوت معدني أما البقية فموضوعة، ربما بحكم السُرعة، في توابيت من الخشب الأبيض، بهذا التعبير".
كان السفير هو عبد الكريم غريب، وهو من الشخصيات اللامعة في المجال الديبلوماسي، وكنت أعرف أنه يستعمل الضروري من الكلمات لإرسال الضروري من المعاني، وهو ما قلته إجابة على سؤال مولود، ثم قلت، وكأنني أفكر بصوت عالٍ، بأنني أتصور بأن عبد الكريم أراد أن يُحذرنا من أن التوابيت الخشبية، وربما كانت من الخشب الحبيبي، هي بدون باطن معدني، وهو ما يعني أنها هشة جدا، خصوصا إذا تسربت إليها سوائل، وهو أمر متوقع الحدوث.
وقلت لمولود، وربما كان ذلك بتأثير التكوين الطبي، بأن سبب الوفاة هو حادث ارتبط بحريق، ويمكننا أن نتخيل الصورة التي ستكون عليها أجساد الضحايا، وهو ما يعني ببساطة أن التوابيت يمكن أن تتفكك عند نقلها لبيوت الضحايا، وتصدم العائلات بالمنظر الرهيب للأجساد المتهرئة.
ولم يضع مولود وقتا في النقاش إذ أصدر تعليمات فورية بإعداد أربعة عشر تابوتا فيها كل المواصفات المطلوبة على أن يتم ذلك في 24 ساعة على أكثر تقدير، وهو ما حدث بالفعل ويعطي صورة عن جدية الدولة وفعالية مؤسساتها وانضباط عناصرها.
ووضعت التوابيت الجديدة بعيدا عن الأنظار في حظيرة معزولة بمطار هواري بو مدين الدولي قبل وصول الطائرة، ووقف إلى جانبها مجموعة محدودة من المؤهلين.
وكانت التعليمات هي ألا يطلع على الأمر إلا أقل عدد من الناس.
وتجمع في القاعة الشرفية للمطار عدد من كبار المسؤولين وأسر الضحايا، وعلى بعد نحو كيلومتر وفي الحظيرة المعزولة كان يقف عدد من المسؤولين الذين كانوا يعرفون بالأمر ومن بينهم على ما أذكر العربي بلخير وقاصدي مرباح ومولود حمروش والهادي خديري وكاتب هذه السطور، وكنت علي اتصال دائم بالتلفزة لالتقاط الخط المباشر وبث وصول الطائرة.
وتصل الطائرة ولا يُعلن عن ذلك حتى بالنسبة للموجودين في القاعة الشرفية، وأنزلت التوابيت الخشبية وتابوت بن يحيى المعدني الذي وضع جانبا، ووضع الممرضون كل تابوت قادم بجانب تابوت جديد، وطلبت من المسؤولين الموجودين في الحظيرة بأن يتركوا لي الأمر لأنني مؤهل له بحكم تكويني الطبي، واستجاب الجميع باستثناء مولود الذي لم يشأ أن يتركني وحدي ولكنه وقف بعيدا عن التوابيت.
وأكدت نظرة سريعة للتوابيت الخشبية التي وصلت بأن عبد الكريم غريب أحسن صُنعا، فقد كانت مخلخلة لدرجة أنها فتحت بدون أي جهد يُذكر، وتم نقل كل جثمان من التابوت القديم إلى التابوت الجديد، باستثناء تابوت بن يحيى الذي لم يُفتح أساسا، ثم تم لحام الجزء المعدني من التابوت وأغلق فوقه الجزء الخشبي بالمسامير، وكنت، أولا بأول، أكتب على شريط لاصق اسم الضحية لأثبته على التابوت الجديد تفاديا لأي خلط.
ثم وُضعت التوابيت القديمة وكل ما كان فيها من أقمشة على شكل كومة في مكان منعزل ليتم حرقها، وحملت التوابيت الجديدة بشكل عكسي إلى الطائرة التي كانت متوقفة أمام الحظيرة، والتي تحركت متوجهة إلى الموقف رقم 8 أمام القاعة الشرفية، وبمجرد تحركها أبلغت إدارة التلفزة بوصول الطائرة وبدأ البث المُباشر، وكنت في تلك اللحظة قد وصلتُ قبل الطائرة إلى القاعة الشرفية وكأن شيئا لم يكن، وأنزلت التوابيت بدءا بتابوت محمد بن يحيى، وكان موقفا حزينا غمر فيه التأثر الجميع.
لكن عملي لم يكن انتهى، ففي حدود الحادية عشرة مساء كنت أطرق باب عبد الحميد اسكندر في المرادية ليكتب أسماء الضحايا على قطع كبيرة من ورق مقوى، وانتظرت حتى أكمل عمله وأخذت البطاقات لتوضع فوق كل تابوت في قاعة الترحم، وعدت إلى منزلي بعد منتصف الليل، وبعد اطمئناني إلى أن كل شيئ تم كما يجب أن يتم.
وأتوقف لحظات لأقول لكل من يرى في هذا السرد تطويلا لا فائدة منه أو استعراضا لجهد شخصي هو أولا وقبل كل شيئ واجب تجاه الوطن وتجاه الضحايا، أقول بأن ما قلته هو واجبي أيضا تجاه كل مواطن وبخاصة الشباب ليعرف الكل بأن جيلنا لم يكن عالة على الثورة أو على الوطن، وهناك كثيرون قاموا بمثل ما قمت به وزيادة ومن حقهم أن يتحدثوا باعتزاز عن الفرصة التي منحهم إياها المولى عز وجل ليكونوا في مستوى طموح أمتهم، ولقد قبل إخوة التعامل مع توابيت قادمة من منطقة حربية بدون أي تردد، وبدون أن يعبروا عن خشيتهم من قنبلة أو من بؤرة مرضية.
ويبقى أن أقول أن ما استنتجه من استشهاد محمد بن يحيى أن الأمر كان أكبر من العراق وإيران، وعلى من يعرف أن يقول لنا ماذا يعرف، إن كان "فعلا" يعرف.
والصورة لعودة بن يحيى جريحا إثر الحادث الأول في باماكو

الدكتور عميمور يكتب روايته للأحداث

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك